محمد السليمان
في زحمة العالم وضجيجه تظهر عدوى خفية لا تنتقل عبر الهواء لكنها تتسلل إلى الأرواح بصمت. واحدة من هذه العدوى ربما تتمثل في عدوى تهويها القلوب والعقول إنها عدوى المطالعة وقراءة الكتب، التي ربما تعد أحد أبرز أشكال هذه العدوى، صديقي “ياسر” مدمن الأركيلة بالتنباك العجمي، أصابته عدوى القراءة بعد قراءته مانيفستو السلام “باقتراحٍ مني”.
وفي جلسة وديّة نفخ بوجهي دخان تنباكه وقال: عرفنا بأن الحداثة هي نظام أطلق في أوروبا على العصر الحديث، وهي متمثلة بالرأسمالية أما الحداثة الديمقراطية فمن أين ابتدعتموها، وماهي وأين طُبقت.
باعتبار صديقي “ياسر ” طرح سؤالا هاماً، ولنفهم مغزى سؤاله لابد أن نفرّق بين الحداثة الرأسمالية والحداثة الديمقراطية.
فالحداثة الرأسمالية (الصناعوية) هي نموذج الدولة القومية الحديثة الذي هيمن على العالم منذ قرون، وهو في جوهره مشروع رأسمالي يعتمد في طبيعته على الهرمية والمركزية الاستغلالية، مجسداً سياسته في الدولة القومية، أعلى شكل من التنظيم البشري الذي يشكل الدولة، والمعتبرة أداة للهيمنة الطبقية والسيطرة التي تكرس سلطنة النخبة الحاكمة دائماً تسعى لخلق مجتمع متجانس ثقافياً ولغوياً ودينياً داخل حدود الدولة القومية المؤدي إلى قمع الهويات الأخرى، وطمس التنوع والحداثة الرأسمالية بطبيعته نموذج ذكوري، جوهره أسس الدولة الأبوية الذي قمع المرأة تاريخياً وحوّلها إلى مستعمرة، وهيمنة الذكورية في كل المجالات.
يمكننا القول بأن الحداثة الرأسمالية الصناعوية مشروع هيمنة متعدد الأوجه، الهيمنة الكلية على الإنسان، وهيمنة الإنسان على الإنسان أي هيمنة الرجل على المرأة وهيمنة الطبقة الحاكمة على الشعب والأمة السائدة على الأقليات.
عزيزي “ياسر” هذا هو مختصر عن الحداثة الرأسمالية أما الحداثة الديمقراطية فلا أقول لك إنها عكسها بل سأبيّن لك ماهي الحداثة الديمقراطية؟
المفكر الكردي عبد الله أوجلان عرّفها بالنموذج البديل والثوري لمواجهة الحداثة الرأسمالية وإنها ليست رافضة للعلم والتقدم، بل رافضة للهيكل الهرمي الاستغلالي، يعتمد بطبيعة أفقية لا مركزية تشاركية ويقوم على الاقتصاد التشاركي والتعاونيات المحلية ويهدف إلى تلبية الاحتياجات الأساسية بدلاً من تعظيم الأرباح، فنرى هنا بأن الاقتصاد في خدمة المجتمع.
وسياسته تتجسد في الكونفدرالية الديمقراطية، بحيث لا مكان للدولة المركزية بل تنظيم ذاتي مجتمعي محلي، تتحد طوعاً في إطارها الكونفدرالي لإدارة شؤونها والسلطة هنا تنتقل من الأسفل إلى الأعلى. فالحداثة الديمقراطية مجتمع تعددي ذو تنوع ثقافي وديني ولغوي بدلاً من فرض الهوية الواحدة فكل الهويات معترفاً بها ومشاركة في القضاء العام الديمقراطي وهذا هو جوهره، وهي لا تقوم على العرق بل على الإرادة المشتركة. حتى الطبيعة في الحداثة الديمقراطية لها احترامها وعلاقتها معها تكافلية، حيث البشر جزء من الطبيعة وليسوا أسياداً عليها وللمرأة في هذا المشروع دور مهم بحيث يُعتبر تحرر المرأة هو حجر الزاوية ولا يمكن تحقيق مجتمع ديمقراطي دون تحرر المرأة.
خلاصة القول إن الحداثة الديمقراطية مشروع تحرري شامل يبدأ من تحرر المرأة والطبيعة وتحرر كافة المضطهدين اقتصادياً وثقافياً من خلال الديمقراطية المباشرة والتضامن الاجتماعي.
ختاماً سوف أرد على الشطر الثاني من سؤالك عزيزي ياسر والذي يقول: أين طبّقت هذ النموذج؟
انظر إلى تجربة روج آفا (شمال وشرق سوريا) إنها التجسيد العملي الأول لمشروع الحداثة الديمقراطية من خلال الإدارة الذاتية والقائم على الكونفدرالية الديمقراطية وتحرر المرأة والتعددية الثقافية.