No Result
View All Result
شفيق عامر
في تفاصيل الحياة اليومية، نتوهم أن الأمور تسير على نحو طبيعي، يتضخم كيان خفي يُدعى «الأنا» حتى يتجاوز حدوده الطبيعية، فيصبح مركزاً نرى منه العالم بدلاً من أن نرى أنفسنا من خلاله، وفي مجتمعاتنا الشرقية خصوصاً، يبدو أن هذا التضخم يأخذ شكلاً حاداً، حتى يغدو كل فرد وكل جماعة معياراً قائماً بذاته للحقيقة والصواب، إلى حدّ تتحول فيه “الأنا” من عين نرى بها العالم إلى مرآة مشوهة ننعكس عليها وحدنا.
ولا تعد هذه الأزمة مجرد سلوك فردي عابر، بل إشكالية فكرية وفلسفية عميقة تفسّر جانباً كبيراً من صراعاتنا الاجتماعية والسياسية والطائفية والدينية، بل وحتى الروحية.
أنا الفرد… نموذج يتوهم الكمال
ويكفي أن ننظر إلى أبسط المشاهد اليومية لفهم طبيعة المشكلة، سائق سيارة يبطئ من أمامه، ليصفه بالغباء، ويسرع من خلفه، فيتهمه بالتهور، هنا ليست السرعة معياراً، بل «أنا» السائق، فهي النقطة التي يقيس بها الآخرين.
والمشهد يتكرر بطريقة تكاد تكون ثابتة في حياتنا اليومية، ففي الكرم، من ينفق مثلنا فهو كريم، من يزيد مسرف، ومن ينقص بخيل. وفي الشجاعة، من يشبهنا عاقل، من يزيد متهور، من يقلّ جبان، أما في الدين، من يعبد الله كما نعبد نعدّه تقي، من يقلّ مقصّر، ومن يزيد مغالٍ ومتزمت.
وبهذه الطريقة نمارس “دون وعي” سلطة أخلاقية غير مرئية على الآخرين، محوّلين ذواتنا موازين للوجود، وكأن الحياة خُلقت لتدور حول تجربتنا الخاصة وحدها.
الأنا الجماعية… حين يتحول الرأي طائفة والحقيقة حزباً
ويبدأ الخطر الأكبر، عندما تنتقل الأنا من الفرد إلى الجماعة، فكل طائفة ترى نفسها «الأكثر تعقلاً»، وكل حزب يزعم تمثيل «الوعي الوطني الحقيقي»، وكل جماعة فكرية تعتقد أنها صاحبة «القراءة الصحيحة للتاريخ والدين والإنسان».
وهكذا يتحول المجتمع فسيفساء من «أنا» جماعية، كل منها ترفع راية امتلاك الحقيقة، وتبني حول ذاتها جدراناً سميكة من التعصب تمنع مساءلة النفس وتمنع رؤية الآخر.
وعندما تتضخم الأنا الجماعية، يتقلص الوطن تلقائياً، تغيب المساحة المشتركة، وتضيع الحقيقة بين الجدران التي يبنيها الجميع حول يقينياتهم.
لماذا يحدث ذلك؟ ثلاث قراءات فلسفية
وتقدّم الفلسفات الحديثة تفسيرات متعددة، يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط رئيسية:
1ـ البحث عن ثبات في عالم متغير أمام الاضطراب المحيط، يبحث الإنسان عن نقطة صلبة يقف عليها، ولأنه لا يجدها خارجاً، يصنعها في داخله “رأيه، عاداته، قناعاته”، فيضخمها ليشعر بالأمان.
2ـ الخوف من مواجهة الذات، فالاعتراف بأن الآخر قد يمتلك جزءاً من الحقيقة يتطلب شجاعة ووعياً ونضجاً، ولأن كثيرين يفتقدون هذه الجرأة، يفضلون إدانة الآخرين على مراجعة الذات.
3ـ غياب ثقافة السؤال والشكّ والإصغاء في مجتمعات لا تُربّي أبناءها على الفلسفة والسؤال، ولا على تعدد الرؤى، يصبح الرأي الواحد «هوية» جاهزة، ويصبح الاختلاف تهديداً، وتُزرع بذور التعصب بسهولة.
الحقيقة الغائبة.. لسنا معياراً لأحد
ومن منظور فلسفي وإنساني، لا يوجد إنسان ثابت بما يكفي ليكون معياراً لغيره، فنحن نتغير مع العمر والتجارب، وما نراه صواباً اليوم قد نراه غداً محدوداً أو ناقصاً. وأكبر أوهام الإنسان هو الاعتقاد بأن حالته الراهنة هي «الحقيقة المطلقة»، بينما هي في الحقيقة مجرد محطة من محطات تطوره. والتواضع الفكري لا يعني التخلي عن الرأي، بل إدراك أنه ليس النموذج الوحيد الممكن، فالاختلاف طبيعي، وضروري، لأنه ناتج عن تجارب متعددة وزوايا رؤيا مختلفة.
والتواضع يعيد الأنا إلى حجمها الطبيعي:
ـ أنا ترى ولا تحكم.
ـ تسأل ولا تتعالى.
ـ تفكر ولا تدين.
الحقيقة غابة واسعة وليست شجرة واحدة
ولا تجعل ذاتك نافذة ضيقة تطلّ بها على الكون، فالحقيقة ليست شجرة تقف عند بابك، بل غابة واسعة تتشعب فيها طرق كثيرة، وقد يصل غيرك إلى ما لم تصل إليه أنت يوماً.
دع الناس وشأنهم، وانشغل بإصلاح ذاتك، فأعظم خطايا العقل أن يظن أنه امتلك الحقيقة، وأعظم فضائله أن يسعى إليها… دون أن يدّعي بلوغها كاملة.
No Result
View All Result