No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
في زمنٍ تتداخل فيه ساحات القتال مع ساحات الوعي، وتتعادل فيه قوة الطائرة مع قوة الكلمة، ينهض الإعلام الحر بوصفه خط الدفاع الأول عن الحقيقة وذاكرة الشعوب، ففي قلب المعركة الدائرة حول سدّ تشرين، لم تكن المواجهة مقتصرة على السلاح والجنود، بل امتدت لتصبح معركة سردٍ ورواية، حاولت فيها آلة الاحتلال التركي أن تفرض نسختها المزوّرة على العالم، وبين ضجيج القصف وضباب الدعاية، برز صوتان حرّان “جيهان بلكين، وناظم داشتان”، اللذان حملا كاميرتيهما كما تُحمل البنادق، وواجها التضليل بصلابةٍ لا تقل عن صلابة المقاتلين على الجبهات.
لقد أعادا تعريف معنى الإعلام في زمن الحرب، حين تحوّلت عدستهما شاهداً وحارساً وجندياً، وحين صارت الحقيقة بفضلهما سدّاً لا يُخترق، ومن خلال مقاومتهما الإعلامية الشجاعة، اندفعت موجة شعبية هادرة للدفاع عن سدّ تشرين، مؤكدةً، أنّ الوعي الحر قادر على إشعال انتفاضةٍ لا تقل قوة عن أصداء المدافع.
ومن هنا تبدأ الحكاية… حكاية إعلامٍ يقاوم، وشعبٍ ينهض، وشهيدين صاغا بدمائهما ذاكرةً لن تنطفئ. منذ انهيار نظام البعث، تحوّل سدّ تشرين وجسر قرقوزاق محوراً لصراعٍ ضارٍ أرادت خلاله دولة الاحتلال التركي، أن تفرض حضورها العسكري والسياسي والإعلامي على إقليم شمال وشرق سوريا، فقد رأت في السيطرة على هاتين النقطتين الاستراتيجيتين مفتاحاً لفتح بوابةٍ واسعة نحو احتلال الإقليم كاملاً، فحشدت لأجل ذلك ثقلها العسكري وآلتها الدعائية، التي استخدمتها ذراعاً موازية للمدفع والطائرة.
وفي لحظةٍ كان فيها السوريون يستقبلون نهاية حقبةٍ قاتمة، كثّف الاحتلال هجماته الجوية والمسيّرة، ودفع خبراءه الإعلاميين إلى الجهة الغربية للسد، محاولاً صناعة رواية انتصارٍ وهمي تُمرَّر عبر القنوات والمواقع والوكالات الموالية له، أراد تثبيت صورة السقوط والسيطرة، بينما كانت نيران القصف تجعل الاقتراب من شرقي سد تشرين وجسر قرقوزاق شبه مستحيل، لكن عزيمة الإعلام الحر كانت أشدّ صلابة من الدخان المتصاعد فوق مياه الفرات، إذ نجح الصحفيان “جيهان بلكين وناظم داشتان” في الوصول إلى السد، متحدّين خطر الطائرات المسيّرة، ليكونا شهوداً وموثّقين ومفندّين رواية الاحتلال.
المقاومة العسكرية… والمقاومة الإعلامية
وفي تشرين، لم تُكتب البطولة بالسلاح وحده، مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية ومقاتلات وحدات حماية المرأة، بأسلحتهم الخفيفة والمتوسطة، وقفوا في وجه ثاني أكبر جيش في الناتو، وانتزعوا زمام المبادرة من آلةٍ عسكرية مدججة. لكن؛ المقاومة كانت ثنائية “في الميدان وفي الوعي”.
“جيهان وناظم” كانا الجسر الذي عبرت من خلاله الحقيقة إلى العالم، ففي 14 كانون الأول 2024، حين هلّل الإعلام التركي لسيطرةٍ مزعومة على السد، ظهرت عدسات زملائنا من فوقه مباشرة، وسط تحليقٍ هستيري للطائرات المسيّرة، فنُسِفت تلك الرواية من جذورها، وبعد خمسة أيام فقط، ومع هجومٍ جديد من ثلاثة محاور بالدبابات، والمدرعات، والطيران، أطلق الاحتلال حملته الإعلامية الأوسع لتثبيت صورة النصر، إلا أن مشاهد “جيهان وناظم” كشفت العكس تماماً “معدات مدمرة، وتراجع متسارع، ودبابة تركتها المرتزقة خلفها، وهي تولي الأدبار هاربة”.
مقاومة إعلامية تمهّد لانتفاضة شعبية
لم تكن مقاومة “جيهان وناظم” الإعلامية مجرد كشفٍ للحقيقة، بل كانت شرارةً فجّرت وعياً شعبياً واسعاً، فقد مهّدت تلك التغطية الشجاعة لالتفاف عشرات الآلاف من أبناء المنطقة حول حماية سدّ تشرين، ليدافعوا عنه باعتباره شريان حياة، ورمز صمود، وخطاً أحمر أمام أطماع الاحتلال، وهكذا تحوّلت الصورة والكلمة إلى قوةٍ تعبّر عن إرادة الناس، وتحوّلت التغطية الإعلامية إلى طاقةٍ شعبية هائلة تصدّت لأي محاولات للترهيب أو فرض الروايات المضللة.
الإعلام الحر… حين يتحوّل جيشاً من الحقيقة
ولم يكن “جيهان وناظم” مجرّد ناقلين للأحداث، بل كانا مقاتلين من نوعٍ آخر، يحملان الكاميرا بصلابة مثل حامل البندقية، واجها ماكينة إعلامية تضليلية معتقة، وقدما نموذجاً نادراً للصحفي الذي يحمي الوعي الجمعي كما يحمي الجندي الأرض، لقد أفشلا الحرب الإعلامية للاحتلال، كما أفشل المقاتلون هجماته على السد.
واصلا عملهما حتى اللحظة الأخيرة، بعنادٍ يشبه عناد الفرات في وجه الغزاة، وفي 19 كانون الأول، وعلى الطريق الواصل بين سد تشرين وصرين، باغتتهما طائرة مسيّرة تركية، فارتقيا شهيدين، لينضما إلى كوكبة الإعلام الحر “مظلوم دوغان، وخليل داغ، وغربت ألي أرسوز، ومصطفى محمد، ورزكار دنيز، ودليشان إيبش، وهوكر محمد، وسعد أحمد، وعصام عبد الله”، قافلةٌ صاغت بدمائها ذاكرة الشعوب وصوتها الحر.
مرآة النظام الديمقراطي وذاكرة الشعوب
إن استشهاد “ناظم وجيهان” برهانٌ جديد على أن الإعلام الحر ليس مؤسسة أخبار فقط، بل خط دفاعٍ إنسانياً وديمقراطياً في مواجهة الإعلام السلطوي والرأسمالي والاحتلالي، منذ أن وضع مظلوم دوغان أسس هذا النهج داخل أقبية سجن آمد عام 1982، أصبح الإعلام الحر مرآة لشعوب المنطقة كلها “الكرد، والعرب، والسريان، والأرمن، والتركمان، والشركس”، ومرآة تعكس تطلعات الشعوب نحو العدالة، وتصون ذاكرتها الجماعية من محاولات الطمس والتزييف.
فدماء “جيهان وناظم” لم تُسقط فقط قناع الدعاية التركية، بل رسّخت حقيقة أن الكلمة الحرة، حين تُكتب بشرف، تصبح سلاحاً لا يقلّ أثراً عن المدفع، وتتحوّل إلى حصنٍ يحمي الوعي، ويثبت أن الذاكرة الجماعية لا تُقهر مهما تعاظمت حملات التضليل.
No Result
View All Result