No Result
View All Result
الحسكة/ محمد حمود ـ بمشاركة 23 فرقة انطلق مهرجان أوركيش الثالث، لإحياء ألحان شعوب المنطقة بالثقافة الكومينالية، ورسالة واضحة بأن تراث شعوب المنطقة لن يدفن تحت ركام الحرب والنسيان، وكل عمل فني إعلان حرب سلمية على ذهنية الإنكار والاستبداد.
انطلقت في مدينة الحسكة، الإثنين الثامن من شهر كانون الأول الجاري، فعاليات مهرجان أوركيش بنسخته الثالثة تحت شعار “بالثقافة الكومينالية تحيا أصوات وألحان الشعوب”، بمشاركة واسعة من الفرق الفنية المحلية والوفود القادمة من جنوب كردستان.
بعد تحضيرات دامت ثلاثة أشهر انطلقت يوم الإثنين الثامن من كانون الأول 2025 فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان أوركيش الثقافي والفني في قاعة سردم بمدينة الحسكة، تحت شعار “بالثقافة الكومينالية تحيا أصوات وألحان الشعوب”.
المهرجان الذي تنظمه هيئة الثقافة والفن في مقاطعة الجزيرة بالتعاون مع حركة ميزوبوتاميا للثقافة والفن الديمقراطي وحركة الهلال الذهبي (هلال زيرين)، يمتد على ثلاثة أيام ويضم 23 عرضاً فنياً، من بينها ثلاث فرق قادمة من باشور كردستان، في رسالة واضحة بأن الثقافة قادرة على تجاوز الحدود والحصار والحروب.
حضر الافتتاح حشد كبير ضم ممثلين عن مؤسسات الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، وأعضاء من قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، وشخصيات سياسية وحزبية، إلى جانب فنانين ومثقفين وجمهور غصت به قاعة سردم في حي مشيرفة.
رسالة وحدة ثقافية حقيقية
بدأ الحفل بالوقوف دقيقة صمت إجلالاً لأرواح الشهداء، ثم توالت الكلمات التي ربطت بين التراث الفني والنضال السياسي والاجتماعي.
“سمية محمد”، الرئيسة المشتركة لحركة ميزوبوتاميا للثقافة والفن الديمقراطي، ألقت كلمة الافتتاح فرحبت فيها بالفرق القادمة من باشور كردستان رغم الصعوبات والعراقيل، وقالت: إن هذه المشاركة “رسالة وحدة ثقافية حقيقية”.
وأضافت: “نحن هنا لنوصل صوت شعوب المنطقة وثقافاتها إلى العالم، ولنؤكد أننا سنواصل تنظيم هذه الفعاليات تكريماً للشهداء وترسيخاً لقيم السلام”. وشددت “سمية محمد” على أن “أهمية المهرجان تكمن في تعزيز الروح التشاركية بين شعوب شمال وشرق سوريا وسوريا عموماً، وإتاحة المجال أمام الشعوب لتقديم فنونها وتراثها الثقافي بحرية تامة”، معتبرة أن هذا النوع من الفعاليات هو “جسر حقيقي للتواصل بين شعوب عانت عقوداً من الإنكار والقمع”.
من جانبه، هنَّأ “آلدار خليل”، عضو الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديمقراطي، بانطلاق الدورة الثالثة، مشيراً إلى الرمزية الكبيرة لتزامن المهرجان مع ذكرى الإطاحة بنظام البعث قبل عام واحد فقط.
وقال خليل: “بعد أربع عشرة سنة من الثورة السورية، ما يزال الواقع بعيداً عن تطلعات الشعب، لكن تمسكنا بالثقافة هو تأكيد على حق جميع السوريين – بغض النظر عن اختلاف أديانهم وأعراقهم – في بناء سوريا ديمقراطية تضمن الكرامة للجميع”.
وأضاف: إن “ذهنية البعث القائمة على إنكار التنوع ما زالت موجودة في أماكن كثيرة، ومشروع الأمة الديمقراطية وحرية المرأة هما الطريق الوحيد لثورة حقيقية”.
بداية غنية ونوعية
بعد الكلمات، انتقلت القاعة إلى عالم آخر. افتتحت الفنانة الكبيرة جيندا كنجو (من السليمانية) الأمسية بصوتها الأوبرالي الذي هز الجدران، مقدّمة باقة من الأغاني التراثية الكردية الثقيلة التي تمتد لعقود، فأطربت الحضور وأبكته في الوقت ذاته.
ثم توالت الفرق المحلية والضيوف، تقدم ألحاناً كردية وعربية وسريانية، رقصات فلكلورية وأنغاماً ثورية، في لوحة فنية عكست التنوع الذي تتباهى به المنطقة وهي فرقة بوطان من قامشلو، وفرقة الشهيد أسمر التابعة لهلال زيرين من كوباني، وفرقة دفات الفرات من الرقة، وفرقة الشهيد خبات من تربه سبيه، وفرقة الشهيدة هيفا التابعة لحركة الهلال الذهبي من عفرين، وفرقة سردم من الحسكة.
كما وجه الفنان والمناضل السوري سميح شقير رسالة تهنئة للمهرجان، مؤكداً أنه يشكل جسراً للتواصل والحوار بين الفنانين.
“فاروق توزو“، الرئيس المشترك لمجلس مدينة الحسكة، كان من أكثر المتابعين حماسا للأداء الفني، يقيم العمل الفني والمشاركة في المهرجان: “الفرق التي شاركت في الأمسية الأولى كانت على مستوى عالٍ جداً من الأداء، أبهرت الجميع بجديدها وأدائها المتميز”.
ويخص بالذكر عدداً من العازفين الذين “كانوا يسترعين للانتباه بقوة”: عازف الجمبش في فرقة خبات تربه سبيه، وعازف الكمان الشاب كانيوار خشو الذي تألق مع فرقتي سردم وبوطان قامشلو، إضافة إلى عازفين آخرين في الفرق المشاركة.
أما عن جيندا كنجو فيصفها توزو بأنها “كانت قمة في الحضور، صوت أوبرالي نادر، رغم أنها قدمت أغاني تراثية ثقيلة جداً دون أن تغني ولو أغنية واحدة من تأليفها أو مكتوبة خصيصاً على قياس صوتها الاستثنائي، وهي جديرة حقاً أن تكون محط اهتمام أكبر على المستوى الإقليمي والعالمي”.
ويختم توزو بملاحظة مهمة: “في هذا المهرجان ثمة أصوات وألحان وعازفين جديرين بالاهتمام أكثر بكثير مما نراه اليوم، ويجب أن نعمل على تسليط الضوء عليهم ودعمهم ليصلوا إلى العالم”.
مشروع مقاومة
وفي حديث خاص بعد انتهاء الأمسية الافتتاحية، أكدت “سمية محمد“، الرئيسة المشتركة لحركة ميزوبوتاميا للثقافة والفن الديمقراطي، أن مهرجان أوركيش في دورته الثالثة يتجاوز كونه احتفالية فنية ليصبح “مشروعاً مقاوماً بأدوات الجمال والروح”.
وأضافت: “نحن نعيش مرحلة تاريخية يُراد فيها طمس هويات شعوب بأكملها، سواء بالقنابل أو بالحصار الاقتصادي أو بالتعتيم الإعلامي. في هذا السياق، يأتي مهرجان أوركيش ليقول بكل وضوح: لن نسكت، ولن نترك تراثنا يُدفن تحت ركام الحرب والنسيان. كل لحن يُعزف هنا، كل صوت يرتفع، كل رقصة تُرقص على هذا المسرح إعلان حرب سلمية على ذهنية الإنكار والتفرد والاستبداد.”
وأردفت: “نحن لا نغني فقط من أجل المتعة، بل نغني لنثبت أن شعوبنا ما زالت حية، وأن لغاتنا وأزياءنا وأنغامنا هي جزء لا يتجزأ من تاريخ هذه الأرض”.
وختمت “سمية محمد” كلامها بابتسامة واثقة: “كل صوت خرج من هذه القاعة الليلة هو رصاصة في قلب الظلام. وكل لحن سيخرج في اليومين القادمين سيكون خطوة أخرى نحو الحرية الحقيقية”.
رسالة المهرجان
بهذه الآراء يصبح مهرجان أوركيش الثالث أكثر من حدث فني، بل إعلان سياسي – ثقافي بأن الشعوب قادرة على كتابة تاريخها بأصواتها وألحانها، حتى وسط أصعب الظروف.
إن ما يميز مهرجان أوركيش ليس فقط البرنامج الفني الغني، بل الرسالة السياسية والاجتماعية التي يحملها في زمن تتصارع فيه الهويات وتتكسر فيه الحدود بالقوة.
ففي الوقت الذي تحاول فيه قوى إقليمية ودولية تقسيم سوريا أو إعادة هندستها وفق مصالحها، يأتي هذا المهرجان ليؤكد أن شعوب المنطقة – كرداً وعرباً وسرياناً وآشوريين وتركمان وشركس – قادرة على أن تبني جسوراً من الألحان والألوان والكلمات.
في السياق نفسه، يأتي شعار “الثقافة الكومينالية” ليضع النقاط على الحروف: هذه ليست مجرد حفلة موسيقية، بل محاولة لبناء نموذج مجتمعي يقوم على الشراكة والتعددية والمساواة الجندرية والاحترام المتبادل.
الأيام المتبقية من المهرجان ستشهد المزيد من العروض واللقاءات والحوارات. لكن؛ الرسالة الأهم قد أُطلقت بالفعل من قاعة سردم في الحسكة: في عالم يغلب فيه صوت السلاح على صوت الإنسان، لا تزال هناك قلوب تؤمن أن لحناً كردياً قديمًا أو دبكة عربية أو ترتيلة سريانية قادرة على أن تكون أقوى من أي سلاح.
مهرجان أوركيش الثالث ليس مجرد حدث ثقافي عابر، بل هو تأكيد على أن الثورة الحقيقية تبدأ من الروح، وأن الشعوب حين تتحد في تراثها وفنونها، تصبح قادرة على كتابة مستقبلها بيدها.
ويذكر أن الدورة الثانية للمهرجان كانت قد أقيم في قامشلو تحت شعار “بالحناجر المقدسة تقام الثورات”، استذكاراً للشهيدة الفنانة مزكين (غربت آيدن) بتاريخ 11 أيار 2023 لتستمر ستة أيام متتالية، بمشاركة 25 فرقة موسيقية.
في حين أقيمت الدورة الأولى “مهرجان أوركيش الأول للموسيقا وأغاني الشعوب” من 23 إلى 31 كانون الأول 2017 بقامشلو بمشاركة 38 فرقة من شمال وشرق سوريا وشنكال.
No Result
View All Result