دجوار أحمد آغا
منذ المؤامرة الكونية بحق القائد والمفكر عبد الله أوجلان، في العاشر من شهر تشرين الأول 1998، ومن ثم اختطافه وتسليمه الى تركيا بتاريخ 15 شباط 1999، من خلال عملية قرصنة دولية، ثم إصدار حكم الإعدام بحقه، وتخفيفه إلى السجن المؤبد، ثم معتقل بجزيرة إمرالي.
فلم يعد سجنه مجرد قضية جنائية، بل تحول ملفاً سياسياً مركزياً في تركيا، وباكور كردستان، وتحول السجن أساساً لحل قضايا السلام، والديمقراطية. مع مرور الوقت، باتت سياسة الإبادة والتعذيب المفروضة على القائد عبد الله أوجلان، جزءاً من استراتيجية الدولة التركية، ليس فقط لمنع صوته من الوصول إلى مؤيديه، بل لإعادة صياغة ما يصدر عنه من تصريحات وفق مصالحها وخدمة أجندتها السياسية، هذا الأمر يؤكد ما قاله القائد عبد الله أوجلان، “لا يمكن للشعوب أن ترى طريقها إن بقيت الحقيقة محجوبة”، فسياسة الإبادة والتعذيب في إمرالي، تمثل تغيب الحقيقة.
صاحب الفكر الحر
القائد عبد الله أوجلان لملايين الناس، من الكرد، والشعوب المؤمنة بالحرية والديمقراطية، هو مفكر وصاحب مشروع فلسفي حول الديمقراطية، وقضايا المجتمع، والحرية، ورؤيته حل جذري للقضية الكردية.
لذلك ارتبطت عزلة إمرالي، بالدولة التي دائما ما كانت تحاول تهميش قضية القائد عبد الله أوجلان، ورغم ذلك، فكره لم يُسجن وبات صاحب فكر حر، وكما عبّر هو نفسه في إحدى رسائله: “قد يقيدون الجسد، لكن الأفكار إن بقيت تتحرك، فستخلق واقعاً جديداً”، ومن هنا، حرصت أنقرة على فرض عزلة مشدّدة ومتعددة المستويات.
منذ سنوات، أوقفت السلطات التركية الزيارات القانونية والعائلية، إلى القائد عبد الله أوجلان، بشكل شبه كامل، ونتيجة للفعاليات المجتمعية من إضراب عن الطعام، وخيم الاعتصام، والمسيرات، والمظاهرات، والنداءات العالمية، كانت تسمح بزيارة واحدة أو مكالمة هاتفية ثم تُقطع شهوراً أو سنوات.
المعضلة الأكبر ليست فقط في عدم السماح بالزيارات، تحت حجج واهية (العقوبات الانضباطية)، بل تكمن في منع وصول صوته الحقيقي إلى الخارج، فالبيانات أو الرسائل التي يُقال إنه أرسلها، تمر بقنوات رسمية أو تصفية أمنية، وقال القائد عبد الله أوجلان، في إحدى رسائله: “لقد حولوا صوتي إلى أصداء لا أعرف من أين تأتي”! وثبت مؤخراً بأنه ليس كل ما كان يُقال يصدر عنه، فهناك الكثير مما قيل على لسانه وهو لم يتحدث به.
تركيا تتلاعب بأقواله
واشتكى القائد عبد الله أوجلان، من أن الدولة التركية لا تقدم ما يقوله فعلاً، بل ما تريد أن يُقال على لسانه، فمشكلة “التلاعب بالنص”، باتت جزءاً من معادلة إمرالي، حتى أن البعض ممن كانوا يقومون بزيارته وقعوا في هذا الفخ، يقول القائد عبد الله أوجلان، حول هذه المسالة: “من يملك المنبر يملك شكل الحقيقة التي يسمعها الآخرون”، والدولة التركية هي التي تتحكم، فبدلاً من عرض فكره ونقاشه، يتحول نصه إلى نسخة سياسية مفلترة، تُعيد إنتاج رؤيته بما يتناسب مع سياسات الدولة التركية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة مثل مستقبل الكرد، وقوات سوريا الديمقراطية، وسوريا، أو مسار المفاوضات.
برزت قضية تصريحات منسوبة للقائد عبد الله أوجلان، حول القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، بأنه شخص مقرب منه، وأنه يجب على “قسد” تسليم سلاحها، وهذا أمر لم يحدث، حيث جرى تحريف الكلام، ما يدل على تحكم الدولة التركية بالرواية، واللعب عليها.
فبينما كان الجميع ينتظر موقفاً فكرياً استراتيجياً يعكس نظرة القائد عبد الله أوجلان، إلى مستقبل الحركات الكردية، والتحالفات الإقليمية، ظهرت تصريحات مقتضبة عرضتها وسائل إعلام تركية، في سياق بدا أقرب لصوت الدولة منها لصوت صاحبها، وبين الإشارات والكلمات التي لعبت بها، في تلك التصريحات، بأن النص لم يعكس رؤية القائد عبد الله أوجلان، التي تستند عادة إلى مفهوم “التحالف الديمقراطي”، الذي طالما تحدث عنه: “القوة ليست في السلاح فقط، بل في بناء جبهة عقلانية وإرادة مشتركة”، لكن ما نُقل جاء مبتوراً، موجهاً بما يخدم حسابات الدولة التركية، وهنا ظهرت المفارقة بين خطابه، وخطاب السلطات التركية.
أداة ضغط
يبدو أن سياسة الإبادة والتعذيب “العزلة” ليست مجرد شكل من أشكال العقوبة القاسية، بل أداة لضبط الفاعل السياسية، فالقائد عبد الله أوجلان، زاد تأثيره رغم سنوات العزلة الطويلة، وبقيت قضيته أولوية داخل الأوساط الكردية، ومفتاحاً ضمن نجاح عملية سلام، لذلك أدركت الدولة أن التقليل من تأثيره، تعني السيطرة على معادلات عديدة، ومنها، الولاءات الداخلية، وخيارات الصراع، وحتى محاور العلاقات الدولية، وفي إحدى عباراته التحليلية، كتب القائد عبد الله أوجلان: “الصمت المفروض هو أيضاً خطاب، لكنه خطاب من دون صاحب”، جملة تكشف عمق إدراكه لما يجري حوله. غياب الصوت المباشر للقائد عبد الله أوجلان، خلق مساحة تتنافس فيها أطراف مختلفة على تفسير ما كان سيقوله لو كان موجوداً، هذا الفراغ لم يكن حيادياً، بل تحوّل إلى حقل توظيف سياسي، الدولة تعرض تفسيراً يخدم سرديتها، بينما القوى السياسية الكردية، تفسر الأمور عكس ما تفسره الدولة التركية، والإعلام ينسج روايات تقديرية، وبين هذه الخطابات، تضيع الحقيقة التي قال عنها القائد عبد الله أوجلان: “حين يُقتل صوتك، يتكلم الآخرون بدلاً عنك، ويصبح غيابك حضوراً مكرراً”.
امتلاك مفاتيح السلام
الكثيرون داخل تركيا، وخارجها، يرون أن القائد عبد الله أوجلان، يمثل أهم مفاتيح أي عملية سلام مستقبلية، فالتحول الفكري الذي قدمه، من كفاح مسلح لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن، إلى حالة سلام وحوار سياسي، قائم على مشروع “الأمة الديمقراطية”، أعطى لخطابه بعداً يتجاوز السجن والجغرافيا، ولذلك يقول: “إذا كان السلام ممكناً، فهو يبدأ من الاعتراف المتبادل، وليس من الصمت المفروض”.
العزلة المفروضة على القائد عبد الله أوجلان، تحولت آلية سياسية للضغط عليه، وصنع رواية جديدة، رواية تُنتج باسمه دون أن تنتمي إليه. لكن؛ يبقى السؤال الذي يطرحه أنصار السلام والديمقراطية، كيف يمكن بناء مسار ديمقراطي حقيقي، بينما يُدار أحد أهم الأصوات في الظل، ويُعاد تشكيل لغته، بما يتوافق مع سياسات الدولة التركية؟ هنا تعود جملة القائد عبد الله أوجلان، لتلخص المشهد: “حين يتكلم السجن بدلاً من السجين، تصبح الحرية مطلباً للكلمة قبل أن تكون مطلبا للجسد”.