عبد الرحمن ربوع
لا يوجد ما هو أقسى من سياسة العقاب الجماعي عبر الحصار سواء في أوقات الحروب أو الاضطرابات الأمنية. إنه عقاب يستهدف الإرادة الإنسانية، وتتأذى منه الفئات الأضعف، سواء الأطفال أو المرضى أو كبار السن أو النساء، إنه حرمان من أبسط الحقوق في التنقل والحصول على المواد الأساسية، إنه شروع واضح بإبادة جماعية بطيئة الوقت شديدة الوطء.
رغم إن الحصار ليس فعلًا جرميًا محددًا رسميًا في القانون الدولي، حيث إنه بحد ذاته أسلوب قانوني للحرب. ومع ذلك، فإن بعض الأفعال المحددة المرتكبة أثناء الحصار يمكن أن تشكل جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية، أو حتى إبادة جماعية، وذلك حسب النية والأدوات والعواقب. وهذا ما قاسى منه الشعب السوري خلال سنوات الثورة والحرب في العديد من المناطق كحلب ودمشق وحمص وإدلب، وكلها جرائم موصوفة موثقة وصدرت فيها عشرات التقارير والبيانات في حينها، وكان أخطرها حصار مضايا والمعضمية والزبداني وداريا ومخيم اليرموك وكفريا والفوعة.. لما أسفرت عنه من وفيات وإصابات جرّاء النقص الحاد في الغذاء والدواء.
وتشمل التصرفات الأساسية أثناء الحصار، والتي يحظرها القانون الإنساني الدولي، والتي قد تؤدي إلى الملاحقة القضائية باعتبارها جرائم حرب؛ تجويع المدنيين، فالحرمان المتعمد من الطعام والماء والدواء جريمة حرب، كذلك عرقلة إمدادات الإغاثة الإنسانية بشكلٍ تعسفي، أيضًا توجيه الهجومات باتجاه مناطق تواجد المدنيين، حيث يُعدُّ استهداف السكان المدنيين عمدًا، بما في ذلك القصف العشوائي لمنطقة محاصرة، جريمة حرب، كذلك استخدام المدنيين كدروعٍ بشرية أو إجبار المدنيين على البقاء ومنعهم من المغادرة رغماً عنهم يُعدُّ انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني يرقى إلى جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. ومع أن البعض توقّع انتهاء هذه الجرائم بانتهاء نظام الأسد وسقوطه، وهروب رئيسه إلى روسيا؛ إلا أن الواقع كان العكس. لترتكب الحكومة الانتقالية منذ وصولها إلى دمشق، وخلال أقل من ثمانية أشهر، مجزرتين مروعتين في الساحل والسويداء لم تشهد سوريا مثيلاً لهما من حيث عدد الضحايا والفترة الزمنية والحيّز الجغرافي. كما اعتمدت سياسة الحصار في عدة مناطق.
فحصار حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب وحصار الجزيرة السوريّة شرقي الفرات عبر قطع المعابر وتجريف الطرق مستمر منذ كانون الأول 2024 حتى اليوم، كذلك حصار المدن والقرى ذات الأغلبية العلوية في اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة مستمر منذ آذار 2025 مع استباحة كاملة انتهاك لكل الحقوق بالقتل والخطف والإهانة واستباحة الأموال والأملاك، وحصار محافظة السويداء مستمر منذ شهر تموز 2025 حتى اليوم.
لمصلحة مَنْ؟
واضح من تواتر التقارير، وتقاطع المعلومات أن هناك عقلًا مدبرًا يُعدُّ السيناريوهات ويطبق لكل المناطق المحاصرة.. وباستقصاء وسبر المصادر أصبحت لدى كثير من السوريين قناعة أن هناك جهات “خارجية” ترسم وتنفذ هذه المخططات العبثية الفوضوية لإثارة الفتنة، والتحريض على حرب شاملة تعيد سوريا إلى أتون الحرب الأهلية، لترسيخ التقسيم، وخلق ذاكرة جماعية مشبعة بالمآسي تجاه الآخر. وتعميق الشروخ في المجتمع السوري إلى درجة لا يمكن ترميمها، وتوسيع الصدوع بين الشعوب حتى لا يمكن رأبها.
هذه الجهات بالتعاون مع أدواتها، والتي أيضًا أصبحت معروفة وواضحة وتصرفاتها واعترافاتها المسجلة موثقة، ترتكب اليوم أخطر جريمة تهدد وجود سوريا ومستقبلها كدولةٍ مستقرة موحدة، وتريد لسوريا أن تصبح “تابعة” أو “لا دولة” أو دولة فاشلة تتحكم فيها مجموعات مرتزقة، ويحكمها أمراء حرب كل ما يهمّهم زيادة أرصدتهم في البنوك الأجنبية، وزيادة ممتلكاتهم ومواردهم واستعباد الشعب ليعمل عندهم بالسخرة، ولن يطول الوقت قبل أن نكشف عن هذه الجهات التابعة والمتبوعة.