No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
يقوم الشِّعر الشّعبي على قواعد أكاديمية قوامها الموسيقا العروضية، ويخضع لأسس البلاغة تلك التي يقوم عليها الشِّعر الفصيح، ولكن بكتابة مختلفة ولغة يضبطها الإيقاع الثقافي والجغرافي في منطقة ما، لتتحوّل هذه اللغة إلى هُويّة خاصّة بهذه المنطقة دون غيرها.
اللّهجات في الشِّعر الشّعبي
عُرف الشِّعر الشّعبي في الجزيرة السّوريّة منذ نشأته بأشكال العتابة والموليّة بلهجات أهل الجزيرة المختلفة بينيّاً فيما بينها، ليكون الاختلاف لها صفة جماليّة تظهر هُويّة كل منطقة بشكلها الخاص، فالعتابة في لهجة أهل مدينة الحسكة تختلف عن لهجة أهل مدينة الرقة، وكذلك دير الزور، ومن فضائل هذا الاختلاف الجميل أن يصبح الشِّعر الشعبي مدرسة أدبية متكاملة الأركان، إلا أن الأنظمة المتعاقبة في سوريا، ركّزت كثيراً على الشِّعر الفصيح، وأهملت تماماً الشِّعر الشّعبي، حتّى وصل الأمر بحسب شعراء شعبيّين من الجزيرة السّورية إلى منعه من الظهور على المنابر الرّسمية في عهد نظام الأسدين البائد في سوريا.
عهد التّهميش
أشار الشّاعر الشّعبي خليل الأحمد إلى أن القصيدة الشّعبيّة الجزراوية شهدت تهميشاً متعمّداً من وزارة الثقافة السّورية في عهد نظام الأسدين على مدار أكثر من خمسة عقود، وتابع:
“المسابقات الأدبية آنذاك كانت للشّعر الفصيح وفق آليات تخضع لرقابة أمنية مشدّدة، وتمنع بشكل صريح أيَّ مسابقة تشجيعية أو حتى أمسيات شعرية خاصّة بالشعر الشعبي، فكان إلقاؤه يقتصر على الجلسات الخاصّة فقط، الأمر الذي أدّى إلى تراجعه بشكل واضح، وتراجع الاهتمام به من الكتّاب والنّقّاد والقرّاء، ولأن النقد عموماً أحد أدوات التطوير المباشرة للكلمة والشخصية الأدبية على حد سواء، فقد أثّر هذا التهميش على بنية القصيدة الشكلية والداخلية، كما أدّى إلى محو هوية القصيدة الشعبية لدى شعرائها ومحبّيها بشكل جلي ومحبط”.
كما نوّه الشاعر الشعبي عبد الغني الخضر والذي يعكف على الاهتمام بالمفردات الغنائية الجزراوية إلى أن عدم وجود مدرسة خاصّة بالشِّعر الشعبي تحافظ على لهجاته وأوزانه ومفرداته ومضامينه أفضى إلى ضياع الكثير منه وولادة أدبٍ شعبي مشوّه في الصورة والمضمون لدى الجيل الجديد، الذي يجهل أدواته تماماً، كما أدّى ذلك إلى اقتصار هذه المعلومات على أشخاص محدّدين، إذا لم يوثّقوا هذه التفاصيل ضمن مدوّنات معروفة ومتداولة بأيدي محبّيها، فسيؤدّي ذلك إلى تلاشي هذا الشكل الأدبي الجميل.
نهضة الشِّعر الشّعبي
شهدت مناطق الجزيرة السورية نهضة أدبية واضحة بمختلف أجناس الأدب الفصيح والشعبي، وبمختلف لغات شعوب المنطقة، بعد انتهاء وجود النظام السابق فعلياً في هذه المناطق منذ مطلع العقد الماضي، فكان لابد أن ينعكس ذلك بشكل كبير على الشِّعر الشعبي الذي بدأ يتحرّر من القيود السابقة، ويتصدّر المنابر الأدبية في شمال وشرق سوريا، إلى ذلك أوضح الكاتب والناقد عبد الوهاب بيراني أن المنابر الأدبية شهدت انتعاشاً كبيراً، وأصبحت تحتفي بأدبائها على مختلف توجهاتهم وانتماءاتهم ومكوّناتهم، والطريقة التي يكتبون بها، الأمر الذي شكّل ثراء ملفتاً للأدب الجزراوي، وبالوقت ذاته برزت حاجة ملحّة لإعادة ترتيب أوراق القصيدة الشّعبية والنظر في بنيتها،
التي مزقتها المراحل السابقة، وضرورة العودة إلى أصولها الأكاديمية، والتفكير جِدّياً بإدراجها ضمن الحالة العلمية للكتابة، وهذا ما بدأ يظهر من خلال إقامة مهرجانات خاصّة بالتراث الشعبي لشعوب المنطقة، والتركيز على الشعر الشعبي ركناً أساسياً في بناء الذاكرة الثقافية والحضارية للأدب في الجزيرة السورية، كما يؤكد الشاعر الشعبي خليل الأحمد أن بوادر انطلاق مرحلة جديدة للقصيدة الشعبية بشكل خاص بدأت تتبدّى ملامحها جليّاً في المهرجانات، التي بدأت تنطلق بشكل متواتر خصّيصاً لمحبّي الشِّعر الشعبي في الجزيرة والفرات؛ ما يظهر توجّهاً ملفتاً لتطوير هذا الشكل الثقافي، الذي بدأ يتعافى ويتصدر المشهد الأدبي في الكثير من المناسبات، كما أشاد بمهرجان الرقة للشعر الشعبي الذي أقامته هيئة الثقافة في مدينة الرقة بمشاركة كبيرة من شعراء الجزيرة والفرات، والذي أحدث صدى واسعاً، لحمله رسائل إنسانية وحضارية تعبّر عن حقيقة هذا الموروث الثقافي العظيم، ويؤسّس لمدرسة شعرية شعبية ربّما ستنطلق فعالياتها قريباً على مستوى السّاحة الأدبية.
المؤشّرات الجديدة كلها تضعنا أمام مرحلة للشّعر الشعبي، تفرض قواعدها وتاريخها ومستقبلها، الذي يتطلّب بناء جديداً لا يقوم على الهواية فقط، بل يتطوّر ليصبح نهجاً علميّاً أصيلاً عندما يعاصر من يحمل رايته، ويؤسّس للأجيال القادمة.
No Result
View All Result