No Result
View All Result
أسعد العبادي
إن محاولة إلقاء الضوء على معطيات الانتخابات الأخيرة في العراق تمسُّ صميم الواقع السياسي الراهن. المشهد معقد ويحمل في طياته إمكانيات للتقدم وتحديات جسيمة في آنٍ واحد.
بدون الدخول في تحليل سياسي مطوّل، يمكنني تقديم أهم الملاحظات الرئيسية التي يتبناها مراقبون ومحللون حول هذا الموضوع:
أولاً: الملاحظات الإيجابية (بصيص الأمل):
-
مشاركة شعبية واسعة (نسبياً): على الرغم من كل التحديات، فإن إجراء الانتخابات بحد ذاته واستمرار المشاركة الشعبية، حتى لو كانت بنسب متذبذبة، يؤكد على تمسك جزء كبير من الشعب العراقي بالعملية السياسية كوسيلة للتغيير.
-
تراجع شعبية الكتل التقليدية: أظهرت النتائج استمرار تراجع شعبية العديد من الكتل السياسية التقليدية التي هيمنت على المشهد منذ 2003، وصبر الناخب على أدائها، هذا يعكس نضجاً تدريجياً في الوعي الانتخابي.
-
تعطيل “الثلث المعطل”: ساهمت نتائج الانتخابات في كسر حالة الجمود السياسي التي كان يسببها حصول كتل كبيرة على “الثلث المعطل” الذي يمكنها من عرقلة تشكيل الحكومة وقراراتها المهمة. هذا قد يفتح الباب لتشكيل حكومات أكثر استقراراً وقادرة على اتخاذ القرار.
-
بروز تحالفات جديدة: ظهور تحالفات سياسية جديدة، حتى وإن كانت هشة، يحاول تجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية التقليدية، ويركز أكثر على ملفات الخدمات والاقتصاد، وإن كان ذلك بحدود.
ثانياً: التحديات والعقبات الكبرى (الجانب المظلم):
-
استمرار هيمنة الميليشيات والقوى المسلحة: لا تزال القوى المسلحة خارج إطار الدولة تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً هائلاً، مما يقوض سلطة الدولة ويشكل تهديداً مباشراً للمؤسسات الديمقراطية وسيادة القانون.
-
الفساد المستشري كعائق بنيوي: يظل الفساد هو التحدي الأكبر، فهو ليس مجرد سوء إدارة، بل أصبح نظاماً قائماً بذاته يستنزف الموارد ويعيق أي إصلاح حقيقي ويقوّض ثقة المواطن بالدولة وبالعملية الديمقراطية برمتها.
-
الضعف المؤسسي للبرلمان والحكومات: غالباً ما تأتي الحكومات بنتائج مساومات وصفقات بين الكتل وليس بناءً على برنامج سياسي واضح، هذا يؤدي إلى حكومات ضعيفة ومتصارعة داخلياً، وغير قادرة على تنفيذ رؤية استراتيجية طويلة الأمد.
-
الانقسامات المجتمعية (الطائفية والعشائرية): رغم بعض التراجع، لا تزال الهويات الفرعية (الطائفية والعشائرية والقومية) هي العامل الحاسم في التصويت والتحالفات السياسية، على حساب البرامج السياسية والكفاءة.
-
التدخل الإقليمي: يبقى العراق ساحة لتأثير وتدخل القوى الإقليمية (خاصةً إيران والولايات المتحدة وتركيا والدول الخليجية) التي تسعى لتحقيق مصالحها عبر دعم أحزاب وكتل معينة، ما يحد من سيادة القرار العراقي.
-
أزمة الخدمات والاقتصاد: عدم قدرة الحكومات المتعاقبة على تحسين الوضع المعيشي للمواطن (البطالة، الكهرباء، المياه، الصحة) يغذي السخط الشعبي ويجعل الكثيرون يشككون في جدوى الديمقراطية نفسها إذا لم تثبت نجاعتها في تحسين حياتهم.
إن مستقبل الديمقراطية في العراق هو رهان على قدرة النخب السياسية والشعب على تجاوز الإرث الثقيل لسنوات من الصراع والفساد. الانتخابات الأخيرة لم تكن حلاً سحرياً، بل كانت مجرد محطة في رحلة طويلة.
المستقبل سيتحدد بناءً على:
-
القدرة على بناء دولة مؤسسات حقيقية تكون أقوى من الأحزاب والولاءات الضيقة.
-
محاربة الفساد بشكلٍ جذري وليس شكلياً.
-
إعادة دمج الميليشيات تحت سيطرة الدولة وتحقيق الاحتكار الشرعي للقوة.
-
تحويل العملية السياسية من صفقات طائفية إلى منافسة على البرامج التي تخدم المواطن.
نستطيع القول باختصار، الديمقراطية في العراق لا تزال “هشة” وتخوض معركة وجودية بين قوى الدولة العميقة وقوى الفساد والتبعية من جهة، وبين إرادة التغيير والبناء من جهة أخرى. الطريق لا يزال طويلاً وشائكاً.
No Result
View All Result