No Result
View All Result
لورنس الشعيّر
في سنة 2025، تبدو الخرائط السياسية للشرق الأوسط كأنه يُعاد رسمها كل يوم، وتتحرك بين خطوط النار وخطوط الحوار، بين بقايا حروب منهكة وحلول تتلمّس طريقها عبر أنقاض الماضي. وسط هذا المشهد المزدحم بالتجاذبات الإقليمية والصراعات الداخلية، يبرز الشعب الكردي كقوةٍ فريدة ذات طبيعة مغايرة لما يُراد تصويره غالباً في الخطاب الرسمي لبعض العواصم.
فالكرد، الذين ينتمون إلى واحدة من أقدم الثقافات في المنطقة، لا يحملون مشروع حرب، بل مشروع بقاء وسلام، وعلى خلاف أساطير سياسية مُتوارثة عن “الخطر الكردي”، يكشف سلوكهم السياسي والاجتماعي عبر العقود، وصولاً إلى عام 2025، أنهم لم يكونوا يوماً طلاب حرب، بل طلاب اعتراف وشراكة وحقوق أساسية، كما هو حق أي شعب في هذا العالم.
هذه الدراسة لا تهدف إلى خلق صورةً مثالية للكرد، ولا إلى بناء دعاية، بل إلى قراءة موقعهم اليوم استناداً إلى الوقائع والمواقف والأحداث كما تجسدت خلال السنوات الماضية، وخاصةً مع التطورات الأخيرة المتصلة بمنتدى السلام والأمن في الشرق الأوسط (MEPS 2025) وانعكاساته على مسار الحوار السوري ومستقبل اللامركزية.
سوريا بعد خمسة عشر عاماً: خرائط الدم تتراجع أمام ضرورة الحوار
يتحدث القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، في منتدى MEPS 2025 في دهوك، بنبرة رجل يعرف تماماً ثمن الحرب، ويؤمن أن تاريخ سوريا لم يعد يحتمل مزيداً من الفصول السوداء.
لم يقدّم عبدي خطاباً دعائياً، ولم يتحدث من موقع المنتصر العسكري، بل من موقع طرف عاش الحرب على أرضه، وقدّم آلاف الشهداء في مواجهة تنظيمات إرهابية، وتحمّل عبء حماية مناطق شاسعة فيما كانت الدولة السوريّة تتآكل من داخلها.
قال عبدي جملة تُعتبر اليوم مفتاحاً لفهم اللحظة السوريّة: “سوريا وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها للحرب مكان، والحوار هو السبيل الوحيد لإنهاء الصراع”.
هذه ليست مجرد دعوة سياسية؛ إنها اعتراف متأخر لكنه ضروري، بأن كل المحاولات لفرض حل بالقوة فشلت فشلاً ذريعاً. كل طرف خسر، وكل منطقة تشظّت، وكل السوريين بلا استثناء دفعوا ثمناً جحيماً، وفي قلب هذه الحقيقة، تتموضع رؤية الكرد للحل السوري: لا مركزية، اعتراف دستوري بالحقوق، ضمانات للحوار، وتأكيد أن مستقبل سوريا لا يُكتب من جهة واحدة.
اتفاق 10 آذار… لحظة مفصليّة تمنع الانهيار الكامل
يُعدّ اتفاق العاشر من آذار بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية لحظة سياسية فارقة في تاريخ سوريا الحديث. أغلق الاتفاق الباب أمام احتمال انزلاق البلاد إلى حربٍ أهلية واضحة المعالم، وفتح لأول مرة نقاشاً دستورياً عن حقوق الشعوب السوريّة المختلفة، وعلى رأسها الشعب الكردي.
يُقدّم عبدي في MEPS 2025 توضيحاً مهماً: “الاتفاق ليس نصاً مثالياً، ولا حلاً سحرياً، لكنه “منعطف” أوقف التدهور، وسمح بفتح باب التفاوض حول ملفات جوهرية مثل الإدارة واللامركزية وإعادة توزيع السلطات”.
لكن الطريق ليس سهلاً. يشير عبدي بوضوح إلى العقبات التي تراوح أمام تنفيذ الاتفاق: “انعدام الثقة بين الطرفين، المخاوف المتزايدة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، الضغط المستمر على المناطق الكردية في عفرين وكري سبي/ تل أبيض وسري كانيه، وعدم توفر ضمانات لعودة المهجرين إلى ديارهم”.
ورغم كل ذلك، تظهر في خطاب عبدي لغة تعكس الثقة بإمكانية إنجاح الاتفاق: “الإرادة السياسية موجودة في شمال وشرق سوريا، ونطالب الحكومة الانتقالية بخطوات مماثلة، والدول الإقليمية بدعم مسار السلام بدل خنقه”.
هذه ليست لغة طرف يريد الحرب، بل لغة من يعرف أن السلام بحاجة لأكثر من نيات حسنة، يحتاج إلى أفعال متبادلة.
رسائل الكُرد إلى تركيا: الأمن لا يصنعه الخوف
من بين أكثر النقاط حساسية في خطاب عبدي رسالته المباشرة إلى تركيا: “نطالب جارتنا تركيا ألا ترى في مؤسساتنا العسكرية والإدارية والأمنية تهديداً للسلام والأمن”.
هذه الجملة تبدو في ظاهرها دعوة سياسية، لكنها في عمقها بمثابة محاولة لوقف دائرة سوء الفهم المزمنة بين الطرفين منذ سنوات طويلة.
تركيا، من جهتها، ترى أن أي قوة كردية مسلحة خطر مباشر. الكرد في سوريا يرون أنهم قوة دفاعية لا تتجاوز حدودهم، وهدفها حماية مناطقهم من داعش والميليشيات والفوضى.
وبين هذين الموقفين المتنافرين، يقف ملايين المدنيين في شمال سوريا عالقين بين جغرافيا سياسية لا ترحم. فرسالة الكُرد إلى تركيا هي محاولة لفتح نافذة صغيرة، ربما تكون باباً لاحقاً لتفاهمات أكثر عقلانية.
دمج قوات سوريا الديمقراطية… نحو جيش سوري جديد متعدد الشعوب
واحدة من الإشكالات البنيوية في الدولة السورية الحديثة كانت دائماً احتكار القرار الأمني والعسكري بيد مركز واحد. يؤكد عبدي في كلمته إن “السلطة في سوريا يجب أن تكون لا مركزية”، وأن حلاً مستداماً يتطلب إعادة تشكيل الجيش بطريقة تراعي واقع المجتمع السوري المتنوع.
يتحدث أيضاً عن دراسة دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري، في خطوةٍ لو تمت بشكلٍ سليم ستكون الأولى من نوعها في تاريخ سوريا، حيث الجيش لطالما كان مؤسسة احتكارية.
هذه الرؤية لا تمثل مجرد إجراء تقني؛ إنها تفكيك جذري للفكرة القديمة عن “الدولة المركزية” التي حكمت سوريا منذ ستينات القرن الماضي. فجيش متعدد الشعوب قد يمهد لأول مرة لبناء ثقة بين الأطراف، ويمنع تكرار دورات العنف والانقلابات والاحتكار الأمني.
MEPS 2025… المنتدى الذي جمع سوريا والعراق وكردستان والساحة الدولية
اختتم منتدى السلام والأمن في الشرق الأوسط أعماله في دهوك بمشاركة عراقية وكردية ودولية واسعة، لكن خصوصيته الكبرى جاءت من حضور شخصيات محورية في الملف السوري، وعلى رأسها القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية للإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا إلهام أحمد، ما جعل المنتدى مساحة سياسية غير مسبوقة.
على المنصة السوريّة، لم يكن الحديث عن “مظلومية” فقط، بل عن رؤية سياسية متكاملة:
دستور جديد، شراكة سياسية حقيقية، إنهاء العقلية الإقصائية، إصلاح التعليم، تمكين المرأة، وإعلام يساهم في إنتاج الأمن بدلاً من التحريض.
كانت مداخلة إلهام أحمد واضحة في تفكيك جذور الأزمة السوريّة:
العقلية التي حكمت البلاد لعقود، ذاتها التي أنتجت صراعات قومية وطائفية في المنطقة.
كل ما حدث بعد 2011 لم يكن سوى انفجار لخزان تمييز تراكم عبر عقود طويلة.
تقدمت الهام أحمد بفكرة لافتة: “لا يمكن لعملية سياسية أن تنجح دون إصلاح ثقافي وتعليمي، ولا دون إعلام يعزز التعددية”.
هذه المقاربة تتجاوز الحلول السياسية السطحية، وتدخل مباشرةً في عمق المشكلات البنيوية للدولة والمجتمع.
الكُرد كوكلاء سلام… خيار ثقافي قبل أن يكون سياسياً
حين يُقال إن الكرد “شعب سلام”، فالمقصود ليس شعاراً رومانسياً؛ بل قراءة تاريخية واجتماعية. هذا الشعب، الممتد في جغرافيته عبر تركيا وسوريا والعراق وإيران، عاش قروناً من التهميش دون أن ينتج مشروعاً توسعياً أو إقصائياً.
في العراق، وبعد عقود من الصراع، أصبح الكرد جزءاً مؤسساً من الدولة الحديثة، وقدموا واحدة من أكثر التجارب الديمقراطية في المنطقة. وفي سوريا، ورغم الحرب، حافظت الإدارة الذاتية على نموذج حكم محلي غير مسبوق في تاريخ المنطقة:
تمثيل نسائي واسع، مجالس أحياء، اقتصاد مجتمعي، وتعدديات قومية ودينية داخل المؤسسة الواحدة.
والأهم: لم تُعرض الإدارة الذاتية مشروع انفصال، رغم امتلاكها القدرة العسكرية والسياسية على إعلان ذلك في 2016 أو 2017.
هذه النقطة، بحد ذاتها، تثبت أن الكرد اختاروا السلام إطاراً، والوجود ضمن خرائط الدول شرطاً، بشرط أن تكون دولاً عادلة.
قضيّة المهجّرين… الجرح الذي لا يمكن دفنه
تصرُّ القوى الكردية على أن عودة مهجري عفرين وكري سبي/ تل أبيض وسري كانيه ليست قضية سياسية فحسب، بل قضية أخلاقية وإنسانية، وجزء لا يتجزأ من أي مفاوضات مع دمشق أو أنقرة أو أي طرف دولي. لا يمكن وصف شعب بأنه “قوة سلام” وهو يتخلى عن أبنائه. ولا يمكن أن تصمد أي عملية سياسية في سوريا دون حل مشكلة التغيير الديموغرافي الممنهج في الشمال.
هذا الملف وحده قادر على نسف أي اتفاق، أو إنجاحه.
دور الكُرد في إعادة إعمار سوريا… مساهمة لا غنى عنها
في لحظة الخراب الإقليمي الكبرى، يطرح مظلوم عبدي رؤية ذات بُعد مستقبلي:
مشاركة الكرد من جنوب كردستان وشمال كردستان ومن المهجر في إعادة إعمار سوريا.
هذا الطرح يتجاوز فكرة “إعادة بناء جدران”، إلى إعادة بناء مجتمع كامل، ساهم فيه الكرد بدمائهم في مواجهة داعش، وبإدارتهم المدنية التي أثبتت أن الحكم المحلي ممكن حتى في أصعب الظروف.
إعادة الإعمار ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل مشروع لإعادة بناء الثقة. والكرد، وفق رؤية عبدي، يجب أن يكونوا جزءاً من هذا المشروع لأنه مشروعهم أيضاً، لا مشروع طرف آخر.
العراق… الشريك الجغرافي الذي يحمل تجربته الخاصة
لم يكن المنتدى مجرد مساحة للحوار السوري، بل كان أيضاً ساحة لطرح مستقبل العلاقة بين بغداد وهولير.
الكرد في العراق يقدمون نموذجاً مهماً لفهم دور الكرد في المنطقة:
شعب قادر على بناء إقليم ديمقراطي نسبي، قادر على إدارة موارده، وعلى المشاركة في بناء الدولة الاتحادية.
تؤكد تصريحات مسعود البارزاني ومحمد شياع السوداني ومسرور البارزاني أن العراق يقف اليوم أمام لحظة مفصلية:
إما الشراكة، أو الانقسام.
وهذه الرسالة تعكس طبيعة الدور الكردي: ليسوا طرفاً يريد تفكيك العراق، بل طرفاً يريد تطبيق الدستور والعيش فيه بكرامة.
ختاماً: الكُرد… قوة توازن لا قوة تهديد
حين تُقرأ كل هذه الوقائع مجتمعة، تتضح الصورة بأكملها:
الكرد ليسوا مشروع حرب، ولا تهديداً إقليمياً، ولا عامل تفكك للدول.
هم قوة توازن، قوة سلام، وقوة حوار، في منطقة أنهكتها الأساطير القوموية والمخاوف الأمنية والصراعات العابرة للأجيال.
في سوريا، يمدّون يدهم للحوار.
في تركيا، يطلبون مساحة سياسية بلا قمع.
في العراق، يطالبون بالدستور لا أكثر.
وفي إيران يطالبون بسلام مجتمعي وحوار راقي بين الثقافات.
وفي المنطقة كلها، يقدمون نموذج حكم محلي ديمقراطي لا يهدف إلى الانفصال، بل إلى الاعتراف.
في نهاية المطاف، لا نحاول كتابة تاريخ جديد، بل قراءة ما يحدث أمام أعين العالم اليوم:
الكرد يثبتون أن السلام ليس ضعفاً، وأن الاعتراف ليس خطراً، وأن الشعوب التي تُحاصَر لعقود لا تحتاج إلا نافذة واحدة للتحول إلى قوة بناء.
إن مستقبل الشرق الأوسط قد لا يُكتب في العواصم القوية فقط، بل في المناطق التي عرفت الحرب بأقسى أشكالها وقررت أنها لن تمنحها فرصةً ثانيةً. والكرد، كما يظهر في سنة 2025، جزء أساسي من هذا المستقبل، وقوة لا يمكن تجاوزها في معادلة الاستقرار الإقليمي.
No Result
View All Result