عبد الرحمن ربوع
التحريض في العُرف القانوني جريمة مستقلة، وباكتمال أركان جريمة التحريض: الدافع والأثر والرابط، تصبح جريمة بكل المقاييس، وعندما يكون التحريض بالدعوة إلى مخالفة القوانين والشرائع، أو الإضرار بالسلم الأهلي والوحدة الوطنية، أو الدعوة إلى الكراهية أو العنصرية التي تشكل تحريضًا على العنف أو التمييز، يصبح التحريض جريمة خطيرة لما يترتب عليها من إخلال بالأمن واندلاع فتنة مجتمعية لا يمكن التنبؤ بمدى إضرارها أو خطورتها.
وخلال سنوات الثورة والحرب راجت جرائم التحريض الطائفي والعنصري خصوصًا على وسائل التواصل الافتراضي للتشجيع أو الاستفزاز لارتكاب جرائم أو أعمال عنف أو كراهية. واستغلتها كل الأطراف المتصارعة للتعبئة والحشد. وبعد سقوط نظام الأسد ارتفع خطاب التحريض الطائفي والعنصري ونتج عنه استقطاب شديد وتنافر حاد بين كل مكونات الشعب السوري، وبدلًا من أن تؤدي الحكومة دورًا حاسمًا وحازمًا في الحد من هذا الخطاب؛ شاركت فيه؛ مسخّرة كل موارد الدولة الإعلامية لدعم انتشاره وتشجيع التمادي فيه، بل عطلت العمل بالقوانين التي تجرّم وتعاقب عليه.
وبالعين المجردة أمكَنَ ويمكن ملاحظة حجم المشاركة الخارجية في التحريض الطائفي والعنصري من كل الدول المتدخلة في الشأن السوري وبكل اللغات. بل إن هناك حملات إعلامية بالكامل صدرت عن مجموعات غير سورية، وراجت عبر وسائل التواصل الافتراضي والقنوات الفضائية، وشارك فيها مؤثرون ومؤثرات من جنسيات مختلفة.
ومع أن التحريض اليوم على العلويين أو الدروز أو الكرد يسير بالتوازي على أكثر من صعيد. إلا أنه من الواضح أن هناك جهات خارجية تقف وراء كل هذا الطوفان الإعلامي التحريضي الذي يعبئ المجتمع السوري ضد بعضه لصالح مصالح هذه الجهات ولدعم أقلية محددة هي أقلية الحكومة الانتقالية الغريبة شكلًا وموضوعًا عن بقية السوريين المتعايشين منذ آلاف السنين في انسجام فكري وسلوكي ووحدة حال في الشكل والهيئة والخطاب والعادات.
ورغم أن هذه الجهات الخارجية تعمل في الخفاء، وفي الكواليس تحرِّك كل أدوات التحريض الطائفي والعنصري، إلا أنها أضحت اليوم معروفةً بعد أن عرفنا أدواتها ومنابرها وعملاءها، وأصبح من الضروري فضحها ومحاسبتها، لأن الوضع الذي وصلت إليه سوريا اليوم لم يعد بالمقدور السكوت عنه أو المواربة فيه.
السوريون اليوم يقفون أمام مفترق طرق أحدهما يوصل إلى السلام والاستقرار والآخر يؤدي إلى الخراب والدمار، وللسوريين وحدهم يعود القرار.