No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
شهدت سوريا في الفترة الأخيرة تحولات جوهرية أفرزت حاجة ملحّة إلى سلطة انتقالية تتولى قيادة البلاد نحو الاستقرار السياسي والاجتماعي. غير أن هذه الحكومة، التي نشأت في ظروفٍ استثنائية وتحت وطأة ضغوط دولية وإقليمية، سرعان ما واجهت تحديات بنيوية ووظيفية عميقة، أضعفت قدرتها على التماسك والاستمرار، وأثارت شكوكاً حول جدوى وجودها. ويعود ذلك إلى افتقارها لمشروع سياسي واجتماعي سوري حقيقي يعكس تطلعات الشعب ويستجيب لمتطلبات المرحلة.
فبين هشاشة الداخل وتضارب الخارج، وبين غياب الشرعية المجتمعية وتراجع الفاعلية المؤسساتية، تبدو الحكومة الانتقالية اليوم عاجزة عن بلورة نموذج حكم قابل للحياة، أو حتى الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك السياسي. وفي هذا النص نحاول قراءة أسباب التعثر من خلال تفكيك البنية الداخلية لهذه الحكومة، وتحليل حدود التأثير الخارجي في صياغة مشهدها، واستشراف آفاق المرحلة المقبلة في ضوء التحولات المجتمعية المتسارعة.
إخفاق التجارب التأسيسية ومحاولات هندسة الحكومة
خلال الفترة الماضية برزت محاولات متعددة لبناء إطار سياسي بديل بعد سقوط النظام البعثي، بدءاً من المؤتمرات الرمزية ذات الطابع التعبوي، مثل “مؤتمر النصر”، مروراً بصياغات دستورية (الإعلان الدستوري) مؤقتة لم تكتسب قوة الإلزام المجتمعي، وصولاً إلى تشكيل (مجالس تشريعية كمجلس الشعب وتنفيذية كالحكومة) لم تنجح في ترسيخ شرعية حقيقية.
تُظهر هذه التجارب أن عملية “الهندسة السياسية من الأعلى” لم تُفلح في إنتاج سلطة انتقالية متماسكة، لأنّها اعتمدت في كثير من الأحيان على شخصيات ذات طابع انتهازي أو سلطوي، تعاملت مع موقعها بأدوات السيطرة أكثر مما تعاملت معه كمسؤولية لبناء مؤسسات مستقرة.
محدودية المقاربة السلطوية وغياب فهم البنية المجتمعية
يُلاحظ أن العديد من الفاعلين داخل الإدارة الانتقالية تبنّوا مقاربة سلطوية تقوم على إنكار التمايزات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تشكل بنية المجتمع السوري، إلا أنّ تجاهل هذه التمايزات أو محاولة صهرها قسرياً في نموذجٍ سياسي موحد يؤدي – في السياق السوري تحديداً – إلى حالة من الرفض المجتمعي، لكون البلاد تقوم على فسيفساء معقدة من الانتماءات والولاءات والمرجعيات المحلية.
كما أن غياب الاعتراف بقواعد المجتمع المحلي، وتاريخ علاقاته، وسياقاته الخصوصية، طغى على سلوك العديد من مؤسسات الحكومة الانتقالية التي بدت أحياناً مقطوعة الصلة عن البيئة الاجتماعية التي يُفترض أن تديرها. وفي هذا الإطار، فإن إغفال البعد المحلي أدّى إلى هشاشة في الأداء السياسي، بحيث باتت القرارات الخارجية – سواء صدرت من موسكو أو واشنطن – تحظى بأولوية تفوق الاعتبارات الداخلية.
أولوية الداخل وتراجع فعالية الدعم الخارجي
من الثابت في التجارب الانتقالية إن الاستناد المفرط إلى الدعم الخارجي لا يمكن أن يعوض عن غياب الإجماع المحلي. وقد ظهر ذلك جلياً في الحالة السورية، حيث لم تنجح الزيارات إلى العواصم الدولية أو التحالفات العابرة للجغرافيا في توفير الأساس السياسي الذي يضمن استمرارية الحكومة الانتقالية.
إن بناء الثقة في قامشلو، أو استيعاب مطالب الدروز في السويداء، أو تعزيز الروابط الوطنية بين الشعوب والطوائف العلوية والسنية والكردية، يظل أكثر أهمية وفعالية من أي التزام يصدر عن قوة دولية، فالشرعية التي لا تُبنى في الداخل تبقى هشّة وقابلة للانهيار عند أول صِدام سياسي أو اجتماعي.
الحقائق المؤجّلة وآثارها على الاستقرار البنيوي
إن إنكار الحقائق الاجتماعية والسياسية لا يؤدي إلى زوالها، بل إلى تراكم توتراتها. المجتمع السوري – بوصفه مجتمعاً ذي جذور تاريخية عميقة – يملك قوانينه الداخلية وطقوسه التفاعلية التي تتوارثها النخب والمجتمعات المحلية. وأي سلطة لا تحترم هذه البنى ولا تتعامل معها بوصفها عنصراً مقرِّراً في عملية الحكم ستجد نفسها عاجزة عن تعزيز حضورها، مهما امتلكت من دعمٍ أو موارد.
كما أن التعويل على قوى خارجية في ضبط إيقاع المشهد السياسي يخلق فجوةً متزايدة بين الحكومة والمجتمع، ويقود في النهاية إلى اهتزاز الثقة، وبالتالي إلى تقويض أي مشروع سياسي انتقالي. وفي المقابل، فإن القوى الوطنية التي تنبثق من داخل المجتمع -سواء كانت سياسية أو اجتماعية- تبقى الأقدر على تشكيل المسار المستقبلي، إذ تمتلك الشرعية الحقيقة والمعنوية التي لا يمكن استيرادها.
آفاق المرحلة المقبلة
تشير المعطيات الراهنة إلى أن سوريا دخلت مرحلة جديدة من التحولات السياسية والاجتماعية، تتسم بتراجع تأثير الضغوط الخارجية لصالح ديناميات داخلية آخذة في التبلور، فقد باتت المبادرات المحلية، والاستجابات الشعبية، وإعادة توزيع القوى الاجتماعية في عدد من المناطق، تشكّل عناصر فاعلة في إعادة تشكيل المشهد الوطني، وتدلّ على ميل متزايد لدى المجتمع السوري نحو صياغة أولوياته الذاتية، بعيداً عن النماذج المفروضة أو الوصفات الجاهزة التي غالباً ما افتقرت إلى الجذور المحلية والشرعية المجتمعية.
في هذا السياق، تبدو الحكومة الانتقالية التي تشكّلت في أعقاب انهيار النظام البعثي عاجزة عن إنتاج نموذج حكم قابل للحياة، ليس فقط بسبب ضعف بنيتها المؤسسية، بل أيضاً نتيجة اعتمادها على شرعية رمزية من نوع “من يحرر يقرر”، وهي شرعية هشّة لا تصمد أمام تعقيدات الواقع السوري وتنوعه المجتمعي. لقد فشلت هذه الحكومة في بناء جسور ثقة مع المجتمع، وفي ترجمة تطلعات السوريين إلى مؤسسات تمثيلية فاعلة، ما جعلها أقرب إلى كيان إداري مؤقت منه إلى مشروع سياسي متماسك.
ومع ذلك، فإن تعثر هذه الحكومة لا يعني غياب البديل أو انعدام الأفق السياسي، بل يكشف عن استعداد داخلي متنامي لإنتاج صيغة حكم جديدة، تنبع من المجتمع نفسه، وتستند إلى شرعية نابعة من التفاعل الشعبي والمبادرات المحلية، لا من التفاهمات الدبلوماسية أو التوازنات الإقليمية، هذه الدينامية الجديدة، وإن كانت لا تزال في طور التشكل في العديد من المناطق السوريّة، تحمل في طياتها إمكانية إعادة بناء المجال السياسي السوري على أسس أكثر واقعية، وأكثر تعبيراً عن المزاج الشعبي وتطلعات الناس.
ومن يصرُّ على قراءة هذه التحولات من منظور رغباته أو تصوّراته المسبقة، دون الانتباه إلى ما يحدث فعلياً على الأرض، سيجد نفسه معزولاً عن المشهد السياسي القادم، الذي يُعاد تشكيله ليس في غرف التفاوض المغلقة، بل في الحقول والمجالس والمبادرات التي تنبض بالحياة في قلب المجتمع السوري.
No Result
View All Result