No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
بعد نحو عام من سقوط نظام البعث في سوريا، وتحديداً في 8 كانون الأول 2024، برزت هيئة تحرير الشام لتملأ الفراغ السياسي الذي خلفه سقوط الدولة. كانت لحظة سقوط البعث بمثابة نهاية حقبة طويلة من الاستبداد والهيمنة السياسية. لكن؛ ما لبثت فرحة السوريين أن تلاشت لتحل محلها خيبة أمل كبيرة، فقد تبين أن النهج الجديد الذي طرحته هيئة تحرير الشام لم يكن بديلاً حقيقياً للاستبداد، بل كان مجرد إعادة إنتاج له، ولكن بألوان وأيديولوجيات مختلفة. في هذا السياق، يمكننا الوقوف على العديد من المفاصل التي توضح مدى عمق التحولات السياسية والاجتماعية في سوريا بعد صعود هيئة تحرير الشام، ولا سيما في ما يتعلق بالمجازر التي طالت الطوائف المختلفة، مثل العلويين، الدروز، والمسيحيين.
الانهيار الداخلي والعودة إلى الاستبداد
مع وصول هيئة تحرير الشام إلى سدة الحكم في سوريا، شهدت البلاد انهياراً شاملاً في بنيتها السياسية والاجتماعية، فقد تم حل الجيش، وأُغلقت المؤسسات العسكرية والمدنية والخدمية، إضافةً إلى ذلك، تم تعطيل مجلس الشعب والدستور، وفصل آلاف الموظفين من وظائفهم. وفتح السجون، فيما تم نهب المؤسسات العامة، بما في ذلك البنوك والمتاحف، في مشهد يعكس انهيار الدولة بأبشع صورها.
لم تكن هذه الإجراءات مجرد خطوات سياسية، بل كانت بمثابة ضربات موجهة إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية في سوريا، وهو ما أسهم بشكلٍ كبير في تفكك النسيج الوطني السوري، هذا التفكك لم يكن يقتصر على مستوى السلطة فقط، بل انعكس كذلك على المستوى الاجتماعي، حيث تحول المجتمع السوري إلى شعوب متفرقة تسعى كل واحدة منها للبقاء على قيد الحياة في ظل ظروف قاسية.
مجازر الطوائف السوريّة: العلويون والدروز والمسيحيون
من بين أبرز الفئات التي تعرضت للاضطهاد في ظل صعود هيئة تحرير الشام، كان العلويون، الذين تم تحميلهم وزر عقود من حكم البعث رغم أن العديد منهم كانوا ضحايا لهذا النظام كما كان حال باقي السوريين. العلويون الذين كانوا جزءاً من النظام البعثي، سرعان ما أصبحوا في مرمى نيران الانتقام الجماعي من قبل الجماعات المتطرفة المسلحة، رغم أنهم لم يكونوا بالضرورة من مؤيدي النظام، هذا الواقع جعل الكثيرين منهم يواجهون مصيراً قاتماً، إذ تم تصنيفهم على أنهم “فلول النظام”، وهو ما أدى إلى تعميق الشق الطائفي في المجتمع السوري.
أما المسيحيون، فقد عاشوا حالة من الخوف المستمر، خاصةً مع تنامي الأيديولوجيات المتطرفة التي لا تقبل تنوع الشعوب. ولم يقتصر الأمر على الخوف، بل وصل إلى عمليات تهجير واسعة وتعرض بعض الكنائس لهجمات إرهابية، مثل الهجوم الانتحاري الذي استهدف إحدى الكنائس في منطقة الدويلعة السوريّة، والذي أدى إلى استشهاد 22 مدنياً أثناء أدائهم الصلاة، هذا الهجوم كان بمثابة رسالة تهديد للمسيحيين في سوريا، ما زاد من معاناتهم وأجبرهم على اتخاذ قرارات قاسية بالهجرة أو التزام الصمت والاختفاء.
الدروز هم الآخرون الذين تعرضوا للتهميش والضغط. فمع تحول هيئة تحرير الشام إلى القوة الحاكمة، فقد الدروز مكانتهم التقليدية كحلقة وصل بين مختلف الطوائف السوريّة. بل إنهم تعرضوا لأبشع أنواع الاضطهاد، بما في ذلك المجازر التي ارتكبت ضدهم، والتي أسفرت عن مئات الضحايا من أبناء هذه الطائفة، هذا التهميش والتصفية أثرا بشكلٍ كبير على الدور الذي كان من الممكن أن يلعبه الدروز في مستقبل سوريا، وعمقا الانقسام بين الطوائف المختلفة.
من يسار متشدد إلى يمين متشدد
في تحليل أعمق لواقع سوريا بعد سقوط البعث وصعود هيئة تحرير الشام، نجد أن هذه التحولات السياسية والاجتماعية لم تكن مجرد تغيير في الوجوه أو تغيير في السلطة، فالبعث كان يمثل اليسار المتشدد، في حين أن هيئة تحرير الشام تمثل اليمين المتشدد. ورغم الاختلاف الظاهري بين النهجين، فإن كليهما اشتركا في إلغاء التعددية السياسية والاجتماعية، وفرض هوية واحدة على المجتمع السوري المتنوع.
عندما عقد ما يسمى بـ “مؤتمر النصر” وأعلن عن تعيين أحمد الشرع “أبو محمد الجولاني” رئيساً للحكومة الانتقالية؛ بدا أن سوريا دخلت في مرحلة جديدة. لكن؛ هذه المرحلة كانت شكلية إلى حدٍ بعيد. فعلى الرغم من تعيين حكومة أحادية اللون وتشكيل مجلس شعب جديد، إلا أن هذه الخطوات لم تؤسس لدولة حقيقية، بل لسلطة مغلقة لا تقدم أي أفق للتعايش بين مكونات المجتمع السوري. كانت تلك خطوات تهدف إلى تعميق الانقسام الطائفي والعرقي في البلاد، ما جعل من المستحيل بناء دولة موحدة ومستقرة.
انهيار الأمل في مستقبل مشترك
بعد مرور عام على سقوط البعث وصعود هيئة تحرير الشام، يمكن القول إن سوريا لم تشهد سوى تغيرات سطحية على صعيد السلطة، بينما ظل جوهر الأزمة قائماً. صحيح أن أسماء الشعار تغيرت، وأن الساحة السياسية أصبحت تحت سيطرة جماعة مسلحة جديدة، إلا أن المجتمع السوري لم يشهد أي تحسّن يذكر في ظروفه المعيشية أو في قدرته على بناء مستقبل مشترك. أصبح الشعب السوري أسيراً للصراعات الداخلية من جهة، وللتدخلات الدولية من جهة أخرى.
أخطر ما حدث ليس سقوط نظام أو صعود آخر، بل هو انهيار فكرة الوطن الجامع، وتفكك الهوية الوطنية التي كانت في يوم من الأيام أساساً للتماسك الاجتماعي في سوريا. هذا التفكك أدى إلى ضياع الأمل في بناء وطن يليق بتضحيات السوريين، ويضمن لهم مستقبلاً يتسم بالعدالة والحرية والسلام.
إن وحدة صف الشعوب السورية وفق مبادئ الإدارة الذاتية الديمقراطية تمثل السبيل الأهم لإنقاذ البلاد من الانهيار، حيث يقدّم نموذج شمال وشرق سوريا تجربة عملية لحماية المجتمعات وضمان مشاركة جميع الشعوب في القرار، بما يصون فسيفساء سوريا التاريخية من التفتت والاندثار، وهذا ما أشرنا إليه في مقال سابق تحت عنوان “سوريا بين الفسيفساء المهددة ووحدة الشعوب المنقذة”.
No Result
View All Result