No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – في اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا الحروب الكيميائية، يكشف الواقع أن الشرق الأوسط، ما يزال من أكثر المناطق تضرراً، حيث سُجّلت آلاف الإصابات والوفيات منذ ثمانينات القرن الماضي، من حلبجة إلى الغوطة وسري كانيه، وتؤكد الإحصائيات أن آثار هذه الهجمات تمتد لأجيال، في ظل غياب محاسبة حقيقية واستمرار المخاطر رغم الاتفاقيات الدولية.
لم يكن استخدام الأسلحة الكيميائية في الشرق الأوسط، حدثاً عابراً في تاريخ الحروب، بل صفحة دامية رافقها صمت دولي مريب، فمنذ ثمانينات القرن الماضي، ومع تصاعد الصراعات الإقليمية، تحوّل هذا النوع من الأسلحة من “محرّمة دولياً، إلى أداة حرب تُستخدم لتحقيق المصالح ليس إلا”. وفي هذا اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا الحروب الكيميائية، تبدو الحاجة الملحة إلى التذكير بمدى تأثير هذه الأسلحة المحرمة، على الإنسان، أكثر من أي وقت مضى.
حلبجة صمت مريب وغياب الضمير الإنساني
بين الجبال التي تحتضن مدينة حلبجة الكردية، لا تزال رائحة الغازات السامة التي غطّت سماءها في آذار 1988، تتردّد كطيف ثقيل في ذاكرة الناجين، الهجوم الذي حصد خمسة آلاف مدني، خلال ساعات ورغم مرور سنوات طويلة على تلك المأساة، لا تزال المنطقة اليوم تواجه أعلى معدلات السرطان والتشوّهات الخلقية في العراق، في شهادة واضحة على أن الأسلحة الكيميائية، لا تقتل لحظة سقوطها فقط، بل تواصل فعلها القاتل لأجيال. هذا الهجوم يُعد أول استخدام رسمي وواسع للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في الشرق الأوسط، وقد شكّل نقطة تحول في وعي المجتمع الدولي بخطورة هذه الأسلحة، ورغم وضوح الجريمة وبشاعتها، لم يتجاوز الردّ الدولي آنذاك مستوى “الأسف الباهت” وبيانات التنديد الشكلية، فالدول الكبرى التي رأت في العراق سداً منيعاً أمام التمدد الإيراني، غضّت الطرف، واكتفى المجتمع الدولي بتقارير مقتضبة أشارت إلى “استخدام متكرر للغازات السامة”، دون تحميل أي جهة مسؤولية مباشرة.
وإن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، رفضت بعد شهر واحد فقط من الفاجعة، إدانة العراق على انتهاكاته، في مشهد يعكس هشاشة العدالة الدولية عندما تتقاطع مع المصالح السياسية.
ومنذ حلبجة، لم ينقطع استخدام الأسلحة الكيميائية في المنطقة، بل عاد وظهر في ساحات أخرى في سوريا واليمن وليبيا وغيرها، وكأن المجتمع الدولي لم يتعلم شيئاً من تلك الفاجعة الأولى.
وعلى الرغم من توقيع معظم دول العالم على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 1993، وإنشاء منظمة دولية لمراقبتها، إلا أن هذه الجهود لم تنجح أمام مخزون الأسلحة غير المعلَن الذي تحتفظ به بعض الدول، وأمام سهولة تصنيع هذا النوع من الأسلحة، خاصة أن هناك العديد من المواد التي تدخل في صناعتها هي مواد منزلية وطبية.
يحظر استخدام الأسلحة الكيميائية بموجب بروتوكول جنيف في عام 1925، وعلى الرغم من أن العراق وقع هذه المعاهدة في عام 1931، وأعلن التزامه المشروط، إلا أن الحكومة العراقية تجاهلت باستمرار قرارات المجتمع الدولي في هذا الشأن، ويعود استخدام العراق الأسلحة الكيميائية إلى بداية الحرب العراقية الإيرانية في 1983 و1987 و1988 ضد المدنيين في مدن وقرى باشور وروجهلات كردستان.
من خط أحمر إلى ضوء أخضر
وفي سوريا خلال العقد الأخير استخدمت الأسلحة المحرمة دولياً، وشكلت نموذجاً صارخاً لانعدام فعالية المجتمع الدولي في منع استخدام الأسلحة الكيميائية، فمنذ بداية الأزمة السورية، تعرض المدنيون لهجمات متكررة بالغازات السامة، أثبتت التحقيقات الدولية والمحلية أن هذه الهجمات لم تكن استثناءً، بل سياسة ممنهجة داخل مناطق مأهولة بالسكان.
ففي عام 2013، شهدت الغوطة الشرقية أكبر حادثة كيميائية في سوريا، ففي صباح 21 آب سقطت صواريخ محمّلة بغاز السارين على أحياء مكتظة بالمدنيين، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 1400 شخص وإصابة آلاف آخرين، بأعراض اختناق وتسمم عصبي، كان هذا الهجوم أول اختبار فعلي للخطوط الحمراء التي أعلنها المجتمع الدولي، بعد أن حذر الرئيس الأمريكي آنذاك من استخدام الأسلحة الكيميائية، لكنه وقع بعد ذلك اتفاقاً مع روسيا لتفكيك الترسانة الكيميائية السورية، ولم يمنع ذلك استمرار الهجمات لاحقاً.
في الأعوام التالية، استمر استخدام الأسلحة الكيميائية على المدن السورية، ففي الرابع من نيسان 2017، تعرضت خان شيخون لهجوم باستخدام غاز الأعصاب “السارين”، ما أدى إلى مقتل نحو 100 شخص وإصابة مئات آخرين، وأكدت بعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أن الهجوم نفذ بواسطة سلاح جوي تابع للنظام السوري السابق، وأن الغازات المستخدمة مطابقة لتلك التي استخدمت في الغوطة، بعد عام واحد، في السابع من نيسان 2018، تعرضت مدينة دوما لهجوم بغاز الكلور، أسفر عن مقتل 43 شخصاً وإصابة العشرات، مؤكدةً منهجية النظام السابق في استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين.
والتقارير الصادرة عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان تؤكد أن أكثر من 200 هجوم كيميائي، سجل على الأراضي السورية منذ عام 2012 وحتى 2022، نسب معظمها إلى قوات نظام البعث السابق، وأسفرت هذه الهجمات عن قتل أكثر من 1500 شخص، وإصابة أكثر من 11 ألف شخص، بما في ذلك الأطفال والنساء، كما تم استخدام غازات مختلفة مثل السارين والكلور؛ ما يعكس استراتيجية ممنهجة لاستهداف السكان المدنيين في مناطق متعددة مثل حماة وحلب وإدلب.
تشير التحقيقات إلى أن النظام السوري السابق حصل على مكونات كيميائية أساسية من شركات أوروبية، استخدمت لصناعة غازات الأعصاب، عبر شركة المتوسط للصناعة الدوائية، ما يؤكد أن جزءاً من هذه الهجمات اعتمد على مواد شديدة الخطورة متوفرة أصلاً للاستخدامات المدنية، كذلك أظهر النزاع محاولة داعش استخدام الأسلحة الكيميائية، ما زاد من خطورة الوضع على المدنيين، وأثار المخاوف الدولية بشأن انتشار هذه الأسلحة خارج سوريا.
غياب رد فعل من المجتمع الدولي، منح النظام البعث السابق، وحليفه الروسي، قدرة على الاستمرار في استهداف المدنيين دون أي رادع، وعلى الرغم من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وانضمام سوريا إليها عام 2013، فقد تواصلت الهجمات في مناطق متعددة، ما يثبت أن هذه الجرائم كانت جزءاً من استراتيجية عسكرية ممنهجة، تهدف إلى إخضاع السكان والسيطرة على مناطق النزاع، بينما يظل التحقيق والمساءلة الدولية محدودين للغاية.
تركيا استخدمت الأسلحة الكيميائية دون رادع
شهدت الجهود الدولية للحدّ من انتشار الأسلحة الكيميائية تطوراً كبيراً مع اعتماد اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (CWC)، التي وُقّعت عام 1993، بهدف إنهاء إنتاج هذه الأسلحة وتخزينها واستخدامها على مستوى العالم، وفي 12 أيار 1997 انضمت تركيا رسمياً إلى الاتفاقية، مؤكدة التزامها بالمعايير الدولية المتعلقة بحظر هذا النوع من السلاح.
ورغم هذا الالتزام الرسمي، بقي اسم تركيا حاضراً بقوة في النقاشات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، خاصة خلال الهجمات العسكرية على باشور كردستان، فقد وجّهت ناشطات بارزات من مختلف دول العالم رسالة جماعية إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية طالبت فيها بفتح تحقيق مستقل بشأن مزاعم استخدام الجيش التركي لهذه الأسلحة، وهي ليست المرة الأولى التي تُطرح فيها مثل هذه الطلبات، ففي عدة برلمانات، من بينها البرلمان الألماني والإيطالي والأمريكي، تقدّم نواب باقتراحات رسمية دعت الحكومات إلى التحقق من هذه الادعاءات.
وأشارت تقارير دولية إلى وقائع عدة ففي عام 2019، ذكرت الأمم المتحدة أنّ خبراءها حصلوا على معلومات تتعلق باحتمال استخدام القوات التركية الفوسفور الأبيض، دون أن يُكشف لاحقاً عن تفاصيل نتائج التحقيق.
إعلامياً، تم فقط تداول قصة محمد حميد الفتى الكردي من سري كانيه، الذي كان يبلغ من العمر 13 عاماً، كان قد تأثّر بشكل خطير بهذه الغازات الكيميائية، أرسل إلى باشور كردستان للمعالجة، لكن لشدة خطورة حالته تم إرساله لفرنسا، رغم محاولة تركيا استعادته.
المنظمات الحقوقية المحلية في تركيا، وثّقت أيضاً حوادث مشابهة، ففي عام 2011، نشر فرع جمعية حقوق الإنسان في آمد، تقريراً موسعاً حول استخدام الأسلحة الكيميائية، ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني بين عامي 1994 و
2011، مشيراً إلى أنّ هذه الانتهاكات تزايدت منذ التسعينات، وحسب التقرير، يُعتقد أنّ الأسلحة الكيميائية ظهرت لأول مرة عام 1994، لكن صعوبة الوصول إلى مناطق العمليات آنذاك حالت دون التحقق الميداني.
ويُفيد التقرير بأن جيش الاحتلال التركي، استخدم مواد كيميائية وبيولوجية 46 مرة خلال تلك الفترة، ما أدى إلى استشهاد 437 مقاتلاً، إضافة إلى نفوق 134 حيواناً.
وتتضمن الوثائق الحقوقية أمثلة عديدة تُظهر أنماطًا متكررة لهذه الحوادث، ففي عام 1999، خلص تحقيق مخبري في ألمانيا إلى أنّ 20 مقاتلاً استشهدوا نتيجة التعرض لمواد كيميائية في اشتباك قرب بلدة سلوبي، في شرناخ، وفي حادثة أخرى عام 2011، أثار تفسّخ أنسجة جثة أحد المقاتلين في شمزينان شكوكاً قوية حول تعرضه لمادة سامة، وفي عام 2016، أثناء فترة حظر التجول في جزيري، ظهرت تقارير طبية تشير إلى حروق وتشوهات لا تتطابق مع الأسلحة التقليدية، وقد وجّه ممثلو حزب الشعوب الديمقراطي، حينها رسائل رسمية إلى الأمم المتحدة، والمحكمة الجنائية الدولية، مطالبين بتحقيق عاجل.
وكشف حزب العمال الكردستاني والمنظمات التابعة له، أن هناك ما يقرب من 1300 هجوم كيميائي تركي على مناطق الدفاع المشروع، منذ نيسان 2021 لغاية 2023.
صورة قاتمة واتفاقيات لم تُنفذ
قرر مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية أن يكون 30 تشرين الثاني من كل عام، يوماً لإحياء ذكرى ضحايا الحرب الكيميائية، أو عند قضاء اليوم الأول من الدورة العادية للمؤتمر، تأبين الضحايا والتأكيد على التزام المنظمة بالقضاء على تهديد هذه الأسلحة وتعزيز السلم والأمن. وخلال المؤتمر الاستعراضي الثالث للدول الأعضاء في لاهاي عام 2013، تم اعتماد إعلان سياسي يؤكد التزام الدول الأطراف بحظر الأسلحة الكيميائية واستعراض تنفيذ الاتفاقية منذ آخر مؤتمر استعراض عام 2008.
بدأت جهود نزع السلاح الكيميائي قبل أكثر من قرن، بعد الاستخدام الواسع للأسلحة الكيميائية في الحرب العالمية الأولى الذي أسفر عن مقتل نحو 100 ألف شخص وملايين الإصابات، في حين لم تُستخدم هذه الأسلحة خلال الحرب العالمية الثانية، وأسفر القلق العالمي من انتشارها لاحقاً عن وضع اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، التي دخلت حيز التنفيذ في 29 نيسان 1997، لتؤكد التزام الدول الأطراف بمنع استخدامها بالكامل.
تنص المادة الثامنة من الاتفاقية، على أن تقوم الدول الأطراف عبر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بتحقيق أهداف الاتفاقية، بما في ذلك التحقق من الامتثال وتوفير منتدى للتشاور والتعاون، وهناك 193 دولة ملتزمة بالاتفاقية، ويعيش 98% من سكان العالم تحت حماية بنودها، وفي عام 2013، مُنحت الاتفاقية جائزة نوبل للسلام تقديراً لجهودها المكثفة في القضاء على هذه الأسلحة.
وفي اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا الحروب الكيميائية، تبدو الصورة قاتمة، فالقوانين موجودة، والاتفاقيات مُبرَمة، والمنظمات الدولية تعمل منذ عقود، لكن الضحايا ما زالوا يُتركون وحدهم مواجهة آثار لا تنتهي، بينما يستمرّ استخدام هذا السلاح في صمت يشبه التواطؤ.
No Result
View All Result