No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ أن انهار نظام آل الأسد في 8 كانون الأول 2024، بدا المشهد السوريّ وكأنه يدخل مرحلة جديدة طال انتظارها. مرحلة كان يُفترض بها أن تُعيد ترتيب الخراب السياسيّ والأمنيّ والاقتصاديّ الذي رسّخه النظام على مدى أكثر من نصف قرن. لكنّ التغيير الذي طُرح كفرصة للعبور إلى دولة مدنيّة حديثة، تحوّل خلال أشهر قليلة إلى مرآة مكسورة تعكس واقعاً مُركّباً: وعود كبيرة، وخطابات سياسيّة طموحة، ومؤتمرات احتفاليّة… أمام أرضٍ تغرق في الانقسام، وتنام على فوضى أمنيّة متجددة.
فبعدما أمسك أحمد الشرع بدفةِ المرحلة الانتقاليّة منذ 29 كانون الثاني 2025، قادماً من صفوف المعارضة التي قادت الهجومَ الأخير ضد النظام في 2024، ظهر الرجل في «مؤتمر ما يسمى بالنصر» وكأنّه يضع حجرَ الأساس لسوريا جديدة: دستور جامع، عدالة انتقاليّة، حلّ الأجهزة الأمنيّة، إعادة بناء الجيش، دمج المجموعات، محاربة الفساد، واستعادة الحياة السياسيّة بعيداً عن حزبِ البعث الذي شكّل عمود النظام السابق.
لكن، كما اعتاد السوريون عبر خمسةِ عقودٍ من الخطابات الرسميّة، وبقي معظم ذلك كلاماً يدغدغ المشاعر أكثر مما يتحرك، شعاراتٍ تُقال ولا تُمارَس، ووعوداً تُسمع ولا تُرى. فبينما كان الخطباء يرفعون شعاراتِ “المرحلة الجديدة”، كانتِ البلادُ تتشظّى تحت وقعِ صراعاتٍ النفوذ، وانعدام الثقة، وتعدد القوى المسلحة، وبداية مسار طويل يشبه ــ بقدر مُقلق ــ التجربة العراقيّة بعد 2003، مع فارقٍ جوهريّ: أنّ سوريا لم تدخل بعدُ في بناءِ دولةٍ حقيقيّةٍ حتى كي تنهار، بل بقيت معلّقةً بين نظامٍ سقط ودولةٍ لم تُولد بعد.
دولة بلا مؤسسات ومجتمع مُستنزف
لخمسةٍ وخمسين عاماً، لم تكن سوريا تُحكم بدولةٍ لها مؤسساتٌ راسخةٌ، بل كانت تخضع لمنظومةٍ أمنيّةٍ مُحكمةٍ نسجها حافظ الأسد منذ لحظة استيلائه على السلطة عام 1971. فذلك العقد الأول من حكمه لم يكن تأسيساً لسياسة عامة أو إدارة مدنيّة، بل كان عملية جراحية عميقة أعاد فيها تشكيل بنية الحكم على صورته، مستبدلاً فكرة الدولة بفكرة “الحاكم الأبدي”. وحين ورث بشار الأسد السلطة عام 2000، لم يُدخل تعديلات جوهرية على هذا الإرث، بل حافظ على بنيته الجوهرية القائمة على الأمن، والطاعة، والولاء.
كانتِ البلادُ، خلال تلك العقودِ، محكومةً بشبكةٍ أمنيّةٍ تغلغلت في حياةِ الناسِ اليوميّة: المخابراتُ في الجامعات، الأمن السياسيّ في الأحياء، الأمنُ العسكريّ في المعابر والطرقات، ومراكز الاعتقال في كلِّ مدينةٍ. ولم يكنِ الجيشُ قوةً وطنيّةً مستقلة، بل أداةً مُسَيّسة ترتبط قياداته بولاءاتٍ شخصيّةٍ وعائليّةٍ. أما حزب البعث، فقد تحوّل إلى بوابة إجباريّة للترقّي الوظيفيّ، وغطاءٍ لاستمرار النظام، وهويةٍ مفروضة لا اختيارَ فيها.
وفي ظل هذا البناء، ترسخت عبادةٌ شخصيّةٌ لم يشهدها المشرق الحديث بهذا المستوى: صور في المدارس والإدارات، شعارات تُردَّد في كلّ مناسبةٍ، وحديث رسميّ يصوّر الأسد كمنقذٍ وحيدٍ، لا شريكَ له في السياسة أو التاريخ. الشبيحة والميليشيات المرتبطة بالأجهزة الأمنيّة، التي نشأت على أطراف السلطة، لعبت دور السوط غير المرئيّ الذي يضبط المجتمع ويرسل رسائل الخوف عند أول علامة اعتراض.
لكنّ هذا البناء، الذي بدا متماسكاً، كان هشاً في العُمق. فالمؤسساتُ لم تكن تعمل بوصفها مؤسساتٍ، بل أذرعاً للأجهزةِ الأمنيّة، والاقتصاد كان مرهوناً بقلةٍ من المرتبطين بالسلطةِ، القضاءُ مسلوب الإرادة. والإدارة العامة قائمةٌ على الفساد والولاء لا على الكفاءةِ. ولهذا، عندما انهار النظام في 8 كانون الأول 2024، لم يكن هناك “دولة” تسندُ نفسها، بل فراغ مخيف. جهاز الأمن تلاشى، مؤسسات الدولة تعطّلت، والجيشُ انقسم بين مجموعات ومناطق. كان سقوط النظام لحظة الكشف عن بلدٍ منهكٍ، شعبٍ موزعٍ، اقتصادٍ متصدعٍ، ومركزٍ سياسيّ بلا جذور. لم يكنِ الانتقال إلى مرحلة جديدة سهلاً أو تلقائيّاً، لأنّ الدولة الحقيقيّة لم تكن موجودةً أصلاً كي تنتقل، بل كانت مجرد واجهة تخفي واقعاً هشاً سرعان ما انكشف بمجرد أن سقطت قبضة الأجهزة.
دولة على الورق وفوضى على الأرض
في ظلِّ هذا الفراغ الهائل الذي تكشّف بعد سقوط النظام، بدا «مؤتمر ما يسمى بالنصر» محطةً مفصليّة ينتظر منه السوريّون بدايةَ ترميمِ ما تهدّم. ووقف أحمد الشرع في 29 كانون الثاني 2025. أمام جمهورٍ أنهكته الحربُ وهيمنةُ أجهزة المخابراتِ طوال عقود، معلناً سلسلةَ قراراتٍ غير مسبوقة: حلّ الأجهزة الأمنيّة، حل حزب البعث، إلغاء دستور 2012، تشكيل لجان للحوار الوطني، وإطلاق مشروع لإعادة بناء الجيش وصياغة عقد اجتماعيّ جديد. كانت تلك اللحظة بمثابة وعود بنقلة تاريخيّة، كأن البلاد تستعد لفتح صفحة لم تستطِع فتحها منذ نصف قرن.
لكنّ السوريين، الذين عاشوا تحتَ سلطةٍ اعتادت تقديم الخطابِ بدل الفعل، شعروا سريعاً بأنّ المسافة بين الطموح والتنفيذ أكبر مما أُعلن. فبينما أعلنت الحكومة الانتقاليّة «حل الفصائل العسكريّة ودمجها»، بقيت معظم تلك المجموعات والفصائل محتفظة بسلاحها ونفوذها، مجرداً من الاسم القديم فقط. ورغم الوعود ببناء جهاز أمنيّ وطنيّ جديد، استمرت قوى محليّة تابعة لدول إقليميّة في فرض واقعها على الأرض، ما جعل أيّ حديثٍ عن مركز قوي يبدو أقرب إلى الأمنيات منه إلى السياسات.
أما أجهزة النظام السابقة، التي أعلن عن تفكيكها، فقد اختفت شكليّاً من الواجهة، لكنها بقيت حاضرة عبر شبكاتها القديمة وعناصرها الذين اندمجوا في البنى الجديدة دون رقابة. وبدأتِ الصراعاتُ بين أمراء الحرب السابقين تطفو في بعض المناطق، وكأنّ الفوضى تستعيد نفسها في ثياب جديدة.
وفي الوقت نفسه، انغمستِ اللجانُ الدستوريّة في خلافاتٍ عميقة منذ أسابيع عملها الأولى: هل تكون سوريا دولةٌ مركزيّة أم لامركزيّة؟ ما حجم صلاحيات الرئيس؟ وما هو تعريفُ الهوية الوطنيّة في بلدٍ محطّمٍ ومقسّم؟ وبينما غرق السياسيون في النقاشاتِ، كان الواقعُ الاقتصاديّ ينهارُ دون توقفٍ: الليرة تعيش أسوأ مراحلها، البنى التحتيّة خارج الخدمة، ملايين النازحين ينتظرون المساعدات، والخدمات الأساسيّة تسقط واحدة تلو الأخرى.
وهكذا بدا خطاب الشرع عن “الانتقال إلى دولةِ مؤسسات” جميل الصياغة، لكنه بلا أدواتٍ تنفيذ، وبلا سيطرةٍ أمنيّة موحّدة، وبلا قدرةٍ على فرضِ القرار في بلد تتقاسمه القوى الدوليّة والمحليّة. ومع مرور الوقت، بدا للكثيرين أنّ الدولةَ الجديدةَ وُجدت على الورقِ فقط، بينما الواقع على الأرض يُدار عبر صفقاتٍ وتقاطع مصالح، لا عبر سلطةٍ مركزيّةٍ حقيقيّة. إنّها، كما وصفها البعض، دولة افتراضيّة تواجه فوضى واقعيّة.
سوريا الجديدة… عراقٌ آخر
ومن قلب هذا الارتباك الذي ميّز الأسابيع الأولى للمرحلة الانتقاليّة، بدأ التشبيه بالعراق يطفو على السطح شيئاً فشيئاً. لم يكن التشبيه من باب استحضار الماضي أو التمجيد لأنظمةٍ سقطت، بل من باب قراءة ما تفعله الانهيارات الكبرى بالدول التي تُبنى أصلاً على منظومات أمنيّة مغلقة. فكما انفجر العراق بعد 2003 أمام تراكمات عقود من الحكم الشموليّ، وجدت سوريا نفسها أمام مشهد مشابه: دولة انهار رأسها، لكن جسدها كان منهكاً وفاقداً للتماسك، ونظاماً سقط بينما بقيت أدواته القديمة تعمل في الخفاء أو تتحرك عبر قنوات جديدة.
وبالوقائع، بدت البلاد وكأنها تدخل مساراً مطابقاً في علاماته الأساسية، فقد انهارت الأجهزة المركزية دفعة واحدة، تماماً كما حدث مع الجيش العراقي عند تطبيق سياسة “اجتثاث البعث”. وبدل أن تتسلّم مؤسسات بديلة مهامها، تمدّد الفراغ، وظهر لاعبون جدد يملؤون المساحات التي تركتها الدولة. برز أمراء حرب وتجار معابر وشبكات تهريب تحوّلت إلى اقتصادٍ ظلّ ينافس اقتصاد الدولة، بل ويتقدّم عليه في كثير من المناطق.
وتجلّى التشظّي أكثر في تعددِ السلطاتِ: نفوذ الجيش الوطنيّ التابع للاحتلال التركيّ في الشمال، صراعات محليّة في الجنوب، واشتباك سياسيّ – أمنيّ في دمشق بين الحكومة الانتقاليّة وبقايا منظومةِ النظام السابق. ومع هذا المشهد الداخليّ المتقلب، كانت القوى الإقليميّة والدوليّة تعيد رسم خرائط نفوذها: تركيا، إيران، روسيا، الولايات المتحدة، وحتى بعض الدول العربيّة؛ ولكل طرفٍ مصالحه، ولكلِّ طرفٍ لاعبوه.
لم يكن سقوطُ الأسد نهايةَ الطريقِ، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً. مرحلة كشفت أنّ سوريا تحتاج أكثر من خطاب سياسيّ، وأكثر من وعود انتقاليّة، تحتاج مؤسسات حقيقيّة قادرة على احتواء هذا التشقق المتسارع قبل أن يتحول إلى واقع دائم.
الفوضى الأمنيّة… بلد يعيش بلا قانون
من زاويةٍ أخرى أقل تداولاً وأكثر قسوة، تكشف الفوضى الأمنيّة عن ملامح طبقات اجتماعيّة ــ اقتصاديّة لم تولد بعد سقوط النظامِ فقط، بل كانت موجودةً في الظلِّ طوال عقود من حكم الأسد، وتعمل داخل شبكات النفوذ والولاء، وتتحرك في المساحات الرمادية التي خلقها النظام عمداً بين القانون والفوضى. غير أنّ انهيار الدولة المركزيّة بعد 2024 جعل هذه الطبقات أكثر وضوحاً، وأكثر حضوراً، وأكثر قدرة على التأثير في حياة السوريين. فالمجموعاتُ التي كانت سابقاً تعمل خلف جدران الأجهزة الأمنيّة أو تحت راية “التجار المحسوبين على السلطة”، أصبحتِ اليومَ تتحرك علناً تحت مسمّى “وسطاء”، “مسؤولين محليين”، “لجان أمنيّة”، أو حتى “قوى مجتمعيّة”، لكنها في جوهرها الامتداد نفسه لشبكات النفوذ القديمة، بعد أن تحررت من السقفِ الذي كان يحدّها في حقبةِ النظام السابق.
ومع غيابِ الدولةِ، لم تعد هذه الطبقات مجردَ تابعٍ للسلطة، بل تحولت إلى سلطةٍ موازيةٍ تتحكم بالمعابر، والمستودعات، وسوق الحماية، والتهريب، وتنظيم حركة البضائع والأشخاص. البعض يجني أرباحاً طائلة من الفوضى، والبعض الآخر يمسك بمفاتيح الندرة: المحروقات، الطحين، الأدوية، وحتى فرص العمل. وهكذا، نشأت علاقة جديدة ــ قديمة بين المواطن والسلطة: علاقة تشبه تلك التي عاشها السوريّ في العقودِ الماضية، لكن بوجهِ أكثر مباشرة، وأقل تجميلاً، وبتوحّش أكبر. علاقة لا تقوم على الحقوقِ والواجباتِ، بل على الحاجةِ والخوفِ، وعلى الانصياع لمن يملكُ السلاحَ أو يملك المرورَ.
بهذه الصورة، لم تُنتج المرحلة الانتقاليّة طبقات جديدة بقدر ما كشفت الطبقات التي كان النظام السابق يرعاها ويخفيها؛ طبقات أدركت أنّ الزمن تغيّر، وأنّ الفوضى فرصة، وأنّ غياب الدولة ليس فراغاً بل مجالاً واسعاً للنفوذ. وهذه الحقيقة ــ المؤلمة ــ قد تكون واحدة من أعقدِ التحديات التي ستواجه أيّ محاولة لبناء دولة سوريّة حديثة، دولة تُعيد العلاقة الطبيعيّة بين المواطن والقانون، بدل العلاقة الشاذّة بين المواطن وشبكات السلطة غير الرسميّة.
وما زاد المشهدَ تعقيداً أنّ المرحلةَ الانتقاليّة لم تستطِع إنتاجَ نموذجٍ أمنيّ بديل يجمعُ الحدَّ الأدنى من الثقة الشعبيّة. والشرطة التي تشكّلت على عجلٍ بدت ضعيفة أمام سلاحِ المجموعات، والقضاء الجديد ظلّ أسيراً للصراعات السياسيّة بين المركز والمناطق. حتى المبادرات المحلية لحفظ الأمن اصطدمت بغياب إطار قانوني يضمن استمراريتها، فبقيت مُعرّضة للانهيار عند أول صدام مع مجموعة مسلحة أو جهة سياسيّة نافذة.
هذا الارتباك الأمنيّ بدأ ينعكس على الحياة اليوميّة بطرقٍ مرهقة: عائلات تؤجل عودتها إلى منازلها خوفاً من خطوط التماس، تجار يترددون في فتح مشاريع جديدة بسبب غياب الحماية القانونية، شباب يفضّلون الهجرة على البقاء في بيئة غير مستقرة، وقرى كاملة باتت تُدار من خلال “تفاهمات ميدانيّة” أكثر مما تُدار عبر قوانين رسميّة. والأخطر أن هذا الوضع خلق شعوراً عاماً بأن الدولة ــ بشكلها الجديد ــ لم تولد بعد، وأن الفجوة بين الخطاب السياسيّ وبين الواقع تكبر كل يوم.
وبينما تتحدث الحكومة الانتقاليّة عن بناء مؤسساتٍ حديثةٍ، يزداد الاعتقادُ بأنّ الزمن يميل لصالح تلك القوى التي تتقن إدارة الفوضى أكثر مما تتقن بناء الدولة. وهكذا، تجد سوريا نفسها أمام سؤال غير مسبوق: ليس فقط هل ستنجح في استعادة الأمن، بل هل ستنجح في استعادة قدرتها على إنتاج مجتمع يشعر أنّ القانون هو الذي يحدد ملامح المستقبل؟
No Result
View All Result