No Result
View All Result
حمزة حرب
تبدو سوريا اليوم، بعد أكثر من عقد على الحرب بلداً متخماً بالتعقيدات التي لا تتعلق فقط بسقوط النظام السوري، بقدر ما ترتبط بمستقبل السلطة في البلاد وشكل النظام السياسيّ الذي يخلفه فالمشهد الذي يعيشه السوريّون بعد سقوط النظام ليس انتقال سلس نحو دولة مدنية أو إجراء انتخابات حرة بل هو عملية شديدة التعقيد تتشابك فيها مصالح المجموعات المرتزقة، وقوى النفوذ المحلية والجهات الخارجية الداعمة إضافة إلى الانقسامات الأيديولوجيّة العميقة التي باتت جزءاً أصيلاً من البنية السياسيّة والعسكريّة للمشهد السوريّ.
السوريون لطالما حلموا بدولة حرة ديمقراطيّة موحدة تستعيد مؤسساتها وتضع حداً للفوضى والفساد إلا أنّ ما عاشوه منذ سقوط النظام السابق إلى اليوم لا يشي بتغييرٍ حقيقيّ وجوهريّ إنّما تتجه المؤشرات على الأرض نحو احتمالات قاتمة، أبرزها أنّ مرحلة ما بعد النظام قد تشهد صراعاً محتدماً بين المجموعات المرتزقة، على النفوذ والشرعيّة والسلطة والموارد، وربما على شكل الهوية السياسيّة للدولة ذاتها خصوصاً مع النظر إلى أبعاد الصراع الأيديولوجيّ بين هيئة تحرير الشام وبقية المجموعات وصراع النفوذ الذي انتقل من الشمال السوريّ إلى كامل الجغرافية السوريّة بعد سقوط النظام وهو ما يجعل إمكانية إعادة بناء الدولة امراً ليس باليسير.
تناقضات متجذرة
منذ تشكّل المجموعات المرتزقة في بدايات الثورة السوريّة عام 2011 لم يكنِ الانقسام بينها محصوراً فقط في الميدان العسكريّ بل كان انقساماً في الهوية والرؤية والمرجعيّة الفكريّة ومع مرور الوقت أصبح هذا الانقسام الأيديولوجيّ أحد أخطر العوامل التي تفكك مشهد ما تسمى بالمعارضة وتمنع تشكّل مؤسسة عسكريّة أو سياسيّة موحدة.
فهيئة تحرير الشام التي استندت في تشكيلها على أيديولوجيّةٍ متطرفة تعتبر نفسها المرجعيّة الشرعيّة الحاكمة للمجتمع بنمط يقوم على مركزيّة القرار بيد القيادة الأمنية والعسكريّة وهو ما يفسر فرضها نموذج من الإدارة المحليّة في إدلب قبيل سقوط النظام من خلال ما عرف حينها بـ “حكومة الإنقاذ”، التي وإن بدت على السطح حكومة خدمات، إلا أنّها في جوهرها جهاز موازٍ للسلطة الأمنيّة التي تتحكم بالقرارات الجوهريّة واليوم باتت مطالبة من السوريين بتغيير هذا النهج وأن تكون منفتحة على كلّ السوريين بوصفها حكومة انتقاليّة للسلطة في سوريا بعد سقوط النظام.
فحاولت هيئة تحرير الشام أن تجمعَ المجموعات المرتزقة متعددة الولاءات تحت مظلة واحدة متمثلة بـ “وزارة الدفاع ” هذه المجموعات مثل “الحمزات” و”العمشات” و”الجبهة الشامية” لا تملك رؤية عقائديّة متماسكة بقدر ما تقوم على مزيج من المصالح العسكريّة والاقتصاديّة والسياسيّة والولاء لهذه المصالح التي تقدمها الدول الداعمة وعلى رأسها الاحتلال التركيّ.
هذا الاختلاف بين النموذجين النموذج العقائديّ المركزيّ للهيئة والنموذج الولائيّ الخارجيّ للمجموعات يجعل العمل بينهما أمراً بالغ الصعوبة علاوة على أنّ كلا المشروعين بعيد كلّ البعد عن إرادة السوريّين ويجعل المنافسة على النفوذ والسيطرة وطريقة الحكم أمراً حتميّاً خصوصاً في ظل غياب أيّ هيكل وطنيّ جامع قادر على ضبط هذه التناقضات.
رغم أنّ الحكومة الانتقاليّة دعت إلى ضرورة أن تعمل كلّ المجموعات المتعددة الولاءات تحت مظلة “وزارة الدفاع” التابعة لها إلا أنّ الواقع الفعليّ يشير إلى أنّ هذه المجموعات تدير مناطق نفوذها بشكلٍ مستقل تقريباً وتمتلك مواردها الخاصة ومعابرها ونقاطها العسكريّة وسلطات الجباية والتجارة والتهريب.
وتعتبر المعابر خصوصاً تلك التي تقع بين سوريا ودولة الاحتلال التركيّ وكذلك المعابر بين مناطق المجموعات المختلفةِ من أهم مصادر الدخل وقد تحولت السيطرة عليها إلى نقطة تنافسٍ شديدةٍ بين المجموعات إذ يعني امتلاك المعبر القدرة على التحكم بالسلع والبضائع وحركة المدنيين والضرائب المفروضة، وينعكس هذا التنافس الاقتصاديّ مباشرة على الحياة اليوميّة ويجعل من المعابر أدوات نفوذ سياسيّة بامتياز تُستخدم في الصراع بين المجموعات والحكومة الانتقاليّة.
المشهد الذي برز بعد سقوط النظام وهو ظهور طبقة من أمراء الحرب الذين باتوا يمتلكون الموارد والسلاح والرجال والمعابر ويعملون على تأمين مصالحهم دون الالتزام بأيّ مشروع وطنيّ أو سياسيّ شاملٍ وهو ما أدّى إلى تقسيم غير معلن عزّز حالة التشرذم الأصيلة في بنية وهيكلية هذه المجموعات وتنافرها فيما بينها حيث تقوم كلّ مجموعة لهت أمراء حربه الاقتصاديين والعسكريين على الهيمنة المطلقة في المنطقة التي تتواجد فيها وتسيطر عليها وفق قوانينها الخاصة، ما يثير المخاوف من إنتاج نماذج شبيهة بالحالة الليبيّة أو اليمنيّة.
سيناريوهات محتملة
في أيّ عمليةٍ انتقالٍ سياسيّ يُفترض أن تمثلَ الحكومة الانتقاليّة سلطةً مركزيّة مسؤولة عن إدارة البلاد ودمج القوى المسلحة ضمن مؤسسة وطنيّة واحدة لكن في الواقع السوريّ وجدت الحكومة الانتقاليّة نفسها أمام معادلة معقدة، حيث تمتلك المجموعات المرتزقة على الأرض نفوذاً أقوى بكثير من الدولة الناشئة وارتباطات متشعبة تجعلها امام تحدٍ خطير.
فبعد سنوات من الحرب تمكنت المجموعات من بناء شبكات اقتصاديّة كبيرة تعتمد على المعابر والضرائب والتجارة وتعززت هذه الامتيازات بعد سقوط النظام السابق واتساع رقعة انتشار هذه المجموعات فحكماً هي لن تتخلى عن مغانمها بسهولة، خصوصاً إذا شعرت بأن الحكومة الانتقاليّة قد تُقلّص دورها أو تهدد مراكز قوتها لأن هذه المجموعات تفتقد القدرة على امتلاك مشروع وطنيّ كونها تنظر إلى الساحة السوريّة على انها ساحة مغانم ومكاسب.
كما أنّ الولاءات الخارجيّة داخل المجموعات تجعل من عملية دمج عناصرها ضمن جسم عسكريّ واحد عملية محفوفة بالمخاطر وذلك بسبب تعدد المشاريع التي يراد تطبيقها داخل الأرضي السوريّة وما هذه المجموعات إلا أدوات لذلك، وبهذه الحالة ستستميت هذه المجموعات لتبقى القوة العسكريّة والاقتصاديّة الحقيقيّة بيدها، وهذا يعني أنّ الحكومة الانتقاليّة ستبقى عاجزةً عن فرضِ قراراتها أو إدارة الأمن أو تنفيذ خطط إعادة الإعمار التي تسعى لتحصيلها من المجتمع الدوليّ وهو ما يهدد بفشل العملية الانتقاليّة وهي في المهد.
ويشكّل صراع النفوذ بين الحكومة الانتقاليّة والمجموعات المرتزقة أحدَ أهم وأبرز وأخطر تحديات مرحلة ما بعد سقوط النظام. ودخلت الحكومة في مواجهة بنيويّة مع مجموعات؛ اعتادت ممارسة السلطة بشكلٍ مباشر عبر السلاح والإدارة العسكريّة وهنا ولدت معركة الشرعيّة حيث تحاول الحكومة فرض سيادتها المركزيّة بينما تسعى المجموعات لفرض واقع ميدانيّ يحفظ مكاسبها.
وهنا بدأت كلّ مجموعة باستخدام ما تمتلك من أدوات ضغط سياسيّة وعسكريّة لمنع ظهور سلطة مركزيّة ليس لأنّ هذه المجموعات لديها مشروعاً وطنيّاً إنّما فقط للحفاظ على مكاسبها ومغانمها وهو ما يفسر في معظم الأحيان رفض الخضوع لقرارات الحكومة أو عرقلتها في معظم الأحيان كملف عودة مهجري عفرين الذي توعدت بحله الحكومة الانتقاليّة وعرقلته مرتزقة الاحتلال التركيّ وأيضاً هدنة السويداء التي يتم خرقها بين الفينة والأخرى والضغط باتجاه تعطيل أيّ تفاهم بين قسد ودمشق.
وفي ظل غيابِ القوة التنفيذيّة لدى الحكومة الانتقاليّة بسبب تقاطع المصالح الخارجيّة تتحول العلاقة إلى صراعٍ مفتوحٍ بعد أن تمّت الإطاحة بثقة الشعب تجاه جدوى العملية الانتقاليّة برمتها وهذا ما دفع البلاد نحو مزيد من الفوضى فالنتيجة كانت حتميّة متمثلة بسلطةٍ انتقاليّةٍ ضعيفةٍ تبحث عن شرعيّة، وسلطات مسلحة تبحث عن نفوذ بعيداً عن مصلحةِ الشعبِ الذي ينتظر دولة تنهي الحربَ بدل أن تعيدَ إنتاجها.
ومع استمرار الصراعات بين المجموعات وتنافسها على النفوذ يعيش السوريين في حالةٍ من عدم الاستقرار تتجلى في انقطاع الخدمات وبقاء الواقع الاقتصاديّ هش مع وارتفاع معدلات البطالة والعوز فمستقبل سوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري أمام خيارات صعبة فإما ان تتجاوز هذه المجموعات صراعاتها الأيديولوجيّة والاقتصاديّة وهذا ما لم يعد ممكناً خصوصاً انه عزز بعد أن سعت الحكومة الانتقاليّة للانضمام إلى التحالف الدوليّ وهو ما حصلت عليه وباتت في صراع مباشر مع الشخصيات والمجموعات المتطرفة التي كانت إلى الأمس القريب حوامل هذه الحكومة عندما كانت هيئة تحرير الشام.
طروحات الحل
يجب أن تمتلك الحكومة الانتقاليّة الشرعيّة الوطنيّة وأن تخلق معه الدعم الدولي المتوازن وهو ما سيمكنها من إعادة بناء مؤسسات الدولة وضبط المجموعات المرتزقة وفق خطة واضحة لتوحيد القوات المسلحة ضمن مؤسسة وطنيّة واحدة تمثل كل السوريّين بعيداً عن المحاصصة الطائفية أو العرقية وان تكون الحكومة قادرة على اتخاذ قرارات صعبة قد تواجه معارضة المجموعات المرتزقة أو الأطراف الإقليمية المتدخلة.
فلن يكتمل أي مخرج للأزمة دون عملية مصالحة وطنيّة شاملة تهدف إلى تجاوز الانقسامات السياسيّة والمناطقيّة، وإعادة الثقة بين المواطنين والدولة وتشمل المصالحة إطلاق آليات عدالة انتقاليّة حقيقيّة بهدفِ تقديم ضماناتٍ حقيقيّةٍ بأن الدولة الجديدة تحترم حقوق الجميع وتمنع تكرار الانتهاكات السابقة.
كما أنّ الحكومة الانتقاليّة مطالبة اليوم بإشراك المجتمع المدنيّ والأحزاب الوطنيّة بما في ذلك الشباب والنساء والمجتمعات المحليّة في عملية بناء سوريا وتعتبر هذه الخطوة أساسيّة لضمان أن تكونَ الحكومة الانتقاليّة ليست مجرد إدارة للسلطة بل مشروعاً يعكس إرادة الشعب السوريّ في بناء دولة مدنيّة عادلة ومستقرة.
ناهيك عن الجانب الاقتصاديّ وإعادة الإعمار الذي يعتبر حجر الزاوية في نجاح أيّ خطةٍ انتقاليّةٍ ودون استعادة الخدمات الأساسيّة والبنية التحتيّة وتأمين فرص العمل ومحاربة الفساد ومنع إنتاج منظومات فساد مستشرية متغلغلة في مفاصل الدولة ستبقى الفوضى الاجتماعيّة والاقتصاديّة مهددة للمرحلةِ الانتقاليّةِ.
ولتجنب استغلال الموارد من قبل المجموعات المرتزقة أو الأطراف الإقليميّة يجب أن تكون إعادة الإعمار تحت إشراف حكومة لا مركزيّة تعتمد على الشفافيّة وبناء الثقة بين أطياف المجتمع السوريّ مع دعم دوليّ مشروط يضمن توزيع الموارد بشكل عادل ويمنع إعادة إنتاج اقتصادات الحرب التي اعتمدت على التهريب والجبايات غير الرسميّة خلال سنوات النزاع.
مخرج الأزمة السوريّة يجب أن يبنى على أساس التكامل بين الإرادة السياسيّة والقوة الأمنيّة والمصالحة المجتمعيّة وإعادة الإعمار بما يصب في صالح المواطن السوريّ بكل شفافية والحرص على إعلاء الوطن فوق أيّ اعتبار لأنّ الحكومة الانتقاليّة يفترض أن تمثلَ الإطار الأمثل لتحقيق ذلك لكنها بحاجة إلى إرادة وطنيّةٍ حقيقيّةٍ وخطة استراتيجيّة شاملة وقدرة على كسب ثقة الشعب، بدون ذلك ستبقى الحكومة الانتقاليّة تراوح مكانها بين الانقسام والتشظي وسيظل المستقبل السوريّ مفتوحاً على سيناريوهات الانقسام والفوضى ودوامات الصراع بعيداً عن أحلام السوريين الذين يريدون فقط دولة تعيد لهم حياتهم وكرامتهم.
No Result
View All Result