No Result
View All Result
كاوه نادر قادر
يشكّل الهجوم الإرهابي الذي استهدف حقل كورمور الغازي منعطفًا خطيرًا في مسار التوازنات الأمنية والاقتصادية في إقليم كردستان، إذ لم يكن مجرد حادث أمني معزول، بل خطوة محسوبة تهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض معادلات جديدة على الإقليم، فحقل كورمور، بوصفه واحداً من أهم ركائز البنية الاقتصادية في إقليم كردستان ومصدرًا رئيسياً لتزويد محطات الكهرباء بالغاز، بات هدفاً مباشراً لكل الجهات الساعية إلى زعزعة استقرار الإقليم وإضعاف قدرته على إدارة موارده الطبيعية، ومن هنا؛ فإن الهجوم يحمل رسالة مزدوجة: ضرب أمن الطاقة من جهة، وتقويض مكانة الإقليم الاقتصادية والسياسية من جهة ثانية.
يأتي هذا الاعتداء في سياق إقليمي مشحون، تتقاطع فيه مصالح القوى الدولتية والفصائل المسلحة التي تعمل على توسيع نفوذها داخل العراق، فالهجمات الممنهجة على منشآت الطاقة في إقليم كردستان ليست جديدة، لكنها تشهد تطوراً نوعياً في توقيتها ودلالاتها، إذ تتزامن مع مفاوضات حساسة بين هولير وبغداد حول ملفات النفط والغاز، ومع تصاعد التوترات في العلاقة بين الإقليم وبعض القوى المتشددة داخل “الإطار التنسيقي”. ولذلك؛ فإن استهداف كورمور قد يكون جزءًا من محاولة الضغط على الإقليم لانتزاع تنازلات سياسية واقتصادية، خاصةً في ما يتعلق بإدارة الثروات الطبيعية وصلاحيات الإقليم الدستورية.
كما يعكس الهجوم رسالة إقليمية أوسع مرتبطة بالتنافس على خطوط الطاقة ومسارات النفوذ في العراق، فإضعاف كردستان في ملف الطاقة يعني بالضرورة إضعاف دوره في معادلة شرق المتوسط والخليج، وتقليص قدرته على إقامة شراكات اقتصادية دولية مستقرة، وهو ما قد يفتح الباب أمام فواعل غير رسمية لتعزيز حضورها عبر أدوات التهديد الأمني وإعادة ترتيب علاقات القوة داخل العراق. وتزداد خطورة الهجوم حين يوضع في سياق التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وبعض الفصائل المسلحة، إذ يُحتمل أن يكون كورمور ورقة ضغط في لعبة إقليمية تتجاوز حدود إقليم كردستان نفسها.
على الصعيد الداخلي، يكشف الهجوم هشاشة البنية الأمنية التي يفترض أن تحمي أهم منشآت الطاقة في الإقليم. كما يعيد فتح النقاش حول طبيعة التهديدات التي تواجه إقليم كردستان، ليس فقط من القوى المعادية تقليديًا لمشروعه السياسي، بل أيضاً من الفاعلين الذين يستخدمون أدوات الحرب غير النظامية لتعطيل الاستقرار، وفي هذا السياق يبدو أن الهجوم يستهدف ضرب الثقة العامة بمؤسسات الإقليم، وإرباك بيئته الاقتصادية عبر خلق حالة عدم يقين مستدامة تعيق جهود التنمية والاستثمار.
إن ما جرى في كورمور يتجاوز كونه ضربة أمنية، فهو جزء من صراع أوسع يدور حول مستقبل إقليم كردستان ومكانته داخل العراق والمنطقة، فالجهة التي تقف وراء الهجوم لا تستهدف محطة غاز فحسب، بل تسعى إلى إعادة رسم حدود النفوذ وإرسال رسالة واضحة مفادها أن سيادة الإقليم على موارده لا تزال موضع نزاع، ومن ثم فإن الرد لا يمكن أن يكون أمنياً فقط، بل يجب أن يتضمن معالجة سياسية شاملة تعيد تأكيد موقع الإقليم في المعادلة العراقية، وتحصّن اقتصاده، وتعمّق شراكاته الإقليمية والدولية.
وبذلك يظهر الهجوم على كورمور ليس كحدثٍ طارئ، بل كحلقة ضمن سلسلة من الضغوط المنظمة التي تهدف إلى إعادة هندسة التوازنات في إقليم كردستان. وهو ما يجعل المرحلة المقبلة دقيقة، تتطلب يقظة سياسية وأمنية، وقدرة على قراءة التحولات الجارية بعمق، من أجل الحفاظ على استقرار الإقليم ودوره الحيوي في العراق والمنطقة.
No Result
View All Result