No Result
View All Result
حمزة حرب
شكّل سقوط النظام السوريّ بداية مرحلة حرجة من تاريخ سوريا، تواجه فيه الحكومةَ الانتقاليّة تحدياتٍ كبيرةٍ على رأسها إعادة هيكلة الدولة وتثبيت الاستقرار وبناء جسور الثقة مع المجتمع، وعلقت آمال السوريين على هذه الركائز إلا أنّ الفشل الذريع الذي تبع سقوط النظام في ملفاتٍ عدة على رأسها ملفا الساحل والسويداء بددا آمال السوريين وأثار مخاوفهم من عدم قدرةِ هذه الحكومة على قيادة المرحلة جدّياً، ليمر عام تقريباً على إسقاط النظام دون تحقيق ما هو مأمول.
جاء اتفاق العاشر من آذار بوصفه أحد أهم التفاهمات السياسيّة التي يُفترض أن يؤسسَ لمرحلةٍ جديدةٍ من الشراكة ودمج القوى الفاعلة وفتح الطريق نحو إعادة البناء السياسيّ والأمنيّ، وتأسيس نظام تعدديّ، وكان نقطة الضوء بنهاية نفق الأزمة السوريّة فاستبشر بها السوريون، وانتعشت آمالهم المحطمة في إمكانية بناء وطنٍ يتسع لجميع أبنائه، ولكن بقي الاتفاق معلقاً تتنصل الحكومة من تطبيق بنوده تحت تأثير مصالح إقليميّة ودوليّة ما زاد المعاناة وعمّق الشرخ، ليشكل ذلك فشلاً ذريعاً للحكومة الانتقاليّة بإدارة الملفات الداخليّة الحساسة.
سياق سياسيّ معرقل
بعدما غرقت الحكومة الانتقاليّة بانتهاكات جسيمة وخاصة مجازر الساحل السوريّ؛ كان لا بد لها من مخرجٍ سياسيّ يثبت للمجتمع الدوليّ الذي يراقب عن كثبٍ سلوكياتها، فجاء اتفاق العاشر من آذار الذي كان عبارة عن مسار تفاوضيّ مسبق بين الحكومة الانتقاليّة في دمشق والإدارة الذاتيّة وقسد في شمال وشرق سوريا ليكون أساساً لحقن دماء السوريين وعصب بناء سوريا الجديدة.
حيث تشكل اتفاق آذار في ظل بيئةٍ سياسيّةٍ وأمنية شديدة التعقيد فبعد سقوط النظام برزت عدة مجموعات عسكرية ومجالس محلية وتكتلات سياسيّة كلٌّ منها يسعى لفرض حضوره وتمثيل مصالحه أما القوى الإقليميّة والدوليّة فحاولت بدورها الدفع باتجاه ترتيبات تضمن مصالحها وتمنع الانهيار الكامل لكن هذا الدور لم يكن بأي شكل من الأشكال لصالح الشعب السوريّ بل بحثاً لتكريس حضورٍ إقليميّ يحفظ ويضمن المصالح المتباينة.
اتفاق آذار جاء لتقليص هيمنة الحكومة الانتقاليّة وإنهاء استئثارها بالسلطة عبر إشراك كلّ الأطراف السوريّة في إدارة البلاد على أساس عقدٍ اجتماعيّ ينظم العلاقة بين الشعوب السوريّة، التي تباعدت روابطها نتاج حرب الـ 14 عاما التي أتت على كل ما من شأنه الحفاظ على وحدة البلاد أرضاً وشعباً، فالاتفاق علقت عليه آمال عديدة ليكون طوق النجاة الذي سينتشل البلاد من الانهيار بينما رأت فيه الحكومة ضرورة آنية لكسب الشرعيّة وتوسيع قاعدة المشاركة.
منذ لحظة إعلان اتفاق العاشر من آذار بدا واضحاً أنّه ليس مجرد وثيقة سياسيّة عابرة، بل نقطة تحول مفصليّة في المشهد السوريّ الانتقاليّ، فالاتفاق لم يكن وليد فراغ، ولم يصدر بوصفه حلاً إسعافيّاً لمشكلة آنية، بل جاء نتيجة مخاض طويل من التوترات والتجاذبات، ومحاولات متكررة لبناء أرضيّة مشتركة تضمن الحد الأدنى من التوافق بين دمشق وشمال وشرق سوريا لبناء سوريا والحفاظ على وحدتها بعد سقوط النظام.
لا تكمن أهميّة تطبيق الاتفاق في بنوده فقط بل في الدور البنَّاء، الذي كان سيؤديه لو تم التعامل معه بوصفه عقداً تأسيسيّاً للمرحلةِ الانتقاليّةِ، فأول ما يمنح الاتفاق أهميّة، أنه يمثّل إطاراً عاماً لإعادة بناءِ الدولة بعد عقود من الاستبداد وسنوات من العنف والانقسام.
تحديات وتطلعات
تعاني الدول الخارجة من صراعاتٍ مديدةٍ غالباً فراغاً مؤسساتيّاً يصعُب ملؤه بمجرد تشكيل حكومة انتقاليّة، ولذلك تصبح الحاجة ملحّة إلى وثيقة تنظّم طبيعةَ السلطة وتوزيعها وترسم حدودَ القرار كيلا تتحول المرحلة الانتقاليّة إلى إعادة إنتاج لمركزيّة خانقة أو صراع بين مراكز متنافسة.
في هذا السياق بالذات كان اتفاق العاشر من آذار محاولة حقيقيّة لمنع أيّ جهة من احتكار القرار السياسيّ أو الأمني، وتأسيس قاعدة واسعة من المشاركة، التي تُشعر مختلف الأطراف بأنّ المرحلة ليست غنيمة بقدر ما هي مسؤولية مشتركة، وجاء الاتفاق إطاراً محدداً لحقن دماء السوريين وأول بنوده “وقف إطلاق النار على كامل الجغرافيا السوريّة”.
من الناحية الأمنيّة يحمل الاتفاق وزناً مضاعفاً؛ لأنّه يتعامل مع المسألة الأكثر حسّاسية في سوريا الجديدة ليكون مساراً واضحاً للجميع يؤكّد أنّ استمرار الفصائليّة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التناحر وتعدد المرجعيات الأمنيّة، بينما يمثل الدمج الطوعيّ والعادل لقوات سوريا الديمقراطيّة التي ستشكل نواة البنية الموحّدة للجيش خطوة حاسمة نحو منع الانفجار الداخليّ.
وتتجاوز أهمية الاتفاق مجرد الدمج التنظيميّ للقوى، فهو يمهّد ولادة مؤسسة عسكريّة وطنيّة قادرة على تجاوز الولاءات الضيّقة، وإعادة تعريف وظيفة السلاح بوصفه أداةً لحمايةِ المجتمع لا لتغليبِ طرفٍ على آخر، وبذلك؛ فإنّ تطبيقه كان يمثل ضمانة مباشرة لعدم تحوّل البلاد إلى ساحة مواجهات بين قوى متنافسة على النفوذ.
سياسيّاً تبرز أهمية الاتفاق بأنه يضمن مشاركة حقيقيّة للأطراف في صياغة السياسات الكبرى للمرحلة الانتقاليّة والتأسيس لدولة تمثل السوريين دون إلغاء دور أو حق أيّ سوريّ مهما كان توجهه الوطنيّ ما يخفّف الشعورَ بالتهديد لدى القوى السياسيّة، ويمنع تكرار تجربة الإقصاء التي ترافق عادة الفترات الانتقاليّة في دول مضطربة.
وسيمنح وجودُ آليات مشتركة لإعطاء قرار الحكومةَ الانتقاليّة شرعيّة مضاعفة، لأنّها تتحرك ضمن توافق وطنيّ، وليس ضمن رؤية أحادية تفرضها موازين القوى المؤقتة وكان من المتوقع أن يؤدي الالتزام بالاتفاق إلى بناء ثقافة سياسيّة جديدة قائمة على التشاور والمحاسبة تعيد للمجتمع ثقته بالعمل العام.
اقتصاديّاً يضع الاتفاق حداً لحالة الفوضى، التي يمكن أن ترافق إدارة الموارد في مرحلة حساسة مثل هذه المرحلة فغياب آليات واضحة لتوزيع الموارد، وخاصة عائدات المعابر والمشاريع المحليّة والنفط، كان سيقود حتماً إلى صراع اقتصاديّ موازٍ للصراعِ السياسيّ بينما يمنح الاتفاق إطاراً لإدارة مشتركة وشفافة تمنع الاحتكار والفساد، وتفتح الباب أمام بيئة استثماريّة مستقرة يستطيع من خلالها المجتمع المحليّ والداعمون الدوليّون العمل بثقة أكبر.
كما أن الاتفاق كان سيمهد إلى لامركزيّة في صنع القرار، وهو ما كان سيمكن المجالس المحلية في إطار الاتفاق من تعزيز التنمية المتوازية، ويمنح المناطق قدرة أكبر على إدارة شؤونها بعيداً عن المركزيّة، التي لطالما أثقلت البلاد لعقود وشكلت طوقاً التف على رقاب السوريين، وساهم في تدمير البلاد بكل مناحيها.
اجتماعيّاً يُوصفُ الاتفاق على أنّه أحد أهم دعامات إعادة الثقة المفقودة بين المجتمع والسلطة خصوصاً بعد أحداث الساحل الدمويّة، فقد عانى المواطن السوريّ من انعدام الثقة بالمؤسسة الحاكمة على مدى سنوات طويلة، ووجد نفسه أمام أشكال جديدة من الهيمنة في فترة ما بعد النظام، ولذلك جاء الاتفاق ليبعث رسالة، أنّ المرحلة الانتقاليّة ليست مشروعاً لإعادة إنتاج الماضي بل بداية لتأسيس نظام يقوم على احترام التنوع، وضمان الحقوق والحد من الانتهاكات وقد كان من المتوقع أن يسهم تنفيذه في تخفيف الاحتقان الأهليّ، وتعزيز الشعور بالأمان، ووضع أسس واضحة للعدالة الانتقاليّة التي تعد حجر الزاوية لأيّ مصالحة وطنيّة مستقبليّة.
كانت المصالح الخارجيّة من أبرز التحديات، التي واجهت الاتفاق، ولهذا لم يكن مستغرَباً أن يتحولَ الاتفاق إلى ساحة صراع إقليميّ غير معلن، تتداخل فيه حسابات الدول المجاورة وتصوراتها حول مستقبل الخريطةِ السوريّة، فمنذ البداية كانت تركيا الأكثر حساسيّة تجاه الاتفاق إذ رأت في أيّ صيغة تفاهمٍ بين الحكومة الانتقاليّة وقسد تهديداً مباشراً لمشروعها التوسعيّ في سوريا، فأنقرة تدرك أن إعادةَ دمج الإدارة الذاتيّة في البنية السياسيّة السوريّة يعني تقويض الأساس الذي قامت عليه اعتداءاتها السابقة، واحتلالها مدناً واسعة من سوريا بدءاً من جرابلس وعفرين ووصولاً لسري كانيه وكري سبي.
ظهرتِ المخاوف في تصاعد الخطاب التركيّ الذي اعتبر الاتفاق جزءاً من مشروع يشجّع على تعزيز دور قسد، وهو أمر يتعارضُ مع الرؤية التركيّة الاحتلاليّة والتوسعيّة ما انعكس في سلسلة تحركات عسكريّة على الأرض من خلال إشعال الجبهاتِ في سد تشرين ومحيط منبج ودير حافر وحيي الشيخ مقصود والأشرفيّة، وريف الرقة للضغط على مجموعات منضوية في وزارة الدفاع لكنها موالية لأنقرة لإبداء رفض صريح للاتفاق، الأمر الذي أدّى إلى خلقِ بيئةٍ متوترة حالت دون انتقالِ التفاهماتِ من الورقِ إلى التنفيذِ الفعليّ.
يمثلُ الاتفاقُ تحصيناً لحالة السلام ومانعاً لاحتمال انزلاق البلاد إلى أيّ صراعٍ نفوذٍ، ليس بين الحكومة الانتقاليّة وقسد وحسب، بل في عموم سوريا، ويضع الحدّ لأيّ توترات من شأنها إحداث فجوة لا يمكن ردمها، كما ينظم العلاقة بين الفاعلين الحقيقيّين على الأرض ويقدّم إطاراً يضمن ترابط المناطق ببعضها، ويحمي البلاد من الانقسام أو نشوء نماذج حكم متضاربة تدخل البلاد مرحلة طويلة من التشظي.
آمال معلقة
الفترات الانتقاليّة بطبيعتها عرضة للمفاجآت السياسيّة والمخاطر، وكلما كانتِ القواعد الناظمة واضحة، انخفضت احتمالات الانقلاب عليها أو تفريغها من مضمونها، وقد كان اتفاق العاشر من آذار قاعدة يمكن البناء عليها لتأسيس عملية انتقال سياسيّ مستقرة، تحمي البلاد من الفوضى وتضمن انتقالاً سلساً نحو نظامٍ يحقق تطلعات السوريين، وهو ما عوّل عليه المجتمع الدوليّ الذي يتمسك إلى الآن بضرورة تطبيقه.
فالاتفاق يمثل الخط الفاصل بين مسارين، الأول إذا طبق يعاد بناء الدولة وتنظيم السلطة على أسس جديدة، وإن لم يطبق يعيد سوريا إلى دائرة الانقسامات والصراع على النفوذ، ومن هنا تصبح أهمية الاتفاق ليست في تفاصيله فحسب، بل في قيمته الفعليّة، بوصفه وثيقة تعكس إمكانيّة صياغة عقد اجتماعيّ جديد، يستند للشراكة والتوازن والالتزام، بدل الهيمنة والإقصاء.
والالتزام بالاتفاق يعني توزيع السلطة مع قوى سياسيّة وطنيّة، ويبدو أنّ ذلك يناقض طموحَ الحكومة، التي تسعى لتثبيت نفسها كمرجعيّة وحيدة خلال المرحلة الانتقاليّة، خصوصاً وأنّ بعض القوى الداعمة للحكومة فضّلت نموذجاً مركزيّاً أكثر صلابة، خشية من أن يؤدي إلى انتزاع السلطة من قبضتها. فرغم سقوط النظام، بقيت سوريا قابعة تحت الهياكل الإداريّة المتأثرة بالعقليّة المركزيّة، وعملت على إعاقة أيّ إصلاحات جذريّة أو شراكات جديدة علاوة على أنّ الفريق الحكوميّ لم يكن موحّداً فجناح يؤيد الاتفاق سبيلاً للشرعيّة، وآخر يرى فيه تهديداً للهيمنة، ما تسبب بارتباك في التوجهات. غير أنّ رفض الحكومة الانتقاليّة تنفيذ بنود الاتفاق وبعبارة أدقّ التنصّل التدريجي أثار موجة واسعة من الانتقادات، وخلّف حالة توتر بين القوى السياسيّة والعسكريّة والاجتماعيّة التي اعتبرت الاتفاق ضمانة لعدم انفراد سلطة انتقاليّة بالحكم، وهو ما وضع البلاد أمام منعطف خطير قد يحدد شكلَ المرحلة الانتقاليّة بأكملها.
ومع أنّ الأطراف الإقليميّة نجحت حتى الآن في إبطاء تنفيذ الاتفاق إلا أنّ الحاجة إليه ما تزال قائمة، وربما تزداد مع الوقت فالساحة السوريّة لم تعد تحتمل المزيد من الانقسام ولا مجالات النفوذ المتداخلة، غير أنّ الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب أولاً كسر الحلقة التي تربط القرار الوطنيّ بالإرادةِ الإقليميّة، وهو تحدٍّ لا يبدو أنّه سيتحقق قريباً في ظل استمرار التشظّي الداخليّ وتنافس القوى الخارجيّة على صياغة مستقبل البلاد.
ورغم كل ذلك لم يفقدِ الاتفاق قيمته، بل ربما تحوّل إلى دليل على ما يمكن أن تفعله الإرادة الوطنيّة، عندما تتجاوز ضغوط الإقليم، وتعملُ على إعادةِ توحيد الجغرافيا السوريّة على أسس جديدة، فمستقبل الاتفاق سيعتمد على قدرة الأطراف السوريّة على انتزاع مساحة أوسع من الاستقلال السياسيّ، والتعامل مع القوى الإقليميّة بمنطق المصالح المتبادلة لا التبعيّة، وحتى تحقق هذه اللحظة، سيظل اتفاق العاشر من آذار معيار الفرز بين من يعملون على وحدة سوريا، ومن يريدونها ساحةَ نفوذٍ لدول إقليميّة.
والاتفاق فرصة لخلق نموذج حكم تشاركيّ يضمن عدم تكرار الاستبداد، لكن استثناءه من التطبيق يهدد التجربة الانتقاليّة من جذورها، التحدي اليوم يكمن في قدرة الفاعلين السوريين على فرض صيغة جديدة تحفظ التوازن، وتمنع العودة إلى المركزيّة المفرطة، وتعيد الاعتبار للمشاركة السياسيّة. فالانتقال السياسيّ لا يتحقق بالبياناتِ والخطاباتِ، بل بالالتزام الحقيقيّ بالتفاهمات وإعادة بناء الثقة التي بدأت تتآكل بسرعة، فالأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت الحكومة الانتقاليّة ستتجه نحو احتواء الأزمة أم تعميقها لأن الأطراف الموقعة على الاتفاق، أجمعت على استئناف الجلسات الحواريّة سعياً لتطبيق بنوده، وهو ما سيحدد مستقبل سوريا لسنوات طويلة قادمة.
No Result
View All Result