No Result
View All Result
ناصر ناصرو
تُعدُّ الاحتجاجات السلمية إحدى الركائز الأساسية لأي مجتمع يسعى للخروج من دوائر التوتر وإعادة بناء حياته العامة على أسس قانونية وسياسية راسخة.
في السياق السوري، حيث تعاقبت موجات العنف والاضطراب لسنوات طويلة، تبرز الحركات المدنية بوصفها مؤشراً مهمّاً على استمرار قدرة المجتمع ـ بكل شعوبه ـ على التعبير عن مطالبه بوسائل حضارية. ويمكن قراءة الحراك الذي شهدته المناطق ذات الغالبية العلوية مؤخراً بوصفه امتداداً لهذا الحق، وليس خروجاً عليه.
إنّ المطالب التي عبّر عنها المحتجون تتسم بطابع مشروع واضح؛ إذ ركّزت في جوهرها على ضرورة الانتقال نحو إدارة سياسية أكثر عدلاً وشفافية، بما يسمح بخلق فضاء وطني قابل للمساءلة وللمشاركة العامة. وقد حملت بعض الشعارات التي رُفعت في تلك التجمعات دلالات سياسية لافتة، من بينها:
«اللامركزية حماية لا تهديد»، «الفيدرالية خيار للاستقرار»، «لن نكون وقوداً لصراعات الآخرين»، وهي شعارات تعكس رغبة فئات من المجتمع في صياغة نموذج إداري يحدّ من استفراد المركز، ويضمن توزيعاً أكثر عدالة للسلطة والموارد، بعيداً عن البنية الأحادية التي عانت منها البلاد عقوداً طويلة.
ولعل النقطة الأكثر حساسية في هذا الحراك تتمثل في محاولات بعض الأطراف استثمار الحدث سياسياً عبر تأجيج البعد الطائفي.
إنّ إعادة تدوير الخطاب الطائفي داخل الوسط السوري وبالأخص في المناطق التي عانت تاريخياً من التوظيف السياسي لهويتها يشكّل خطراً مباشراً على البنية الوطنية الهشة. فالانزلاق نحو خطاب قائم على الانقسام المذهبي يعيد إنتاج الظروف ذاتها التي قادت في مراحل سابقة إلى انتهاكات واسعة، ويفتح الباب أمام دورات جديدة من العنف يصعب احتواؤها.
وعلى هذا الأساس، يكتسب التحذير من تكرار الانتهاكات الماضية أهمية خاصة. فالذاكرة السورية مثقلة بأحداث كان فيها القمع السياسي مقدّمة لانهيارات اجتماعية أعمق. وما لم تُعالج جذور الأزمة من خلال الاعتراف بحق المواطنين في التعبير السلمي، وضمان أمن المحتجين، ومأسسة الحوار بين الدولة والمجتمع، فإن فرص تكرار تلك الأخطاء ستظل قائمة، وربما أكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق.
إنّ الحراك المدني في المناطق العلوية لا يمكن النظر إليه كتهديد لوحدة البلاد، بل كجزءٍ من السيرورة الطبيعية لبناء فضاء سياسي تعددي. وهو حراك يحمل رسالة واضحة مفادها أن المجتمع، مهما بدا صامتاً، يحتفظ دائماً بقدرته على إنتاج خطاب جديد يعبر عن همومه، ويطالب بموقعه في مستقبل البلاد. ومن هنا، يصبح الاعتراف بحق الاحتجاج السلمي، والتعامل الجاد مع المطالب المطروحة، ضرورة سياسية وأخلاقية لضمان عدم انزلاق البلاد مجدداً نحو العنف، ولتهيئة المجال لنمو نموذج وطني قائم على المشاركة، اللامركزية، والعدالة.
No Result
View All Result