No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
يعد ملف المرأة داخل حزب العمال الكردستاني “”PKK من أهم وأكثر الملفات التي أثارت اهتمام الباحثين في الشؤون السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط، فمنذ تأسيس الحزب بتاريخ 27 تشرين الثاني 1978، لم يقتصر دوره على كونه حركة تحرر قومية، انتهجت طريق الكفاح المسلح بعد أن شعرت برفض الدولة لمبدأ وجود الشعب الكردي وكردستان، فما بالك بالحوار والتفاوض، بل قام بدوره في الكثير من المجالات ومنها موضوع تحرر المرأة. فمن خلال خطاباته الفكرية، ركز دوماً على موضوع “تحرير المرأة” بوصفه جزء أساسي ورئيسي من مشروع تحرري أوسع وأشمل.
وتعود أهمية هذا الملف إلى أن مشاركة المرأة في حركات التحرر القومي والوطني، ظاهرة معروفة عالمياً، خاصةً، في المجال العسكري، لكن خصوصية التجربة الكردية تتمثّل في حجم وعمق الدور الذي مُنح للمرأة داخل هياكل الحزب وخطابه، بالإضافة إلى الخصوصية التي تتميز بها المرأة بعيداً عن العلاقة مع الرجل، فقوات الكريلا هي القوى الوحيدة في العالم في إطار حركات التحرر التي لا يوجد بين المرأة والرجل سوى الاحترام والصداقة وليس هناك أية علاقة زواج، لأنه وحسب مفهوم القائد “عبد الله أوجلان”، فإن الرجل إن لم يكن حراً والمرأة لم تكن حرة، لن يستطيعوا بناء عائلة حرة وبالتالي يحتاجون إلى الحرية لبناء مجتمع ديمقراطي حر.
الخلفية الفكرية لاستخدام مفهوم “تحرير المرأة”
وخلال تسعينات القرن الماضي، بدأ الحزب بطرح “نظرية تحرير المرأة”، مستنداً إلى الفكرة التي طرحها القائد والمفكر “عبد الله أوجلان” من كون “المرأة أول مستعمرة في التاريخ”، وأن النظام الأبوي الذكوري هو أصل كل أشكال السلطة، على هذا الأساس ربط الحزب بين اضطهاد المرأة والأنظمة السياسية والاجتماعية القائمة، وبالتالي تحولت فكرة تحرير المرأة إلى جزء أساسي من مشروع الحزب الفكري والتنظيمي.
وطرح الحزب جملة من الأفكار حول المرأة، منها أن المرأة هي أكثر فئة من المجتمع، تعرّضت للهيمنة عبر التاريخ، وبالتالي تحريرها شرط لتحرير المجتمع، كذلك لا يمكن قيام ثورة كردية دون ثورة خاصة بالمرأة بالتوازي معها، بالإضافة إلى أن تحرير المرأة يجب أن يتم ضمن صفوف الكفاح المسلح وليس من خلال الإصلاح الاجتماعي البطيء، وقد ربط القائد عبد الله أوجلان في كتابه “قضية المرأة وحلها” بين تحرير المرأة وتحرير كردستان بشكل مباشر، كما أن وثائق مؤتمر الحزب الخامس (1995) تضمنت أول فصل تنظيمي خاص بوحدات المرأة، إلى جانب كتبه حول كيف نعيش، والمرأة والعائلة، توجيهات القائد عبد الله أوجلان الفكرية، دفعت الحزب لتأسيس أجنحة وهيئات للمرأة لها استقلال تنظيمي نسبي، وهو ما عزّز حضورها داخل بنية الحركة.
تأسيس وحدات المرأة الحرة ومؤسسات أخرى
ولم يكن هذا التوجه مجرد خطاب نظري، بل تحول إلى عملية تنظيم واسعة ضمن صفوف الحزب، حيث اعتبر القائد “عبد الله أوجلان” أن تحرير المجتمع لا يمكن تحقيقه من دون تحرير المرأة، وأن دورها يجب أن ينتقل من الهامش إلى القيادة، وضمن هذا الإطار، ظهرت في بداية التسعينات 1993 وحدات عسكرية مستقلة خاصة بالمرأة لأول مرة وهي وحدات المرأة الحرة YJA – STAR التي تعتبر الأولى من نوعها ليس في الشرق الأوسط فقط، بل في العالم.
وبعدها توسعت النشاطات التي تقوم بها المرأة، حيث تم تشكيل وحدات حماية المرأة YPJ في مناطق روج آفا وإقليم شمال وشرق سوريا بعد أن كانت المرأة مشاركة في تأسيس وحدات حماية الشعب YPG، فمسألة تشكيل وحدات عسكرية خاصة بالمرأة، لم يكن مجرد خطوة تنظيمية، بل كان انعكاساً لرغبة الحزب في تقديم نموذج لقدرة المرأة على المشاركة في الكفاح المسلح بعيداً عن سلطة الرجل، إلى جانب منحها القدرة على اتخاذ القرارات ضمن هياكل خاصة بها، هذا التوجه، منح الحزب صورة أكثر تطوراً مقارنة بالعديد من التنظيمات العسكرية في المنطقة، التي غالباً ما تُقصي المرأة عن الكفاح المسلح، أو تحصر دورها في المهام غير القتالية.
البعد الاجتماعي والسياسي لمشاركة المرأة
واكتسب اهتمام الحزب بالمرأة بعداً اجتماعياً، إذ عمل على انضمام المرأة سعياً منه لتوعيتها وتنظيمها وتدريبها على كيفية التحرر من القيود المتخلفة المفروضة عليها، على الرغم من صعوبة الأمر في البدايات خاصة مع وجود القوالب الاجتماعية المتخلفة الجامدة ضمن مفهوم الأسرة والعائلة وشرفها الذي تم حصره بالمرأة، لكن رغم ذلك، استطاع الحزب الوصول إلى المرأة وإخراجها من معاناتها وفتح الطريق أمامها لكي تُسهم بدورها في بناء المجتمع وتكتمل اللوحة المشرقة العاملة في سياق “الحداثة الديمقراطية” جنباً إلى جنب مع الرجل.
وقد أسس الحزب منظومة المرأة الكردستانية KJK”” التي تعمل على مختلف المجالات المتعلقة بالمرأة حصراً، سواء السياسية، التنظيمية، الثقافية، العسكرية، بالإضافة إلى التدريب الفكري، هذه المنظومة المتكاملة استندت في عملها إلى علم “الجنولوجيا” أي علم المرأة الذي طوره القائد “عبد الله أوجلان”، وأصبح علماً قائماً بذاته ويتم تدريسه في الكليات والجامعات العالمية.
دور المرأة في القيادة الفكرية والسياسية
وتكمن إحدى السمات الرئيسية لحزب العمال الكردستاني في الحضور القوي والفعال للمرأة في الصفوف الأولى القيادية، وقد ظهرت العديد من المناضلات اللواتي تولين مواقع قيادية مهمة ضمن صفوف الحزب والمنظمات الكردستانية الأخرى بما فيها منظومة المجتمع الكردستاني KCK التي تعتمد على نظام الرئاسة المشتركة وتقودها الآن المناضلة “بسة هوزات” إلى جانب المناضل “جميل بايك”.
وجاء تقديم المرأة بوصفها “قائدة” ضمن صفوف حزب العمال الكردستاني كخيار استراتيجي ليتوافق مع الخط الفكري للقائد عبد الله أوجلان حول “ثورة المرأة”، لكنه في الوقت نفسه، جزء من رغبة الحزب في تقديم نفسه كنموذج مختلف عن حركات التحرر في المنطقة، خاصة تلك التي تهيمن فيه أنظمة سلطوية وأعراف تقليدية.
تأثير التجربة على المجتمع الكردي والمنطقة
وترك اهتمام الحزب بالمرأة، أثراً إيجابياً كبيراً داخل المجتمع الكردي، سواء في باكور كردستان “تركيا” أو روج آفا “سوريا”، أو حتى مناطق أخرى، فقد ساعد هذا الخطاب في فتح نقاشات مجتمعية حول أهمية موقع المرأة ودورها، وظهرت منظمات مدنية تستند إلى منهج وفكر القائد عبد الله أوجلان مثل “مؤتمر ستار” KONGRA – STAR التي تعمل من أجل توسيع حقوق المرأة وتوفير بيئة أكثر مساواة، ويعود الفضل في ثورة تحرير المرأة بالدرجة الأولى إلى الحزب وقائده “عبد الله أوجلان” الذي أصبح كلامه حول المرأة شعار تجاوز حدود كردستان والشرق الأوسط، وأصبح شعاراً عالمياً من أجل حرية المرأة وكرامة الإنسانية جمعاء.
فإن شعار “المرأة، الحياة، الحرية، JIN, JIYAN, AZADΔ الذي قاله القائد “عبد الله أوجلان”، أصبح ثورة عارمة في مناطق روجهلات “شرق” كردستان بعد استشهاد الشابة الكردية “جينا أميني” على يد جلاوزة النظام الرجعي، النظام الإيراني فقط بسبب ظهور خصلة من شعرها من تحت العباءة المفروضة على المرأة هناك.
وفي الختام نستطيع القول، إن اهتمام حزب العمال الكردستاني PKK بالمرأة، يشكل جانباً معقداً ومتعدّد المستويات يجمع بين الأيديولوجيا، والسياسة، والتحولات الاجتماعية، وقد نتج عن هذا الاهتمام نموذج فريد من نوعه لمشاركة المرأة في الكفاح السياسي والعسكري واتخاذ القرارات على أعلى المستويات، هذا الحضور الفعال للمرأة ضمن هياكل الحزب جعل العالم يُعيد النظر في رؤيته إلى حركة حرية كردستان التي أعطت المرأة حريتها الكاملة، ويكفينا فخراً أن نذكر بعض الأمثلة على سبيل الذكر وليس الحصر عما قامت به المرأة وتأثيرها حول العالم، من قاد معركة تحرير الرقة من براثن داعش الإرهابي كانت “روجدا فلات” التي كانت تقود أكثر من 30 ألف مقاتل ومقاتلة واستطاعت أن تحرر الرقة، عضوة قيادة وحدات حماية المرأة “نسرين عبد الله” وبرفقتها الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي “آسيا عبد الله”، استقبلهم الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه، وكانت المرة الأولى التي يدخل إليه شخص بالحذاء العسكري منذ أيام نابليون بونابرت، لنكتفي بهذا القدر ونترك لكم التعليق.
No Result
View All Result