No Result
View All Result
يمثل جفاف نهر العاصي خسارةً لمصدر حياة تاريخي، وهي قصة معقدة تجمع بين تداعيات التغير المناخي والإجراءات البشرية، حيث يعد نهر العاصي شرياناً حيوياً في سوريا، ويمتد لمسافة 571 كيلومتراً من سهل البقاع في لبنان حتى مصبه في البحر المتوسط.
ولطالما كان النهر أساساً للزراعة والاستقرار البشري في المنطقة، حيث كان يروي مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية ويشكل نظاماً بيئياً فريداً.
وتستفيد من نهر العاصي في سوريا ما يقرب من 58% من الأراضي الزراعية التي تغطيها حوض العاصي، وتُقدر مساحتها بنحو 171,833 هكتاراً، وتعدّ وحماة وإدلب ووادي الغاب وأريافها من أهم المناطق المستفيدة. لا يمكن إرجاع جفاف العاصي لسبب واحد، بل هو نتيجة تشابك عدة عوامل أهمها التغير المناخي في زيادة درجات الحرارة وتراجع معدلات الهطول المطري وزيادة وتيرة وشدة موجات الجفاف، الأمر الذي شكل ضغطاً مباشراً على الموارد المائية، حيث يزيد من معدلات التبخر ويقلل من تغذية الينابيع والأنهار، وذلك بحسب مديرية الموارد المائية بحماة.
وأضاف مسؤولو المديرية أن سوء إدارة الموارد المائية، بما في ذلك الضخ الجائر من المياه الجوفية للسقاية وعدم كفاءة شبكات الري التقليدية، أسهم في استنزاف المخزون المائي بشكل أسرع من قدرة الطبيعة على تجديده، مشيراً الى أن تراجع مخزون السدود منها سد الرستن الذي يعدّ أحد أهم السدود على النهر، أدى تراجع منسوب مياهه إلى مستويات تاريخية، ما قلص بشكل حاد كمية المياه المتاحة للتحرير في مجرى النهر.
ويقف المزارعون اليوم في الخط الأمامي لمواجهة هذه الكارثة، وشهاداتهم تروي قصة المعاناة اليومية، يقول منير أحمد، مزارع من ريف حماة: “النهر الذي شربنا منه نحن وأجدادنا وروينا به مزروعاتنا، صار اليوم ذكرى، مضطرون لسقاية أراضينا من مياه المجاري، نعلم أننا نسمم أرضنا ومحاصيلنا، ولكن ما هو البديل؟ إما أن نفعل ذلك أو نشاهد عائلاتنا تموت جوعاً”.
من جهتها توضح سوسن غدير، وهي من سكان المنطقة: “شبابنا يهاجرون لأن الزراعة لم تعد تُطعم، الريف يفرغ، ومدننا لا تستطيع تحمّل كل هذا العبء لقد فقدنا ليس فقط مصدر رزقنا، بل جزءاً من هويتنا مرتبط بهذا النهر”.
تمتد آثار جفاف النهر لتطال كل جانب من جوانب الحياة في المنطقة أولها القطاع الزراعي حيث شهدت المحاصيل الأساسية مثل القمح والقطن انخفاضاً حاداً في الإنتاجية، كما أدت الزيادة في تكاليف الري البديل إلى تراجع دخول المزارعين وتراكم الديون عليهم.
أما من ناحية القطاع الصحي، فيهدد الاستخدام المتصاعد لمياه الصرف الصحي غير المعالجة في الزراعة بانتشار الأمراض المتنقلة عبر المياه مثل الكوليرا والتيفوئيد، ما يضعف الصحة العامة ويشكل عبئاً جديداً على النظام الصحي المرهق أصلاً إضافة إلى أن الجفاف يؤدي إلى تدهور الغطاء النباتي حول النهر، واختفاء العديد من الكائنات المائية التي كانت تعيش فيه، ما يخل بالتوازن البيئي للمنطقة بالكامل.
وعلى الرغم من قسوة المشهد إلا أن بعض الخبراء والمزارعين قدموا حلولاً يمكن السير فيها لتجنب تفاقم الكارثة منها تحسين كفاءة الري فالتحول من الري بالغمر إلى أنظمة الري بالتنقيط والري التكميلي من أكثر الحلول فاعلية لتقليل هدر المياه. إضافة إلى تشجيع المزارعين على اختيار محاصيل أقل استهلاكاً للمياه وأكثر تحملاً للجفاف، كبعض أنواع البقوليات، والاعتماد على بذور محسنة. كما يتطلب الأمر تطوير خطط استراتيجية شاملة لإدارة المياه، تشمل ترشيد الاستهلاك، وحصاد مياه الأمطار، وإعادة تأهيل شبكات الري.
ويعدّ خبراء في مجال البيئة، جفاف نهر العاصي أكثر من مجرد ظاهرة طبيعية، إنه جرس إنذار صارخ حول كيفية تعاملنا مع مواردنا الطبيعية الثمينة، وأن القصة هنا ليست فقط عن نهر يموت، بل عن مجتمعات تكافح من أجل البقاء، ونظام بيئي يتهاوى، ونداء أخير لتبني مسار أكثر استدامة.
وكالة هاوار
No Result
View All Result