No Result
View All Result
حمزة حرب
يعزز الفكر المتطرف الانقسامات الطائفيّة والإثنيّة داخل المجتمع وكان لسوريا نصيبٌ من فكر المجموعات المتطرفة، خاصة تلك التي تتبنى أفكاراً عنصريّة أو طائفيّة، تسعى إلى تقسيم المجتمع إلى “مؤمنين” و”كفار” أو “صالحين” و”فاسدين”، ما يعمّق الانقساماتِ الداخليّة ويزيد تعقيد التعايش السلميّ بين شعوب المجتمع المختلفة.
ولم يكنِ الفكر المتطرف في سوريا وليد الأزمة السوريّة، بل كانت الأزمة فرصة انفجارها بعد تراكمات تاريخيّة طويلة لحركات متطرفة تدعي الإسلام؛ اعتمدتِ العنفَ كوسيلة لتحقيق أهدافها، وتبنى “الإخوان المسلمون” في سوريا، الذين أسسوا في أربعينيات من القرن الماضي، في البداية منهجاً سياسيّاً ودينيّاً يسعى إلى تحقيق الإصلاحات الاجتماعيّة والاقتصاديّة في البلاد، ولكنهم شهدوا تحولاتٍ تدريجيّةٍ نحو العنف، خاصة بعد القمع العنيف الذي تعرضوا له في فترة السبعينات.
سوريا والفكر المتطرف
نشأة الفكر المتطرف مع نشوء جماعة الإخوان المسلمين في سوريا جزءاً من تاريخٍ طويلٍ ومعقّد، يعود إلى أوائل القرن العشرين، حيث أُسِّست جماعة الإخوان المسلمين في سوريا عام 1945، وهي جزء من الحركةِ الإسلاميّة التي أسسها حسن البنا في مصر عام 1928، ورغم أنّ إخوان سوريا بدؤوا عملهم ضمن إطارٍ دينيّ واجتماعيّ، إلا أنّ الظروفَ السياسيّة والاجتماعيّة التي مرّت بها البلاد لعبت دوراً كبيراً في تطور أفكارهم وتوجهاتهم.
في الأربعينات، كانت سوريا تحت الانتداب الفرنسيّ، وظهرت خلالها الكثير من الحركات السياسيّة والاجتماعيّة، بما في ذلك حركة “الإخوان المسلمين”، كانت البداية في مدينة حلب عام 1945 عندما عقد الإخوان مؤتمراً في حلب وانتخبوا الشيخ “مصطفى السباعي” الذي تأثر بالفكر الإخوانيّ المصريّ ونال الدكتوراه في الشريعة من الأزهر، ولكن الوجود الإخوانيّ يسبق عقداً بإنشاء مركز للإخوان عام 1937 باسم “دار الأرقم”. وكان الهدف في البداية تأسيس حركة إسلاميّة إصلاحيّة تنادي بتطبيق الشريعة الإسلاميّة وتعليم الناس النهجَ الصحيح وفق زعمها، وسرعان ما تحولت هذه الأهداف وظهور فكرها المتشدد تحت حجج وذرائع واهية.
واكب هذا التيار الدينيّ المتشدد تيار آخر قوميّ متشدد متمثلٌ بحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ، الذي أُسِّس على يد ميشيل عفلق ورفاقه صلاح الدين البيطار وزكي الأرسوزي وآخرين عام 1947 إلى جانب الحركة الناصريّة على يد جمال عبد الناصر في مصر في بداية خمسينات القرن الماضي والتي قادت إلى الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958 وهنا انتعش التيار المتشدد لسهولة التواصل بين جناحي مصر وسوريا للإخوان المسلمين ومع ذلك لم تكن الحركة على الرغم من نشاطها السياسيّ مهيئة للهيمنة على السلطة في كلا البلدين مع رجحان كفة التيار القوميّ المتشدد.
ومع انفصال سوريا عن مصر عام 1961 عاد الإخوان المسلمين إلى جناحين منفصلين سوريا ومصر وبالتالي أثر سلباً على الحركة المتشددة وانتعش التيار القوميّ لحين وصول حافظ الأسد بعباءة حزب البعث إلى سدة الحكم في البلاد ومن ضمن الإجراءات المتشددة التي قام بها حافظ الأسد هو قمعه بشكل كبير تيار الإخوان المسلمين.
بدأ الإخوان الصراع المسلح في 16/6/1979 بما عُرف بمجزرة مدرسة المدفعية في مدينة حلب التي نفذها النقيب إبراهيم اليوسف، ووقعت بعدها سلسلة من الأحداث في ثمانينات القرن من ضمنها ما عُرف بأحداث حماة مطلع شباط 1982، وهو ما شكّل جزءاً مهماً من الذاكرة الإخوانيّة، عملت على توظيفه عبر سرديّة خاصة تنطوي على فكرة محوريّة هي اضطهاد السنة، رغم حقيقة أنّ المسألة سياسيّة تتعلق بمسعى الوصول إلى السلطة.
خفت صوت الإخوان لكنه بقي كجمرٍ تحت رماد لحين اندلاع الأزمة السوريّة في عام 2011، شهدت البلاد تدهوراً في الأوضاع السياسيّة والأمنيّة، ما أدى إلى تحولها ساحة مفتوحة لعديد من المجموعات المتطرفة، التي سعت للاستفادة من حالة الفوضى والفراغ الأمنيّ، في خضم هذا الصراع، تطور الفكر المتطرف في سوريا عبر مراحل مختلفة، بدءاً من التنظيمات السياسيّة الإسلاميّة مثل “الإخوان المسلمين”، وصولاً إلى المجموعات المتطرفة مثل “داعش” و”جبهة النصرة”، بالإضافة إلى المجموعات المسلحة ذات الطابع الطائفيّ الولائيّ للخارج مثل “مرتزقة العمشات” و”الحمزات” و”أحرار الشرقيّة” والتي تشكلت بإشراف مباشر من الاستخبارات التركيّة عام 2016.
وفي ظلِّ تنامي الصراع، ظهرت تنظيمات جهاديّة متطرفة مثل “القاعدة” و”داعش”، التي أخذت الأراضي السوريّة ملاذاً لها، مستغلة الفراغ الأمنيّ في العديد من المناطق، هذه الجماعات تبنت أيديولوجيات متطرفة تقوم على تفسير ضيق للدين، ما أدى إلى شنّ حملاتِ عنفٍ مروّعة ضد المدنيين، وفرض “إمارات” إسلاميّة على المناطق التي سيطرت عليها.
وبذلك لم يقتصر التطرف وممارسة العنف على التنظيمات ما تسمى بـ”الجهاديّة” العالميّة العابرة للحدود، بل أيضاً المجموعات المحليّة ذات التوجهات الطائفيّة أو ذات أهداف خاصة تلبي تطلعات خارجيّة على حساب المصلحة الوطنية السوريّة مثل مرتزقة “العمشات” و”الحمزات”، و”أحرار الشرقيّة” و”السلطان مراد” وأمثالها، هذه المجموعات كانت في الغالب عبارة عن مرتزقة مسلحة تتخذ من المساعدة العسكريّة والتنظيميّة في مناطق محددة بديلاً عن الولاء الوطنيّ أو الأيديولوجي، وعملت تحت لافتات طائفيّة أو عائليّة، وتلقت الدعم من أطراف خارجيّة وبخاصة أنقرة.
وارتكبت المرتزقة جرائم وانتهاكات ممنهجة بحق الشعب السوريّ وخاصة بحق النساء والدليل على ذلك ما فعلته مرتزقة “أحرار الشرقيّة” ممثلة بمتزعمها المدعو “أبو حاتم شقرا” خلال العدوان على كري سبي/ تل أبيض بحق الناشطة السياسيّة؛ الأمين العام لحزب سوريا المستقبل هفرين خلف ومرافقيها وكذلك الطواقم الطبيّة، ولم تُستجب للمطالبات الشعبيّة المستمرة بالقصاص العادل بحق مرتكبي هذه الجريمة وجرائم أخرى يُعاقب عليها القانون الدوليّ وتندرج في سياق الإرهابِ الممنهج.
وذكرت منظمات دوليّة مثل الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش حادث الاغتيال ببيانات إدانة شديدة، وأعربت عن قلقها بشأن ما وصفته بـ “انتهاكات حقوق الإنسان” التي تقوم بها تركيا ومرتزقة تابعة لها كما نبهت إلى أن هذه الأعمال تزيد من تعقيد الوضع في سوريا وتقوض فرص تحقيق حل سياسيّ عادل وهذا ما حصل واستمرت هذه الجرائم إلى يومنا هذا بسبب ما يحملونه هؤلاء المرتزقة من فكر متطرف لا يختلف من حيث المضمون عن ذاك الذي تحمله تنظيمات راديكالية كمرتزقة داعش والقاعدة والإخوان المسلمين.
شكّلت هذه التطورات في الفكر المتطرف في سوريا حالةً معقّدة من الأيديولوجيات المتباينة التي تستغل الدين، القوميّة، والطائفيّة وظروف الأزمة السوريّة لتحقيقِ مصالح سياسيّة وعسكريّة، ما زاد تعقيد الوضع السوريّ وجعل مكافحة هذه الظاهرة أكثر تحدياً خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد بإرادة دوليّة وتبوؤ هذه التنظيمات مناصب قيادة الحكم في البلاد.
معادلة صعبة
في ظلّ الصراع الدائر في سوريا، تمكَّنتِ العديدِ من المجموعات المتطرفة، سواء كانت متطرفة مثل “داعش” و”جبهة النصرة”، أو مجموعات محليّة ذات توجهات طائفيّة أو قوميّة، من فرض نفوذها في مناطق عديدة، ما جعلها طرفاً في المعادلةِ السياسيّةِ والأمنيّة في البلاد، ويتعين على الحكومةِ الانتقاليّة اتخاذ قراراتٍ حاسمةٍ بشأنِ كيفية التعامل مع هذه المجموعات خصوصاً بعد انضمام سوريا إلى التحالفِ الدوليّ لمحاربة الإرهاب، في سياق أيّ عملية سياسيّة جديدة بمشاركة شعوب وأطياف المجتمع السوريّ، وكان منحهم مناصب في الدولة من الحكومة الانتقاليّة في سوريا؛ الأمر شكّل عامل تعقيد للمشهد السوريّ إذ يتناقض مع مبدأ العدالة مع ويعني الانحياز وغض النظر عن ممارسة العنفِ، وبخاصة أنّ هذه ممارسة هذه المجموعات موثقة بتقارير إعلاميّة وحقوقيّة رصينة ومشمولة بعقوبات دوليّة.
بعض القوى الدوليّة والإقليمية تدعو إلى إشراك الأطراف في الحكومة الانتقاليّة، حتى وإن كانت هذه الأطراف قد تبنت أفكاراً متطرفة لأنها تشكل الداعم الأساسيّ لهؤلاء المجموعات كتركيا، هذا الضغط قد يكون متعلقاً بتحقيق مصالح القوى الخارجية الفاعلة في المعادلة السوريّة على حساب تطلعات السوريّين.
ومع السماح للمجموعات المتطرفة بدخول الحكومة الانتقاليّة ومنح أفراداً منها مناصب في الدولة، يعدُّ تقويضاً للمبادئ الوطنيّة الديمقراطيّة، وهذا ما أثار ردود فعل قوية من قطاعات واسعة من الشعب السوريّ الذي عانى من تطرف هذه المجموعات طوال سنوات الحرب.
الفكر المتطرف الذي تبنته هذه المجموعات خلال الحرب يشمل مواقف ضد العلمانيّة، وضد حقوق الإنسان الأساسيّة، مثل حقوق المرأة والحقوق المدنيّة، مشاركة هؤلاء في الحكومة قد يؤدي إلى الضغط لإعادة إنتاج سياساتهم الفكريّة المتشددة، ما يعقّد مهمة بناء مجتمع مدنيّ ديمقراطيّ قائم على قيم التعدديّة وقبول الآخر.
كما أنّ منحَ المناصب لأفراد متطرفين فكريّاً، يصعّب مسارَ بناء السلام وتحقيق المصالحة بين الشعوب المتعددة في سوريا، خاصة بين السنة والعلويين، الكرد، والمسيحيين، ويساهم بنشر الأفكار المتطرفة التي تؤجج الانقسامات الطائفيّة والإثنية، وتعيق مساعي الوحدة الوطنيّة، ويشكّل تهديداً للأمن الوطنيّ. لذلك؛ من الضروري أن تكون هناك آليات صارمة لضمانِ إبعاد من مارسوا العنف وحملة الفكر المتطرف وعدم إشراكهم في عملية إعادة بناء سوريا، ويجب ألا تقتصر إجراءات العدالة الانتقاليّة على أشخاص في النظام البائد بل كل من ثبت تورطه في جرائم ضد الإنسانيّة والقتل العشوائيّ وتبنيه للتحريض الطائفيّ وفق مبدأ عدم اجتزاء العدالة وما حصل في مناطق الساحل السوريّ والسويداء ومؤخراً في حمص كان نتيجة مباشرة لقصور إجراءات المساءلة غض النظر.
ضرورات المرحلة
ما عاشته سوريا لا يمكن فصله عن ذاك الجمر المكنون تحت الرماد والذي نفضت غباره الأزمة السوريّة وغذته أطراف خارجيّة في مقدمها دولة الاحتلال التركيّ وأدوار متباينة لدولِ الخليج، والقاعدة التي استندت عليها هذه التيارات المتشددة هم الإخوان المسلمون، ويوم الإثنين 24/11/2025 وقع الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب أمراً تنفيذيّاً وجّه فيه إدارته ببدء إجراءات تصنيف بعض فروع جماعة “الإخوان المسلمين” على أنّها منظمات إرهابيّة أجنبيّة وإرهابيين عالميين مُصنَّفين بشكل خاص. لكن؛ ومع ذلك لا يمكن لأيّ تحركٍ أن ينهيَ المعاناة دون بتر أذرع الأخطبوط وبالتالي وضع التنظيمات التي تستند إلى إيديولوجيّة متشددة أو تتبع لأطراف على علاقة مع الإخوان المسلمين في بوتقة العقوبات الأمريكيّة أمر بالغ الأهمية ويجب أن يأخذَ حيّزاً كبيراً من النقاشات السياسيّة على المستوى الدوليّ، خاصة في المنطقة العربيّة لأنّ هذا القرار، إن تم اتخاذه، سيكون له تبعات هائلة على مستوى السياسة الإقليميّة والعلاقات بين الولايات المتحدة والدول التي تحتوي على أفرع للجماعة، مثل مصر وتركيا والعديد من دول الخليج.
تشكّل جماعة الإخوان المسلمين تهديداً أمنيّاً بسبب ارتباطها ببعض المجموعات المسلحة التي تتبنى الفكر المتطرف، وشاهدنا مثل هذا التوجه في محاولات إنهاء القوة العسكريّة والسياسيّة لحماس التي تبنّت مواقف أكثر تشدداً وعنفاً، وخاصة في صراعها مع إسرائيل، وهو ما جعلها هدفاً لتصنيفات إرهابيّة من قبل العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة.
تصف بعض الدول الإخوان بأنهم يُظهرون تقارباً فكريّاً مع مجموعات مثل القاعدة وداعش، من خلال تبنيهم أفكاراً متشددة تحت غطاء إسلاميّ متشدد أو مجموعات أخرى مرتزقة لا يتشاركون بذات الأهداف والتكتيكات مع التنظيمات المتشددة لكنها ترتهن لقرارات دول تهمينُ عليها توجهات متطرفة كمرتزقة العمشات والحمزات التي يدعمها حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، والحقيقة التاريخيّة أنّ ولادة تنظيم الإخوان في مصر جاءت بعد إنهاء مصطفى كمال أتاتورك لما سمّي الخلافة العثمانيّة عام 1924، وأبدى الرعيل الإخوانيّ الأول رفضهم معتبرين أنّ العثمانيّة كانت تمثل شكلاً من الوحدة الإسلاميّة رغم أنّ اتفاق سيفر عام 1920 ومن بعده لوزان 1923 أنهى الدولة العثمانيّة ورسم حدود الدولة التركيّة، وبالمجمل يمكن القول إنّ الولاء الإخوانيّ لتركيا تاريخيّ، وهذا ما استغلته أنقرة في سياق تدخلها في سوريا.
قد تشكل خطوات جادة من الولايات المتحدة الأمريكية بحق المتطرفين فكريّاً رادعاً لهذه المجموعات وشبيهاتها كالمرتزقة المدعومة من تركيا، ويكون لها أثر مباشر في إعادة بناء سوريا وانتشالها من واقع الفوضى الأمنيّة وتضع حداً للانفلات الأمنيّ وصولاً إلى إفقاد دولة الاحتلال التركيّ أحد أهم أذرع تدخلها في الشأن السوريّ.
يعدُّ الفكر المتطرف في سوريا من أبرز التحديات التي تواجه البلاد بعد أكثر من عقد من الصراع الدمويّ، وهذه المشكلة لا تقتصر على العنف الميدانيّ بل تتعداه إلى الانقسامات الفكريّة العميقة التي تسهم في تفشي التطرف على مستويات متعددة، من المجموعات المتشددة إلى الطائفيّة المفرطة، ولتحقيق الاستقرار الدائم في سوريا، يجب أن تكون هناك استراتيجيات متعددة الأبعاد، تشمل الأبعاد الفكريّة والتعليميّة والسياسيّة والاجتماعيّة وأولها تصنيف هذه المجموعات مجتمعة على أنّها مجموعات إرهابيّة يجب إنهاؤها ومحاربتها للوصول لدولة مدنيّة ديمقراطيّة تسودها العدالة والقانون.
No Result
View All Result