No Result
View All Result
روناهي/ تل حميس ـ وسط الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تثقل كاهل الأهالي في القرى والبلدات، تُهدد العادات الاجتماعية، التي شكّلت عبر عقود الركيزة الأساسية للترابط المجتمعي بالتراجع والاندثار، وبين ضغط الظروف الاقتصادية ورغبة الناس في الحفاظ على هويتهم، يبقى الخيار مفتوحاً إما أن تتجدد هذه العادات بروح تتناسب مع العصر، أو تنطوي شيئاً فشيئاً تحت وطأة التكاليف.
ففي المجتمعات الريفية، كانت الأفراح والأتراح مساحة للتلاقي والتكافل، غير أن الأوضاع المعيشية الصعبة دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في قدرتهم على المشاركة أو الالتزام بتلك العادات، التي كانت تُعد جزءاً من الهوية الجماعية.
الأعباء المالية تقيد العادات الاجتماعية
خلال مراسم دفن إحدى نساء قرية الجيسي، تحدّث الشاب “فرز إسماعيل” لصحيفتنا “روناهي” عن التحولات العميقة التي شهدتها الحياة الاجتماعية نتيجة الأزمات الاقتصادية المتفاقمة: “إن تأثير الضغوط المادية تجاوز حدود المعيشة اليومية ليطال القيم والعادات التي طالما ميزت المجتمع الريفي”. ونوه إسماعيل، إن التضامن الشعبي كان في الماضي سمة أساسية في كل مناسبة، سواء فرح أو حزن، إذ كانت المشاركة طوعية وبسيطة، وتعكس رغبة حقيقية في دعم الآخر، لكن مع ارتفاع التكاليف وغلاء المعيشة، بات الالتزام بهذه التقاليد تحدياً يرهق الكثير من العائلات.
يتذكر إسماعيل طبيعة الأعراس في الماضي، فكانت تُقام بشكل جماعي، يجتمع فيها أبناء القرية دون تكلّف أو أعباء مالية كبيرة: “كان كل فرد يساهم بما يستطيع، وكان الهدف الأسمى خلق فرح جماعي يشترك فيه الجميع دون استثناء، فقد تغيّر المشهد إلى حد بعيد، فالأعراس أصبحت عبئاً مالياً كبيراً على العائلات، مع ما يرافقها من تجهيزات باهظة ومظاهر مستحدثة لم تكن موجودة في زمن الآباء والأجداد”.
ويشرح إسماعيل: “إن بعض الشباب باتوا يعزفون عن إقامة حفلات زفاف تقليدية بسبب التكاليف التي لم يعد بالإمكان تحملها، الأمر الذي انعكس على شكل الفرح الجماعي الذي اعتادت عليه المجتمعات الريفية”.
الأفراح والأتراح ليست سواء
وفي المقابل، يرى إسماعيل، إن الأتراح ما زالت تحتفظ بجزء كبير من روح التكافل التي عرفتها القرى، إذ يبقى الحزن مساحة يعيد فيها الناس اكتشاف حاجتهم لبعضهم: “في المآتم، يستعيد المجتمع قيمه الأصيلة، حيث يتوافد الأهالي للمواساة والمساندة، في مشهد يعكس أن الروابط الاجتماعية لا تزال حيّة رغم كل الظروف”.
وتابع إسماعيل: “الحزن يعيدنا إلى أصلنا، ويُذكرنا إن الإنسان لا يمكن أن يواجه الحياة وحده، فما زلنا نرى في الأتراح روح التضامن التي تُطمئننا بأن الخير لم ينته بعد”.
ورغم الجوانب الإيجابية المتبقية، ينوه إسماعيل إلى أن مظاهر سلبية باتت تطفو على السطح نتيجة الضغوط المادية، أبرزها التنافس بين العائلات في مظاهر الاحتفالات، فتحوّلت بعض المناسبات إلى مجال للمباهاة بدلاً من أن تبقى مساحة للمحبة.
ويشير إلى: “إن كثيرين يلجؤون إلى الديون لتغطية تكاليف مناسبات اجتماعية لا يستطيعون تحملها، وهو ما يشوّه المعنى الحقيقي لتلك العادات، ويحوّلها من مصدر للتلاحم إلى مصدر ضغط ونزاع اجتماعي”.
فيما دعا إسماعيل المجتمعات إلى إعادة إحياء العادات الجميلة التي توارثت عن الأجداد، مع تطويرها بما يتناسب مع الواقع الحالي، دون أن تفقد روحها وإنسانيتها.
إذ تطرق إلى أن المطلوب اليوم هو إعادة التفكير بمفهوم المناسبات بحيث تكون وسيلة لجمع الناس وليس لتفريقهم أو إثقالهم بالتكاليف: “ما زال بإمكاننا الحفاظ على هذا الإرث الاجتماعي الثمين إذا تعاونّا كأفراد ومجتمع، وقررنا أن نعيد لهذه العادات معناها الأصلي من التضامن، والمشاركة، والفرح الحقيقي”.
ويختتم إسماعيل حديثه بالتأكيد على: “أن العادات الاجتماعية ليست مجرد مظاهر تقليدية، بل هي ذاكرة حية للماضي، وجسر يصل الحاضر بالمستقبل، والأمل ما زال موجوداً في قلوب الناس الذين يؤمنون بأن تمسّكهم بقيم التكافل هو ما يبقي المجتمع حياً مهما اشتدت الضغوط”.
No Result
View All Result