No Result
View All Result
محمد السليمان
تعتبر سوريا بموقعها الجيوسياسي الفريد في قلب العالم نقطة تقاطع القارات وملتقى الحضارات، هذا الموقع جعلها على مرِّ التاريخ مسرحاً للصراعات والتنافسات بين الإمبراطوريات القديمة وصولاً إلى الدول العظمى الحالية.
سوريا قديماً لم تكن دولة /بالمعنى الحديث/ لفترات طويلة بل كانت منطقة حيوية تسعى للسيطرة عليها كل قوة عظمى في عصرها والصراع كان يتمحور بالموقع الاستراتيجي لسوريا باعتبارها الجسر البري الذي يربط آسيا بأفريقيا، والبحر المتوسط ببلاد ما بين النهرين، كانت مركزاً للطرق التجارية وذات أراضٍ خصبة، واعتبرت مصدراً للغذاء والثروة ومركزاً دينياً هاماً للعديد من العقائد ما جعلها مطمعاً للقوى المجاورة. ففي العصور القديمة تنافست عليها الإمبراطوريات المصرية والميتانية والآشورية والبابلية والحثية وأصبحت جزءاً من الإمبراطورية الآخمينية والمقدونية ومن أهم ولايات الإمبراطورية الرومانية والبيزنطية في مرحلة ما يسمى بالعصر الكلاسيكي.
أما في القرن السابع الميلادي وبعد الفتح الإسلامي شكلت نقطة تحول كبرى لتصبح قلب الدولة الأموية. فتاريخ سوريا هو تاريخ صراع مستمر على النفوذ والموارد والطرق من الأنظمة الاستبدادية في العالم لتحقيق مصالحها عبر خلق الصراعات في سوريا واحتلالها والاستيلاء على خيراتها.
الكاتب الفرنسي باتريك سيل بكتابه الصراع على سوريا يُشيد ويبين هذا الصراع الحديث بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وتفكك الإمبراطورية العثمانية ويركز على الفترة ما بين عامي 1945 و1958 السنوات الحرجة التي تلت الاستقلال عن فرنسا وصولاً إلى الوحدة ما بين مصر وسوريا.
يقول باتريك سيل إن سوريا كانت ساحة معركة وحلبة مصارعة للقوى الإقليمية والدولية التي سعت لجذبها إلى مدار نفوذها ولم يكن الصراع داخلياً فقط بل كان محورياً لتحقيق طموحات القوى الخارجية، فأبرز محاور الصراع كما يراها باتريك سيل هي:
– الصراع الدولي الذي أظهر سوريا كـ “جائزة” في الصراع الأوسع ما بين الغرب والكتلة الشرقية، فالغرب سعى لمنع سقوط سوريا في الحضن السوفييتي.
– الصراعات الإقليمية التي كانت دائرة بين المملكتين الهاشميتين الداعمتين للغرب في الأردن والعراق ومن جهة أخرى مصر وتيارها القومي من جهة أخرى، كان كل طرف يسعى لضم سوريا لمحوره.
– خلق الأنظمة الاستبدادية للصراعات الداخلية والسعي لتفتيت النسيج السوري، فالصراعات الخارجية انعكست على الداخل السوري، حيث تنافست الأحزاب والكتل السياسية والعسكرية البعثييين والقوميين السوريين والإخوان المسلمين والشيوعيين والعشائر والطوائف الدينية كل هذه القوى الداخلية مدعومة من جهات خارجية مختلفة أفقدت سوريا استقرارها.
يلخص باتريك سيل بقوله بأن سوريا بسبب موقعها الجيوسياسي وقلب العالم العربي كانت ولا تزال محط أطماع خارجية فضعف الدولة وعدم استقرار النظام السياسي جعل منها فريسة سهلة للتدخّلات.
ما كتبه باتريك سيل في الخمسينات حول الصراع على سوريا يتجلى بوضوح شديد في واقع حال اليوم إنها استمرارية مذهلة بالواقع الحالي في سوريا لكن بأدوات ولاعبين جدد.
فبدلاً من بريطانيا وفرنسا اليوم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا تحاولان تعزيز نفوذهما في البحر المتوسط والمشرق العربي من خلال سوريا بينما تحاول الولايات المتحدة الأمريكية الحد من النفوذ الروسي.
أما بدلاً من الصراع العربي الهاشمي والقومي الناصري تحول الصراع إلى محورٍ إقليمي أدارته إيران والميليشيات الداعمة له قبل سقوط النظام السوري وسعيه الدائم لدعم الأسد ومساندته لتحقيق مشروعه الممر الشيعي الذي يربط طهران ببيروت عبر بغداد ودمشق، والمحور الآخر الذي سعى إلى وقف المد الشيعي هو محور السعودية وقطر ودعمها للمجموعات المتطرفة والمرتزقة، أما المحور الأكثر خطورة والذي لم ينسَ حلم الإمبراطورية العثمانية وبحجة حماية أمنها القومي هي الدولة التركية تتدخل في سعي منها إلى إحياء الإمبراطورية العثمانية البائدة.
أما اللاعب والمراقب لكل هذه التحركات والرافض للوجود التركي كما كان رافضاً للوجود الإيراني والذي يسعى لإنهاء الدوري التركي بسوريا كما أنهى الدور الإيراني وفشل مشروعه “إسرائيل” صاحب المشروع المتمثل بالحلم التوراتي الذي يسعى لتحقيقه عبر ممر داوؤد.
الخلاصة
سقط الأسد وسقط معه المشروع الإيراني، وتم القضاء على أقوى ذراعين لإيران حماس وحزب الله، سيطر على سوريا المتشددين بدعمٍ خارجي ورغم ذلك لا زال الصراع مستمراً.
في الخمسينات كان الصراع بين نُخب سياسية وعسكرية ذات أيديولوجيات قومية ويسارية، اليوم تحول إلى شكل أكثر تعقيداً ودماراً، حيث امتزج المطلب السياسي الهادف إلى إسقاط النظام السوري، إلى العامل الطائفي سنة وعلويّة وإلى الهوياتي كرد وعرب وإلى الإيديولوجي المتطرف المتمثل بداعش ومن لف لفه.
No Result
View All Result