No Result
View All Result
تشهد سوريا اليوم أزمة اقتصادية خانقة تتفاقم مع حالة الفوضى والانفلات الأمني، وغياب أيّ استراتيجية اقتصادية مدروسة لدى الحكومة الانتقالية، التي ما تزال تفتقر إلى رؤية واضحة ومتكاملة، ويمكن القول إنّ المشهد الاقتصادي يعتريه قدراً كبيراً من الضبابية والغموض، وإنّ المشاريع التي تُعلن عنها الحكومة عبر وسائل الإعلام لا تزال مجرّد شعارات تُسوَّق يومياً، فتبيع الأوهام لشعب فقد الأمل بعد الانهيار الكامل للاقتصاد السوري. وعلى الرغم من توقيع السلطة في دمشق سلسلة من الاتفاقات الاقتصادية الضخمة مع عدد من الدول في محاولة لتعزيز حضورها في الداخل وكسر عزلتها السياسية والاقتصادية، إلا أنّ أيّ أثر ملموس لم يظهر حتى الآن على أرض الواقع، ولم تُسجَّل أيّ حركة حقيقية للاستثمارات نحو بلد أنهكته الحرب لسنوات، وبات شعبه يعاني من فقدان أبسط مقومات الحياة.
ففي شهر آب المنصرم، وقّعت الحكومة الانتقالية مذكّرات تفاهم استثمارية مع عدد من الشركات الدولية بقيمة تقدَّر بنحو 14 مليار دولار، تشمل تنفيذ 12 مشروعًا استراتيجيًا في مجالات البنية التحتية والنقل والتطوير العقاري. غير أنّ هذه الاتفاقات، بالنسبة إلى الشعب السوري الذي يكاد يموت جوعًا، تبدو فارغة المضمون، أقرب إلى مراسم بروتوكولية يراد منها إعادة الهيبة أكثر مما يُراد منها انتشال الاقتصاد من انهياره.
كما أعلنت السعودية، خلال منتدى الاستثمار السوري ـ السعودي الذي عُقد في دمشق في تموز الماضي، عزمها استثمار ست مليارات دولار في سوريا، وإلى جانب هذه الاتفاقات المعلَنة، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية تعليق العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر، مشيرةً إلى أنّ العقوبات الشاملة لم تعد مفروضة، ورغم ذلك، ما زال المشهد الاقتصادي كارثياً، خاصةً بعد رحيل رئيس النظام السابق الذي نهب مليارات الدولارات على مدى سنوات حكمه.
وفي خضم هذا الانهيار، أقدمت الحكومة الحالية على رفع أسعار الكهرباء والاتصالات، ما فاقم الغضب الشعبي، ولا سيما أنّ معظم السوريين يعيشون على رواتب حكومية لا تكفي أسبوعاً واحداً. فالأسعار المرتفعة، وغياب الرقابة الحقيقية، واستغلال التجار المقرّبين من السلطة ـ الذين يرون في هذه الظروف فرصة للربح على حساب الطبقات الفقيرة- كلّها عوامل عمّقت الأزمة المعيشية.
أما المسؤولون، فيواصلون الاستفادة من الموارد الاقتصادية كما كان الحال في عهد النظام السابق، في حين يعجز المواطن عن تأمين قوت يومه. وفي سوريا المثقلة بالتحديات، لا تبدو الاتفاقات والاستثمارات المعلنة قادرة على إنقاذ الناس من المستنقع الذي غرقوا فيه، ولا تبدو حكومة أحمد الشرع، في ظل ذهنيتها الإقصائية والأحادية الجهادية، قادرة على توفير حياة كريمة للسوريين أو حماية جميع مكوّنات المجتمع.
وهكذا، يقف السوريون اليوم أمام اقتصاد هشّ تتقاذفه الارتجاليات والقرارات غير المدروسة، فيما تستمر السلطة في إنتاج الوعود من دون أن تلامس واقع الناس القاسي. وبين اتفاقات تُعلَن على الورق، واستثمارات لا تجد طريقها إلى التنفيذ، يظلّ الاقتصاد السوري عالقًا في نفقٍ مظلم لا مخرج له في المدى المنظور. وفي غياب رؤية وطنية جامعة وسياسات اقتصادية عقلانية، يبقى السوريون وحدهم يتحمّلون تبعات الانهيار، ينتظرون بوادر أمل حقيقية تُعيد لهذا البلد قدرته على النهوض من جديد.
No Result
View All Result