بعد استعراضٍ سريع للتطور المطلبي للمرأة وتنظيمها لذاتها، نلاحظ بوضوح أنّ قيام الرأسمالية بالثورة الصناعية في القرنين الثامن والتاسع عشر شكّل تغيراً اجتماعياً جوهرياً فرضته الحاجة الماسة، الداخلية منها والخارجية، وعلى مستوى التطور التقني والوعي المجتمعي آنذاك، وخاصة بعد انخراط المرأة في العمل خارج المنزل، ما ضمن لها بعض الاستقلالية الاقتصادية النسبية، فقد عملت لساعات طويلة وفي ظروف وبيئات شديدة الصعوبة، وعانت من اللامساواة في الأجور وفي كثير من القضايا الحياتية الأخرى، الأمر الذي دفعها إلى المشاركة بفعّالية في الإضرابات والمظاهرات المطالبة بحقوقها وتحسين ظروف عملها.
وفي الربع الأول من هذا القرن، ظهرت حركات نسوية عديدة تطالب بحقوق التعليم والمساواة والتصويت للمرأة وتسليط الضوء على قضاياها، ومن هذه الحركات اتحاد ستار الذي تطور لاحقاً إلى حركة مؤتمر ستار وتوسعت في شمال وشرق سوريا إبان اندلاع الحراك الثوري في سوريا، وقد كان وما زال يعمل على تنظيم وتوعية المرأة وتمكينها، وإزالة الحواجز التي تحد من طاقاتها وفتح الأبواب المؤصدة أمام مشاركتها الفعالة في المجتمع، بدءاً من تأسيس عائلة ديمقراطية وصولاً إلى الإدارات والمؤسسات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، وقد أثبتت المرأة جدارتها في قيادة دفة النضال وأصبحت نموذجاً يُحتذى به في العالم.
وفي خضم تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، تحدت المرأة بجدارة سياسات الإقصاء والتهميش، وبرزت في مفاصل الحياة والنضال، وخاضت تحديات عملية رغم الطبيعة البيولوجية التي تؤثر بشكل مباشر على أدائها لمهامها، في أعراض الدورة الشهرية مثل تقلصات الرحم، والآلام الحادة، والتقلبات المزاجية، والإرهاق، وقلة التركيز؛ ما يجعل أداء الأعمال التي تتطلب جهداً بدنياً أو تركيزاً ذهنياً أمراً بالغ الصعوبة. وحسب اطلاعي على بنود النظام الداخلي لهذه الحركة، فهي تتحلى بالمرونة والأخلاق في تعاملها مع المرأة العاملة والمناضلة، وتشدد دائماً على ضرورة أخذ الخصوصية البيولوجية للمرأة بعين الاعتبار، وكذلك وضعها كأم عاملة ومناضلة وناشطة ومقاتلة ، كما تمنحها حق الإجازة أثناء الدورة الشهرية، وهذا الإجراء يحمل دلالات ومعاني سامية، منها كسر التابوهات حول الحديث عن الدورة الشهرية في أماكن العمل، وتعزيز الصحة النفسية والجسدية للمرأة، إلا أنّ هذا الإجراء ما يزال ضمنياً وغير موثق ولم يُقدم كقرار رسمي بعد، وبرأيي، في حال تمت مناقشته بجدية وصدر قرار بهذا الخصوص، فإنه سيُحدث صدىً إيجاباً على كافة المستويات، خاصة في المناطق التي تشهد تصاعداً في الحركات النسوية، وسيكون مصدر إلهام لهن حول العالم، كما أنّ هذا الإجراء سيُمهد الطريق أمام تشريعات مستقبلية في كثير من الأماكن، تضمن حقوقاً عادلة تراعي الفروقات البيولوجية وتوسع العدالة الجنسوية والجندرية على السواء، بما يشمل الصحة الجسدية والنفسية إلى جانب مهم جداً في مجتمعاتنا الشرق أوسطية، كالنظرة المجتمعية تجاه القضايا الحساسة المتعلقة بالمرأة، وبذلك أناشد المعنيين بتبني هذا الاقتراح الذي أقدمه من خلال هذه الزاوية التي تعبر عن كينونة المرأة الحرة.
ففي القرن الحادي والعشرين أصبحت المرأة قوة فاعلة وحيوية في الحركات الاجتماعية والسياسية، وامتلكت منظمات نسوية عدة تدافع عن حقوقها على المستوى العالمي، وتطالب بالتمثيل السياسي العادل، ومكافحة أشكال العنف الممارس ضدها، والاعتراف بالاحتياجات البيولوجية لها بشكل خاص.