No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
تحول مخيم “الشهيد رستم جودي” في مخمور، من ذاكرة تهجير إلى مشروع مقاومة وعودة، حقيقة شعب هُجر من بلداته وقراه الى صحراء نينوى نتيجة الهجمات الوحشية للجيش التركي خلال حقبة التسعينات من القرن الماضي في الصراع الدائر بينه وبين مقاتلي حزب العمال الكردستاني، يقف مخيم مخمور واحداً من أكثر التجارب السياسية والاجتماعية إثارة للنقاش، هنا تختلف الأمور فاللاجئون لا يشبهون صورة الضحية، التي تنتظر العطف الدولي، بل مجتمع منظم، يتحدث لغة المقاومة والتنظيم الذاتي وحق العودة، فالمخيم ليس مجرد تجمع لناس هربوا من بطش الحرب والاضطهاد، بل قلباً ينبض بالحياة والحنين في الرجوع الى أرض الوطن، بعقود طويلة من النضال، والتعليم الذاتي، والتنظيم المجتمعي تحول المخيم إلى نموذج سياسي واجتماعي يثير اهتمام الباحثين والمنظمات الدولية.
اليوم، يعود اسم المخيم إلى الواجهة مع انعقاد الكونفرانس الرابع عشر لمجلس عشتار، وبروز قضايا المرأة والرسائل السياسية المرتبطة بحق العودة، ولا سيما تلك المرتبطة بفكر القائد والمفكّر “عبد الله أوجلان” الذي كانت له رسالة مهمة موجهة الى المجتمعين في الكونفرانس.
تاريخ التهجير… من جبال كردستان إلى صحراء نينوى
في منتصف تسعينات القرن الماضي شهدت مناطق باكور كردستان واحدة من أعقد عمليات التهجير القسري الممنهج، حيث مئات القرى أحرقت ومحيت من الخرائط، تحت حجة محاربة (الإرهاب) والتي هي من وجهة نظرهم، مقاتلو الحرية قوات الكريلا، عشرات الآلاف من الأهالي لم يجدوا خياراً سوى عبور الحدود نحو باشور كردستان -العراق، لتبدأ رحلة طويلة من الشتات، شملت العيش تحت خيم بلا ماء ولا كهرباء، النزوح المتكرر داخل العراق وصولاً إلى صحراء قاحلة قرب نينوى، خلال عام 1998 أنشئ مخيم مخمور الحالي بدعم محدود من الأمم المتحدة، ليتحول تدريجياً إلى مجتمع بحد ذاته يضم اليوم نحو 12 ألف لاجئ، لكن مأساة البناء كانت أيضاً نقطة تحول، ففكرة المخيم لم تكن مجرد انتظار للمساعدات، بل مشروع مجتمع منظم بروح المقاومة.
من الصحراء إلى مركز مقاومة وإرادة
وعلى مدى سنوات، استطاع سكان المخيم، رغم الهجمات الأمنية والتضيق السياسي، أن يشقوا طريقاً مختلفاً شمل بناء مدارس، ومؤسسات مجتمعية، وتنظيم فعاليات سياسية وثقافية، وتطوير نموذج حكم ذاتي تشاركي، حيث تحول المخيم الى مركز تدريب سياسي وفكري، بيئة خاصة للمرأة المنتظمة في مؤسسات قيادية، وحاضنة لفكر المجتمع الديمقراطي، ومنطقة منسية تصنع ذاتها، من مخيم إلى نموذج حياة قائم على المجالس المحلية، والتعليم الذاتي، والمشاركة الشعبية، إلى جانب أدوار متقدمة للمرأة، تحوّل المخيم إلى مساحة تطبيق عملي لنظرية المجتمع الديمقراطي التي طرحها القائد والمفكر “عبد الله أوجلان”، لا تبدو أقسام المخيم كمخيّمات تقليدية، بل شوارع ومراكز تعليم، ومجلات محلية، ومجالس أحياء، وبرامج تدريب فكري، وأنشطة ثقافية وسياسية يومية، هذا الواقع جعل مخموراً ليس مخيماً للاجئين فقط، بل مكاناً يُنتج خطاباً سياسياً.
الكونفرانس الرابع عشر لمجلس عشتار… صوت المرأة في الواجهة
ويضم مخيم مخمور مجموعة مؤسسات للمرأة، أبرزها مجلس “عشتار” الذي تحوّل إلى مركز قرار المرأة في المخيم، والكونفرانس الرابع عشر للمجلس، الذي انعقد مؤخراً، لم يكن حدثاً تنظيمياً عادياً، بل محطة تقييم سياسية واستراتيجية شاركت فيها مئات النساء، وانتُخبت خلاله قيادة جديدة، وأُقرت خطط عمل للمرحلة القادمة، وكانت أبرز القضايا الرئيسية التي تناولها الكونفرانس، واقع المرأة تحت الحصار والحرب، وحقوق اللاجئات ودورهن السياسي، وبناء ثقافة السلام عبر التنظيم المجتمعي، وترسيخ نموذج القيادة النسوية الحرة.
وبرزت في خطابات الكونفرانس مفاهيم، “التحرر النسوي كشرط للتحرر المجتمعي، ودور المرأة في مواجهة الحصار، وبناء قيادة نسائية فاعلة قادرة على حماية المجتمع”، كان واضحاً أن الكونفرانس ليس فعالية شكلية، بل حلقة ضمن سلسلة بناء الوعي والقدرة لدى النساء اللواتي أصبحن ركائز الإدارة المحلية.
رسالة القائد عبد الله أوجلان… البعد السياسي والروحي
وكان لرسالة القائد والمفكر “عبد الله أوجلان” الى المجتمعين في الكونفرانس حضور معنوي وسياسي كبير، وقد أكّدت رسالته، على أن المرأة في مخمور تمثل جوهر التجربة الديمقراطية ونموذجاً للتحرر الاجتماعي، وأن النضال ليس مجرد رفض للظلم، بل بناء نموذج بديل، بينما حق العودة جزء من حق الحياة الحرة والمنظمة، الرسالة حملت دلالة سياسية وروحية، فقد ارتبط المخيم بأفكار “عبد الله أوجلان” منذ مراحل تأسيسه وصولاً لمشروع “الأمة الديمقراطية” الذي يرى المجتمع كفاعل سياسي وليس تابعاً للدولة.
المرأة في مخمور… تحدي الإقصاء وبناء الذات
وخلال عقود التهجير والعيش داخل مخيم محاصر سياسياً، كان يمكن للمرأة أن تكون الحلقة الأضعف، لكن ما حدث كان العكس، فالنساء في المخيم شاركن في حمل السلاح دفاعاً عن المخيم، وأسسن منظومات تعليمية وإدارية، وقمن بقيادة حملات صحية وتربوية، كما مثلن المخيم دولياً في فعاليات حقوق الإنسان، تجاوز دور المرأة البعد الاجتماعي، ليصبح أداة سياسية في مواجهة سياسات الإقصاء والتهميش، إذ يُنظر إليهن كمؤسسات للشرعية الجماعية داخل نموذج “مجتمع مخمور”.
مخمور تحت الحصار.. والمرأة في الخط الأمامي
ولم يقتصر الصراع على الماضي، بل استمر عبر حصارات واعتداءات، وقصف جوي، وتضييق على الحركة والاقتصاد، فخلال ذلك، لعبت المرأة دوراً رئيسياً في الحفاظ على تماسك المجتمع، خصوصاً حين وقفت مع الرجال في الخطوط الأمامية أو داخل التنظيمات السياسية. وعكس أحد أبرز شعارات كونفرانس مجلس عشتار هذه الحقيقة: “لا مجتمع ديمقراطي بلا قيادة نسوية”، المخيم تعرض لهجمات جوية تركية، وحصار اقتصادي وعزل إداري، ومنع الحركة والخدمات، إضافة لتضييق من أطراف عراقية محلية.
المخيم مرآة لمشروع المجتمع الديمقراطي
وضمن مخيم مخمور انهارت الصورة النمطية للمرأة المهزومة والمنكسرة، ففي مجتمع عاش القتال والنزوح والحصار، كان من المتوقع أن تبقى المرأة في الخلف، لكن ما حدث في مخيم مخمور كان العكس، فقد بدأت المرأة بقيادة وحدات للدفاع عن المخيم، كما أشرفت على التعليم والإدارة من خلال نظام الرئاسة المشتركة، بالإضافة الى قيادة المفاوضات وتمثيل المخيم، وكذلك طرح الرؤية السياسية حول السلام وحق العودة، ففي إحدى كلمات الكونفرانس، قالت متحدثة: “عندما تقود المرأة المجتمع، لا يصبح اللاجئ ضحية، بل يصبح صاحب حق ورؤية.”
رسالة الكونفرانس إلى العالم: المخيم يريد السلام، لا الحرب
ووفق وثائق الكونفرانس الرابع عشر، فإن النساء لعبن دوراً مركزياً في الكثير من الأمور منها مثلاً “الحفاظ على الخدمات الأساسية، وإدارة المخيم أثناء الأزمات، وتطوير برامج التضامن الداخلي”، الأمر الذي جعل المخيم يُنظر إليه كمعمل لإنتاج القيادة في الظروف المستحيلة، لإن تجربة مخيم مخمور مرتبط بمشروع سياسي أكبر، يقوم على جملة من الأسس مثل الديمقراطية القاعدية، التعليم السياسي، الإدارة الذاتية، المساواة الجندرية، لذلك، لا تتعامل تركيا معه كمخيم فقط، بل كرمز فكري وسياسي، وهو ما يفسر محاولات حصاره المستمرة.
الكونفرانس منبر خطاب العودة
وخلال الجلسات الختامية، طرح مجلس عشتار رؤية واضحة لمستقبل المخيم من خلال ما يلي:
-السلام ليس شعاراً، بل مشروعاً عملياً يبدأ من الاعتراف بالمخيم.
-العودة هي الحق الأعلى للسكان وليست منّة سياسية.
-تركيا يجب أن تثبت نيتها في الحل عبر ضمان العودة الآمنة والقانونية.
-فتح نقاش قانوني حول العودة.
-ضمان حياة آمنة في القرى الأصلية.
-إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعلى رأسهم أوجلان.
عودة المهجرين… مطلب حقوقي أم رافعة سياسية؟
وبالنسبة لمجلس عشتار، العودة ليست مجرد حل إنساني، بل شرطاً سياسياً وأخلاقياً لتصحيح مسار الحرب، فالنساء في المخيم قدّمن هذه القضية كموضوع يعكس:
-فشل الدولة في معالجة أزمات الحرب.
-نجاح المجتمع المهمّش في إنتاج بدائل.
-مركزية المرأة في بناء السلام.
لذلك، يتحول ملف العودة هنا من “معونة للاجئين” إلى اعتراف بالشرعية السياسية للمخيم، بمعنى آخر، مخمور بوابة اختبار، إذا استطاعت تركيا حل ملف مخيم مخمور، فإنها قادرة على حل أوسع القضايا الكردية.
كيف تتعامل تركيا مع ملف مخيم مخمور؟
وتنظر أوساط سياسية إلى مطالب سكان مخيم مخمور، على أنه اختبار لنية تركيا في الحل الديمقراطي، إذ إن عودة سكان المخيم إلى قراهم قد تشكل خطوة رمزية لإنهاء عقود من الصراع، كما أن الاعتراف بمعاناة التهجير يكون بداية جيدة للحوار مع الحركة السياسية الكردية، لكن حتى الآن، تُتهم تركيا باتباع عكس ذلك عبر فرض حصار اقتصادي على المخيم، منع حق التنقل، استهداف المخيم بقصف جوي بين فترة وأخرى، وبناء على وثائق الكونفرانس، فإن السلام يبدأ من مخمور؛ أي من اعتراف الدولة التركية بحقهم في العودة الطوعية والآمنة.
مخمور… قضية عودة لا قضية مساعدات
ومن منظور القيادة النسائية في المخيم، فإن المشكلة الأساسية ليست المساعدات أو الاعتراف بالمخيم، بل الاعتراف بحق العودة. ولهذا، يربط المخيم بين “الديمقراطية في تركيا، وحرية أوجلان، وضمانات العودة، وإنهاء الحرب”، وبين هذه العناصر يرى المخيم نفسه جزءاً من مشروع أكبر، لا مجرد نقطة على خريطة اللاجئين.
نموذج للمرأة الحرة… من عشتار إلى المخيم
فاختيار اسم “مجلس عشتار” ليس صدفة، حيث أنه رمز لغوي وحضاري يعكس صورة المرأة القائدة، لكن في مخيم مخمور، عشتار ليست رمزاً أسطورياً فقط، بل امرأة معلمة، مقاتلة، أم، قائدة سياسية، ومشروع مستمر لبناء مجتمع بديل، وأكد الكونفرانس الرابع عشر، على أن هذا المشروع لم يعد مجرد تجربة محلية، بل هو قابل للاقتداء، داخل كردستان وخارجها.
مخيم مخمور بين المقاومة والحل
وبعد أكثر من ربع قرن على التهجير القسري، يطرح مخيم مخمور اليوم سؤالاً على المجتمع الدولي: “هل يبقى اللاجئون أداة سياسية بين الدول، أم يصبحون طرفاً في صياغة مستقبلهم؟”، فالرسالة التي وجهها الكونفرانس كانت واضحة، المخيم بقدر ما هو ضحية هو فاعل سياسي مؤثر أيضاً، وبقدر ما يمثل الألم، فهو يطرح أفق الحل، إن عودة سكان مخمور إلى بيوتهم ليست مطلباً إنسانياً فقط، بل اختباراً لمشروع السلام في المنطقة، مهما طال الزمن، يبدو أن إرادة المخيم وخاصة نساؤه، ستظل تحفر في صحراء السياسة بحثاً عن العودة، فالمخيمات ليست بالضرورة فضاءات انتظار، بل يمكنها أن تتحول إلى مؤسسات مقاومة، ومراكز قرار، وتجارب سياسية، وبين الرسائل القادمة من إمرالي، وصوت النساء في المخيم، يتضح المشهد جيداً بأن الحل يبدأ من الاعتراف به، قد تكون صحراء مخمور قاسية، لكنها تحوّلت إلى مدرسة تصنع قادة ومشروعاً ورؤية لمستقبل حُرموا منه ولم يولد بعد.
No Result
View All Result