إسحاق الشعير
إن المشهد الأمني العالمي اليوم لا يحتمل التراخي، خاصةً ونحن ندخل موسم الأعياد والاحتفالات الذي يشهد كثافة في التجمعات والفعاليات.
إن الخطر الذي يُلوح في الأفق ليس جديداً في جوهره، لكنه يتخذ أبعاداً أكثر خطورة وفتكاً بفضل ثغرة أمنية حرجة: وثائق السفر المزورة التي يستخدمها المتطرفون للتسلل إلى قلب المجتمعات الآمنة. لقد بات العالم يُدرك تماماً حجم ونوعية المجموعات المتطرفة التي نشأت وترعرعت في خضم الصراع السوري، وتحديداً تلك التي سيطرت على مناطق واسعة واستولت على مُقدّرات الحكومة السابقة ومؤسساتها.
إن هذه المجموعات التي يعرفها العالم بأسماء متعددة، لم تكتفِ بالسيطرة على الأرض، بل استولت على عشرات الآلاف من جوازات السفر الفارغة، بالإضافة إلى آلات ومعدات طباعة الوثائق الشخصية وبطاقات الهوية. هذه القدرة على “صناعة” الهويات الجديدة تشكل تهديداً وجودياً للأمن الدولي.
انتحال الهوية
الجسر الآمن للإرهابين الفكرة التي يطرحها البعض بأن هؤلاء المرتزقة محصورون جغرافياً هي فكرة واهية وخطيرة. فمع امتلاكهم القدرة على استخراج جوازات سفر وبطاقات شخصية بأسماء جديدة، يصبح بإمكان أخطر العناصر الإرهابية التخلص من هوياتهم المعروفة والتحول إلى “مواطنين عاديين” في سجلات السفر الدولية.
هذا الانتحال للهوية هو الجسر الآمن الذي يسمح لهم بالتسلل عبر المطارات والموانئ ونقاط العبور، متجاوزين بذلك أنظمة المراقبة الأمنية التي تعتمد بشكلٍ أساسي على مطابقة الأسماء في قوائم الممنوعين من السفر.
لقد حذرت تقارير استخباراتية غربية من أن مجموعات مرتزقة مثل داعــش لديها مخزون ضخم من هذه الوثائق، ما يسهّل تهريب عناصر المرتزقة إلى أوروبا ومناطق أخرى. هذا الخطر ليس نظرياً؛ بل هو واقع موثّق يهدد بتحويل أي مدينة عالمية إلى مسرح لعملية إرهابية مدمرة.
موسم الأعياد
موسم الأعياد هدف استراتيجي: إن التوقيت الحالي، الذي يتزامن مع شهر الأعياد والاحتفالات، يضاعف من خطورة هذا التهديد. فالتجمعات الكبيرة في الأسواق، والمناسبات الدينية، والاحتفالات العامة، تمثل أهدافاً استراتيجية لهذه المجموعات التي تسعى إلى إحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية وإثارة الذعر العالمي. إنهم يستغلون حالة الفرح والاطمئنان العامة لتنفيذ عملياتهم الانتحارية أو التفجيرات المُخطط لها.
لقد أكدت الأمم المتحدة، عبر قرارات مجلس الأمن مثل القرار 1373 (2001)، على ضرورة أن تتخذ جميع الدول إجراءات لمنع وقمع تمويل الأعمال الإرهابية وتجريم توفير الأموال للجماعات الإرهابية. لكن اليوم، يجب أن يتسع نطاق هذا التركيز ليشمل حرباً شاملة على تزوير وثائق السفر وانتحال الهوية.
نداء عاجل للعالم: اليقظة القصوى
إن المسؤولية تقع على عاتق العالم أجمع، يجب على الحكومات وأجهزة الاستخبارات ومنظمات إنقاذ القانون أن ترفع مستوى اليقظة إلى أقصى حد، وهذا يتطلب تعزيز أنظمة التحقق والاستثمار الفوري في تقنيات متقدمة لا تعتمد فقط على الوثيقة، بل على السمات البيولوجية للأفراد، لضمان عدم مرور أي إرهابي بهوية مزورة.
ـ تحديث قوائم الوثائق المسروقة والمزوّرة: إنشاء قاعدة بيانات عالمية موحدة ومحدثة بشكلٍ فوري لجميع وثائق السفر التي سُرقت أو صُنعت في المناطق التي سيطرت عليها الجماعات الإرهابية.
ـ التعاون الاستخباراتي غير المسبوق: تبادل المعلومات بشكلٍ فعال وسريع بين الدول حول تحركات المشتبه بهم وأنماط التزوير الجديدة.
ـ إن الخطر حقيقي وداهم، إن كل جواز سفر مزور هو قنبلة موقوتة تنتظر اللحظة المناسبة للانفجار. يجب أن نتحرك الآن، قبل أن يتحول موسم الأعياد إلى ذكرى أليمة لجريمة كان يمكن للعالم أن يمنعها. إن أمننا المشترك يبدأ من نقطة التفتيش الحدودية، ولا يمكننا تحمل كلفة الفشل في هذه المعركة.
أتمنى أن تكون الأعياد والأفراح دائمة في عالم آمن حتى نتخلص من هذا التطرف المخيف.