No Result
View All Result
محمد عيسى
سوريا جديدة تحت سماء قديمة
منذ اللحظة التي انهار فيها النظام السوري السابق في فجر الثامن من كانون الأول عام ٢٠٢٤، بدا وكأنّ السماء السوريّة لم تتغير. تبدّل الحكم في دمشق، انهارت القبضة الأمنية التي صمدت نصف قرن، تشكلت حكومة انتقالية بقيادة أحمد الشرع، وبدأت البلاد تتلمس طريقها نحو إعادة هيكلة الدولة، لكن شيئاً واحداً ظل ثابتاً: الطائرات الإسرائيلية كانت هناك، تحلّق، تراقب، تنتظر، وتضرب حين تشاء.
كانت دمشق في ذلك الشهر التاريخي مشغولة بملء الفراغ السياسي والأمني. كانت الأجهزة القديمة تتفكك، وأخرى جديدة تتشكل على عجل، فيما حدود البلاد الجنوبية تعيش تصدّعاً كاملاً في منظومة الضبط والسيطرة. في هذا السياق تحديداً، بدأت إسرائيل تزيد من نشاطها العسكري، وكأنها تقرأ خرائط الداخل السوري قبل السوريين أنفسهم. تصاعدت الضربات الجوية، وتحوّلت عمليات التوغل المحدودة إلى أمرٍ مألوف، وبدأت الروايات الإسرائيلية تظهر تباعاً عبر قنواتها الرسمية، تتحدث عن خلايا تعمل قرب خط وقف إطلاق النار، وعن حركات مسلّحة مرتبطة بما تسميه تل أبيب «الجماعة الإسلامية» أو «حركة حماس» أو «عناصر تعمل لصالح المخابرات السوريّة الانتقالية».
كان خطاب تل أبيب يكتسب جرأة إضافية كلما ازداد الارتباك في دمشق. فبينما تحاول الحكومة الانتقالية إعادة بناء مؤسسات الدولة المنهارة، كانت إسرائيل تتعامل مع الجنوب السوري كمنطقة مفتوحة، ترى فيها تهديداً محتملاً وتعتبرها ساحة للتصفية الوقائية، مستندةً إلى واقع أنّ الجيش السوري القديم تشرذم والجديد ليس موجود من الأساس، وأن القرار العسكري المركزي لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب لضبط الجغرافيا.
ومع نهاية تشرين الثاني ٢٠٢٥، كان الشرخ بين الجانبين قد أصبح أوسع من أي وقت مضى. انفجرت الأحداث الدامية في بيت جن، جنوب دمشق سماء تتقاطع فيها الطائرات الإسرائيلية مع أخطاء الحكومة الانتقالية، لتنتج مشهداً معقداً لا يشبه سوى الفوضى التي خلّفها نصف قرن من الحكم الأمني ثم السقوط المفاجئ.
عملية إسرائيلية تكشف هشاشة المشهد السوري
في ليلة الجمعة السابع والعشرين من تشرين الثاني المنصرم، كانت بلدة بيت جن الصغيرة في ريف دمشق تشهد واحدة من أعنف العمليات الإسرائيلية منذ سقوط النظام السابق. تحركت قوات إسرائيلية على الأرض، مدعومة بنيران جوية كثيفة، وقال الجيش الإسرائيلي إن العملية جاءت بعد أسابيع من معلومات استخباراتية عن نشاط تنظيم المجموعات المتطرفة في البلدة، وأنّ هذا التنظيم كان – كما تدّعي تل أبيب – يخطط لشن هجمات ضد مدنيين إسرائيليين.
تسللت القوات الإسرائيلية ليلاً، رصدت المنازل المطلوب اقتحامها وفق الرواية الإسرائيلية، واشتبكت مع مسلحين قال الجيش إنهم أطلقوا النار على القوة المقتحمة. الاشتباكات التي بدأتها تل أبيب داخل الأراضي السوريّة كانت مجرد أول الفصل. ما إن بدأ إطلاق النار حتى انفتحت السماء، وسقطت الصواريخ الإسرائيلية على البلدة، موقعّةً ضحايا من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، وفق ما نقلته وسائل الإعلام السوريّة.
في التفاصيل التي أعلنتها وزارة الصحة السوريّة، قُتل ثلاثة عشر شخصاً، وأصيب آخرون، بينما تم نقل إحدى عشرة إصابة إلى مشفى المواساة في دمشق، وثلاث إصابات إلى مشفى قطنا، بعضها بحاجة لعمليات جراحية معقدة. كان المشهد مؤلماً، وبدا واضحاً أنّ العملية تجاوزت بكثير إطار «اعتقال مطلوبين» الذي تحدث عنه الجيش الإسرائيلي.
في إسرائيل، كان المتحدث العسكري أفيخاي أدرعي يحتفي بالعملية عبر منصة «إكس»، معلناً أنّ القوات «اعتقلت جميع المطلوبين وقضت على عدد من الإرهابيين». لكن في دمشق، كان المشهد مختلفاً تماماً. الخارجية السورية وصفت ما جرى بأنه «جريمة حرب مكتملة الأركان»، واتهمت تل أبيب باستهداف المدنيين قصداً بعد فشل توغلها البري.
وفي الوقت الذي كانت الحكومة الانتقالية تندد وترفع الصوت في أروقة الأمم المتحدة، كانت أصابع الاتهام تتجه إليها أيضاً، فالفوضى التي أعقبت سقوط الأسد، وارتباك أجهزة الأمن الجديدة، وغياب التنسيق والتحكم بين القوى العسكرية المنتشرة في الجنوب، كل ذلك وفّر لتل أبيب ثغرات واسعة للعبور من خلالها. ما حدث في بيت جن لم يكن فقط عملية إسرائيلية بحتة، بل كان نتيجة مباشرة لغياب الدولة في لحظة مفصلية.
بين فوضى الأمن واتهامات تل أبيب
منذ الأيام الأولى بعد سقوط النظام في كانون الأول ٢٠٢٤، كانت الحكومة الانتقالية أمام مهمة شبه مستحيلة. كان عليها أن تعيد بناء أجهزة أمنية جديدة لا تشبه أجهزة المخابرات القديمة التي انهارت مع النظام، وأن تضبط الحدود، وأن تستعيد السيطرة على الجنوب السوري الذي كان لعقود منطقةً حساسة، بين إسرائيل من جهة، وشبكات النفوذ الإيراني وحزب الله من جهة أخرى.
لكن الحقيقة أن هذه الأجهزة الجديدة ولدت وسط الفوضى. ضباط سابقون انقلبوا على مراكزهم، مجموعات مسلّحة حاولت ملء الفراغ، مجموعات محلية سيطرت على قرى وجبال كانت مهملة لسنوات، وكل ذلك سمح بظهور خلايا مختلفة الهوية، بعضها مستقل، وبعضها محسوب على حركات خارجية، وبعضها الآخر سعى إلى أن يكون جزءاً من المشهد الجديد لدمشق.
إسرائيل استغلت هذا الازدحام الهوياتي. استخباراتها في الجنوب نشطت بشكل غير مسبوق. بدأت تتحدث عن خلايا المجموعات المتطرفة عن عناصر تعمل لصالح “الأمن العام السوري”، وعن مجموعات يتم تدريبها في مناطق جبلية قرب ريف دمشق. ورغم أنّ حكومة دمشق الانتقالية نفت كل ذلك، إلا أنّ تل أبيب بدت واثقة من نفسها إلى درجة أنها أعلنت، عبر هيئة البث الإسرائيلية، أنّ عدداً من منفذي الهجمات يعملون مباشرةً مع المخابرات العامة السوريّة الجديدة.
كان لهذا الاتهام أوقع الصدمة في دمشق، لكنه لم يكن منفصلاً عن حالة الانقسام التي ضربت جهاز الأمن الوليد، حيث تشكلت وحدات جديدة بلا خبرة، واختلطت فيها الولاءات القديمة بالولاءات الجديدة. هذا الارتباك، في عين إسرائيل، كان الذريعة المثالية لمزيد من التدخلات العسكرية. وكلما ضعفت دمشق عن ضبط المشهد في الجنوب، ازدادت تل أبيب جرأة في عملياتها، سواء عبر الطائرات أو عبر وحدات خاصة تتوغل ليلاً داخل الحدود.
وهكذا وجدت الحكومة الانتقالية نفسها في موقع مزدوج: تُدان لأنها لم تستطِع منع إسرائيل من انتهاك سيادة البلاد، وتُتهم في الوقت نفسه بأنها سمحت، من حيث لا تدري، بظهور خلايا مسلّحة قرب الحدود، ما أعطى إسرائيل الذريعة للقول إنّ عملياتها «إجراءات وقائية»، كما تردد في تل أبيب منذ الأشهر الأولى لعام ٢٠٢٥.
من الاعتقال إلى الاغتيال
بعد عملية بيت جن، كشفت وسائل الإعلام العبرية عن تحولٍ جوهري في طريقة التعامل الإسرائيلي مع الجنوب السوري. القناة الثالثة عشرة الإسرائيلية تحدثت صراحةً عن نية الجيش التحول من «عمليات اعتقال» داخل الأراضي السوريّة إلى تنفيذ «عمليات اغتيال جوية» ضد شخصيات تُعتبرها تل أبيب تهديداً مباشراً. كان هذا التحول لافتاً، فعملية الاقتحام في بيت جن تعرضت لما وصفته الصحافة الإسرائيلية بـ”كمين غير معدّ له”، أدى إلى إصابة ستة جنود، ثلاثة منهم إصاباتهم خطيرة. هذا الحدث أعاد إلى إسرائيل درس حرب لبنان الثانية: الأرض السورية، مثل الجنوب اللبناني، قد تكون مليئة بما لم تتوقعه تل أبيب.
وبناءً على ذلك، أصبح القرار الإسرائيلي أكثر وضوحاً: لا توغل برياً بعد اليوم في عمق الجنوب السوري، بل ضربات جوية محددة، تستهدف الأشخاص المطلوبين بناءً على معلومات استخباراتية، وتحقق الهدف دون تعريض الجنود للخطر. كانت إسرائيل تريد تقليل الخسائر البشرية، وفي الوقت نفسه رفع مستوى الضربات إلى حد يضغط على دمشق الانتقالية ويدفعها لضبط حدودها أو مواجهة العزلة الدولية.
التقارير العبرية تحدثت أيضاً عن أنّ تل أبيب تدرس “رداً مباشراً ضد الحكومة السورية الانتقالية” إذا ثبت تورط عناصر من أمنها في اشتباكات بيت جن. هذا التهديد لم يكن مجرد تصريح إعلامي، بل كان جزءاً من خطاب سياسي كامل تبناه نتنياهو لاحقاً عندما قال إنّ الاتفاق مع سوريا “ممكن” فقط إذا التزمت دمشق بإنشاء “منطقة منزوعة السلاح من دمشق إلى جبل الشيخ”.
كان هذا الشرط، الذي أعلنه نتنياهو في الثاني من كانون الأول، بمثابة رسم للحدود المستقبلية في الجنوب السوري. إسرائيل تريد خطاً خالياً من السلاح يمتد من العاصمة نفسها حتى قمم جبل الشيخ، وتريد ضمانات دولية للحفاظ عليه، وتريد أن تبقى يدها في السماء السورية مطلقة.
ومع أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب حذّر نتنياهو من زعزعة استقرار سوريا وقيادتها الجديدة قبل مكالمتهما الهاتفية، إلا أنّ تل أبيب كانت تتحرك بروح ما بعد السابع من أكتوبر، حيث الأولوية المطلقة هي “الأمن المسبق”، حتى لو كان ذلك على حساب السيادة السورية، وحتى لو كانت الحكومة الانتقالية تحاول رسم دولة جديدة من الرماد.
اشتباك السماء والفراغ الأرضي
بعد الضربة الأخيرة، بدأ السؤال يتردد في مكاتب السياسة في دمشق وفي تل أبيب وفي واشنطن: إلى أين تتجه سوريا بعد بيت جن؟ هل سيكون الجنوب السوري ساحة مفتوحة لإسرائيل كما كان بعد ٢٠١٨؟ أم أنّ الحكومة الانتقالية ستنجح في تشكيل منظومة أمنية جديدة تُعيد ضبط الحدود وتمنع أي تحرك خارج قرار الدولة؟
حتى الآن، المؤشرات تميل إلى أن المشهد سيبقى معلقاً بين الاحتمالين، فالحكومة الانتقالية تُظهر نفسها وكأنها تبذل جهوداً كبيرة لإعادة بناء الجيش والأمن، لكنها تحتاج وقتاً، وربما سنوات، لتستعيد قدرة السيطرة على الحدود الجنوبية الممتدة من القنيطرة حتى جبل الشيخ. وفي الوقت نفسه، تبدو إسرائيل أكثر استعداداً لمواصلة الضربات، خصوصاً مع تزايد الحديث عن خلايا مرتبطة بالمجموعات المتطرفة، ومع استمرار الضغط الداخلي في تل أبيب بعد أحداث السابع من أكتوبر.
أما الولايات المتحدة، التي حذّرت إسرائيل من زعزعة استقرار السلطة السورية الجديدة، فهي بدورها تريد الحفاظ على التوازن. واشنطن تدفع نحو اتفاق أمني بين الجانبين، لكنها تدرك أن دمشق الانتقالية لا تزال ضعيفة ولا تستطيع أن تستجيب لكل مطالب تل أبيب. ومع ذلك، فإن واشنطن تعتبر أنّ استقرار سوريا الجديدة جزء من استقرار المنطقة، خاصة بعد الإطاحة بالأسد وتراجع النفوذ الإيراني.
وهكذا، يبقى الجنوب السوري ساحة اختبار لثلاثة أطراف: دمشق التي تبحث عن شرعية وسيادة، تل أبيب التي تبحث عن أمن، وواشنطن التي تبحث عن توازن. لكن؛ ما بين هذه الأطراف الثلاثة، يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع سوريا الجديدة، التي ولدت من ركام كانون الأول ٢٠٢٤، أن تفرض سيادتها الفعلية على أرضها؟ أم ستظل الضربات الجوية الإسرائيلية تذكيراً يومياً بأن السماء لم تتغير، وأن الفوضى لا تزال تمنح الغزاة ذرائعهم؟
إنّ عملية بيت جن، بكل تفاصيلها المأساوية، كانت جرس إنذار. جرس يقول إن زمن الشعارات انتهى، وإنّ السيادة تُبنى بالأمن والضبط والسيطرة، لا بالبيانات ولا بالمواقف الدولية، وتبقى الحقيقة الأكثر قسوة أنّ استمرار الفوضى في الجنوب سيعني استمرار الطائرات الإسرائيلية في السماء، إلى أن يعثر السوريون على معادلة جديدة تُعيد رسم الحدود وتعيد تعريف الدولة نفسها.
No Result
View All Result