No Result
View All Result
جل آغا/ أمل محمد – أطفال سوريا منذ سنوات الحرب والأزمة، يواجهون عنفاً مستمراً ونزوحاً وحرماناً من التعليم والخدمات الأساسية، ومخيمات النزوح والتهجير وظروف معيشية متدنية تجبرهم على واقع معاشي قاس، فيما تبذل الإدارة الذاتية جهوداً لحمايتهم وسط غياب حماية فعّالة من السلطات.
يواجه أطفال سوريا منذ سنوات الحرب واقعاً قاسياً لا يقون عليه. فقد أدّت الهجمات الاحتلالية والتهجير والنزوح المستمر إلى حرمان مئات الآلاف من التعليم والاستقرار والبيئة الآمنة اللازمة للنمو الطبيعي. ويعيش هؤلاء الأطفال بين مخاطر القصف، وانعدام الخدمات الأساسية، وغياب فرص الرعاية الصحية والدعم النفسي، ما يجعلهم أكثر الفئات تضرراً في المشهد الإنساني السوري. وفي ظل ضعف الاستجابة الدولية وتراجع برامج الحماية، بات مستقبلهم معلّقاً بين خيم النزوح وظروف معيشية لا تلبّي الحد الأدنى لحقوق الطفولة.
ويحتفل العالم في 20 تشرين الثاني من كل عام باليوم العالمي للطفولة، وهو اليوم الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة للتأكيد على حقوق الأطفال وحمايتهم، وما تزال الطفولة مهددة في العديد من المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة، وفي مقدمتها سوريا.
وتُظهر البيانات والاحصائيات أن عام 2025 يُعد من أكثر الأعوام دموية ضد الأطفال في بؤر النزاع مثل سوريا وغزة والسودان، تحوّل الطفولة إلى أرقام في سجلات الضحايا. ولم يكن هؤلاء الصغار متضررين عابرين، بل أهدافاً طالتها الهجمات بشكل مباشر، في انتهاك واضح لقواعد القانون الدولي الإنساني. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد حماية الطفولة في زمن الحرب مسألة أخلاقية فحسب، بل ضرورة عاجلة لضمان مستقبل المجتمعات واستقرارها.
الطفولة بين عهدين… والعنف واحد
على امتداد سنوات الأزمة السورية، بقي الأطفال الفئة الأكثر تضرراً من دوّامة العنف والانتهاكات، سواء قبل سقوط النظام البعثي أو بعد انتقال السلطة إلى الحكومة الانتقالية، فقد شكّلت سنوات النزاع الطويلة بيئة خطرة على حياة الطفل وحقوقه الأساسية، ما جعل الطفولة في سوريا تواجه أكبر أزمة منذ عقود، وسط غياب شبه كامل للحماية وضعف في آليات المساءلة.
قبل سقوط النظام البعثي، شهدت سوريا واحدة من أكثر المراحل دموية بحق الأطفال. ووفقاً لتقرير أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان بمناسبة اليوم العالمي للطفولة، فقد قُتل ما لا يقل عن 30,127 طفلاً منذ بداية الأزمة، بينهم 198 طفلاً قضوا تحت التعذيب داخل مراكز الاعتقال، وهي أرقام تعكس مستوى الانتهاكات الممنهجة التي تعرضت لها هذه الفئة.
كما وثّقت الشبكة وجود 5,229 طفلاً ما زالوا معتقلين أو مختفين قسراً، وكثير منهم اختُطفوا أثناء حملات الاعتقال الجماعي أو فُصلوا عن ذويهم خلال القصف وعمليات النزوح. لكن؛ سقوط النظام السابق لم يكن البداية لمرحلة آمنة، فيمكن القول إنه بعد قرابة عام على تولّي الحكومة الانتقالية الحكم، لا تزال الطفولة تواجه واقعاً محمّلاً بالعنف والخوف والضبابية.
فما زالت حوادث الخطف والقتل تتكرر بشكل شبه يومي، بينما تتزايد حالات الاختفاء القسري، وبعض الأطفال يُغيَّبون دون أي سجل رسمي يشير إلى مصيرهم، وبالرغم من تغيّر السلطة، بقيت حياة الطفل معلّقة بين فوضى الأمن وغياب المؤسسات الفاعلة، وكأنّ الأطفال يعيشون فوق أنقاض الحياة نفسها.
هذا وتشهد مناطق مختلفة من سوريا منذ بداية تشرين الثاني الجاري موجة غير مسبوقة من العنف، إذ وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 28 ضحية في آخر إحصائية، معظمهم من الأطفال.
وفي تقرير آخر بعنوان “تزايد الخسائر البشرية في صفوف الأطفال والنساء في سوريا”، أكد المرصد أنه منذ بداية عام 2025 تم تسجيل 266 طفلاً و277 امرأة ضمن حصيلة إجمالية بلغت 5,250 قتيلاً في عموم البلاد. كما وثّق المرصد مقتل 317 شخصاً، بينهم 23 طفلاً، خلال الفترة الممتدة بين الثامن من كانون الأول 2024 والسابع من تشرين الثاني 2025.
ومنذ مرور أشهر على سقوط النظام البعثي، بدأت تقارير غير رسمية تتحدث عن تزايد أعداد الأطفال المفقودين في ظروف متباينة؛ بعضهم اختفى برفقة ذويه أثناء الاعتقال، وآخرون فقدوا خلال القصف والنزوح، بينما جرى نقل أطفال بشكل قسري إلى مؤسسات تابعة للحكومة دون إجراءات توثيق واضحة.
ويبرز الساحل السوري مثالاً خطيراً على تفاقم هذا النوع من الانتهاكات، حيث تشهد المنطقة فوضى أمنية غير مسبوقة، كان آخرها خطف الطفل محمد قيس في حادثة أثارت قلق الأهالي والمنظمات الحقوقية. كما وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 1,562 شخصاً في شهر آذار 2025 وحده، بينهم 60 طفلاً، نتيجة تصاعد العنف في المنطقة.
وإلى جانب العنف المباشر، يتعرض الأطفال لشكل آخر من الانتهاك لا يقل خطورة، وهو الحرمان من التعليم فمنذ السنوات الأولى للأزمة، خسر آلاف الطلاب حقهم في الالتحاق بالمدارس بسبب تدمير البنى التحتية، وتحوّل الكثير من المدارس إلى ملاجئ للنازحين أو أهداف للقصف. كما ساهم الفقر وانهيار الاقتصاد وهشاشة الوضع الأمني في إجبار عدد كبير من الأطفال على ترك مقاعد الدراسة والانخراط في أعمال شاقة قبل بلوغهم السن القانونية، ما يهدد جيلاً كاملاً بالضياع.
وبالرغم من اختلاف السلطات الحاكمة بين الماضي والحاضر في سوريا، يبقى المشهد واحداً، أطفال سوريا يدفعون أثمان الحرب، في غياب منظومة حماية حقيقية، ووسط بيئة سياسية وأمنية غير قادرة على صون أدنى حقوقهم، وبينما يحتفل العالم سنوياً باليوم العالمي للطفولة، يعيش أطفال سوريا واقعاً يزداد تعقيداً، وتتسع فيه الفجوة بين النصوص الدولية والواقع الميداني.
الطفولة تحت نير الاحتلال
في المدن التي غيّر الاحتلال التركي ملامحها، لم تكن الطفولة أفضل حالاً من سائر المناطق السورية، ففي سري كانيه، وعفرين، وكري سبي، ومنبج، والشهباء، لم يعرف الأطفال الأمان، فالعنف يواجه كل واحد منهم، وقد وثقت العديد من حالات القتل والانتهاكات بحق الأطفال في هذه المناطق.
فمن ينسى محمد حميد، “طفل الفوسفور”، الذي حمل جسده آثار النار الكيميائية بعد قصف 2019، ومن ينسى عبدو مصطفى، ذا الأعوام الستة، الذي فقد ساقه في كوباني بعد أن أصابته قذيفة تركية، والعائلة التي قُطعت سلالتها دفعة واحدة في كوباني في آذار الماضي، عندما هوت طائرة مسيّرة على منزلهم، تاركة تسعة شهداء وراءها من الطفولة البريئة.
هذه ليست وقائع متفرّقة، بل سلسلة طويلة من الجرائم التي تركت الطفولة معلّقة على مشجب الفقد، تتحسّس جراحها وتتعلم النجاة من تحت الركام، وحتى اليوم ترتكب دولة الاحتلال التركي جرائمها بحق المدنيين والعزل، وتتبع سياسة التتريك والتغير الديمغرافي لسلخ ما تبقى من الطفل السوري. ومع كل موجة قصف تقوم بها دولة الاحتلال التركي، كان آلاف الأطفال يسلكون طريق النزوح نحو مناطق أكثر أمناً، ليجدوا أنفسهم في مخيمات فقيرة بائسة.
المخيمات والأطفال
وعند الحديث عن المخيمات فقد أصبحت المخيمات المنتشرة على امتداد الجغرافيا السورية أمراً مسلماً به دون حل حتى هذه اللحظة ليعيش الأطفال في واحدة من أقسى البيئات الإنسانية التي خلّفتها الحرب، فهذه المخيمات، التي كان يفترض أن تكون مأوى مؤقتًا، تحوّلت إلى واقع يومي يحاصر الطفولة في دائرة من الحرمان وانعدام الاستقرار.
ويواجه الأطفال فيها نقصاً حاداً في الخدمات الأساسية من ماء نظيف، ورعاية صحية، وتغذية مناسبة، إلى جانب ضعف البنية التعليمية التي أدت إلى ارتفاع معدلات التسرب المدرسي وغياب أي بيئة تعليمية مستقرة.
كما يسهم الفقر، والبطالة، وتفكك الروابط الاجتماعية في رفع معدلات الاستغلال، وعمالة الأطفال، والعنف داخل هذه المخيمات، في ظل غياب منظومات حماية فعّالة.
وعلى الرغم من الجهود المحدودة التي تبذلها منظمات محلية ودولية، تبقى الاحتياجات الإنسانية تفوق بكثير المتاح من الموارد، ما يجعل مستقبل آلاف الأطفال معلقاً بين واقع هشّ، وإمكانات غير كافية، ويهدد جيل كامل بالنسيان، إن لم تُعالج الأزمة جذرياً وبخطة مستدامة تعيد للطفولة حقّها في الأمان والتعليم والحياة الكريمة.
جهود للتخفيف من معاناة الأطفال
رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها المناطق السورية، سعت الإدارة الذاتية منذ انطلاق ثورة 19 تموز إلى إيلاء قضية الطفولة اهتماماً خاصاً، معتبرةً حماية الأطفال مسؤولية إنسانية ومجتمعية وأولوية استراتيجية لضمان مستقبل المنطقة. فقد أطلقت الإدارة برامج ومبادرات متعددة تهدف إلى توفير بيئة آمنة للأطفال، تشمل إصدار تشريعات وقوانين لحماية حقوق الطفل، وتحديد سن العمل والزواج، وضمان وصول الأطفال إلى التعليم المجاني والرعاية الصحية الأساسية.
كما أسست الإدارة الذاتية مؤسسات ومراكز متخصصة لمراقبة الأطفال واستقبال شكواهم حال تعرضهم للعنف أو الاستغلال، إضافة إلى مراكز تدريب وتأهيل تهدف إلى تطوير مهاراتهم وتنمية مواهبهم، سواء في المجالات التعليمية أو الفنية والثقافية، لتزويدهم بفرص حقيقية للاندماج في المجتمع وبناء مستقبلهم بشكل مستدام. إلى جانب ذلك، تضمنت برامج الإدارة الذاتية دعم الأطفال نفسياً واجتماعياً، من خلال تقديم استشارات وجلسات علاجية تساعدهم على مواجهة الصدمات النفسية الناتجة عن سنوات الحرب والنزوح والحرمان.
وعلى الرغم من هذه الجهود، تواجه الإدارة الذاتية تحديات كبيرة، أبرزها غياب تعاون فعلي من حكومة دمشق الانتقالية وامتداد حالة النزاع والعنف في بعض المناطق، ما يجعل حماية الأطفال مهمة صعبة لكنها ضرورية، لأن الأطفال ليسوا أرقاماً في إحصاءات العنف، بل هم مستقبل سوريا الذي يتطلب استثماراً حقيقياً في حمايته ورعايته.
والجدير بالذكر أن الأمم المتحدة أعلنت حقوق الطفل في عام 1959 بالإضافة لاتفاقية حقوق الطفل عام 1989 والتي تنص على حماية الطفولة من أي تهديد وخطر يحدق بها، سواء في المنزل أو المدرسة وحتى أثناء الحروب.
ومن أهم النقاط التي تنص عليه اتفاقية حقوق الطفل في القانون الدولي هي عدم التمييز، وحق الطفل في الحياة والتعبير عن نفسه وحماية الطفل من أي خطر وتهديد جسدي أو نفسي، وعلى الرغم من وجود قوانين دولية إلا أن الفئة الأكثر تضرراً من الحروب هم الأطفال، وبالمقارنة بين القوانين الدولية والحقوق التي تخص شأن الاطفال نجد أن هذه القوانين والحقوق تختفي في زمن الحرب وتبقى حبراً على ورق.
No Result
View All Result