No Result
View All Result
زلال صادق (كاتبة صحفية)
ترجمة: باقي حمزة
نشأت الجمهورية التركية من تاريخٍ متعدد الطبقات ومعقد. استلزم انهيار الإمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى إرساء نظام جديد في الأناضول والمناطق المحيطة بها.
في أواخر العهد العثماني، قاوم الكرد التقدم الروسي، وقاتلوا إلى جانبهم، لا سيما على الجبهة الشرقية. وفي الفترة نفسها، انخرط القادة الكرد في جهود دبلوماسية لتأمين المستقبل السياسي لشعبهم بعد تفكك الإمبراطورية. ولعبت شخصيات كردية بارزة، مثل عائلات بدرخان وشريف باشا وجميل باشا زاده، أدوارًا فاعلة في تمثيل الكرد وتأمين حقوقهم محليًا ودوليًا، وكانت هذه المبادرات دليلًا تاريخيًا على إرادة الكرد في تقرير مصيرهم.
في ظل حالة عدم اليقين وتهديد التدخّل الأجنبي، اختار الكرد القتال إلى جانب الجيش العثماني في الميدان. لم يكن هذا يعني أنهم كانوا يتصرفون بثقةٍ تامة، بل كان تعاونًا استراتيجيًا وتحالفًا براغماتيًا. دفع خطر تجزئة الأناضول، وتدخّل القوى الأجنبية، والمخاوف الأمنية المحلية، القادة الكرد إلى هذا المسار. في الوقت نفسه، وبينما كان الكرد يسعون جاهدين لتأمين حقوقهم في الساحة الدبلوماسية قبل معاهدة سيفر، كان هذا العمل المشترك على الأرض يهدف إلى حماية أراضيهم وتعزيز مكاسبهم الدبلوماسية.
كانت معاهدة سيفر، الموقّعة عام ١٩٢٠، نقطة تحول تاريخية للكرد. نصّت المواد ٦٢-٦٤ من المعاهدة على إنشاء إدارة ذاتية في المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية. لم تكن هذه الإنجازات منحة، بل كانت نتيجة حرب مشتركة ونضالات دبلوماسية ميدانية. تُعدّ مطالب الشعب الكردي اليوم استمرارًا طبيعيًا لهذا النضال التاريخي من أجل الحقوق. ومن المفارقات، أنه بعد قرن من الزمان في الشرق الأوسط الحديث، يجد الكرد أنفسهم أمام عتبة تاريخية مماثلة. لذلك، فإن المطالبة بالحقوق اليوم، كما في الماضي، ليست منحة، بل حق طبيعي.
شدّد المجلس الوطني التركي الكبير، الذي انعقد عام ١٩٢٠، على مبادئ “الأخوّة الإسلامية” والحكم الذاتي المحلي لكسب تأييد الكرد. وفي خطاباته أمام المجلس، أعلن مصطفى كمال أن “حقوق إخواننا الكرد مضمونة” من جهة أخرى، حدّد الميثاق الوطني الأتراك والكرد ضمن وحدة سياسية واحدة، مؤكدًا على مصيرهم المشترك.
إلا أن المكاسب التي توختها معاهدة سيفر لم تدُم طويلاً. فقد سعت الحركة القومية والوحدوية الصاعدة في أنقرة إلى إعلان بطلان معاهدة سيفر ونفي المكانة الدولية للكرد. وكان هذا بمثابة اغتصاب للحقوق التي اكتسبها الكرد في الساحة الدبلوماسية. ومع ذلك، أزال مؤتمر لوزان القضية الكردية تمامًا من جدول الأعمال الدبلوماسي الدولي. ورغم أن الوفد البريطاني طرح قضية الموصل والقضية الكردية للنقاش، إلا أن الوفد التركي اعتبرها “شأنًا داخليًا لتركيا” وكانت كل المحاولات لعصمت إينونو لمنع الاعتراف الدولي بالكرد كهويةٍ مميزة؛ وبالتالي، ظل الكرد موضوعًا مهمشًا في التاريخ منذ تأسيس الجمهورية فصاعدًا.
أثبت دستور الجمهورية لعام ١٩٢٤، الذي أُعلن عام ١٩٢٣، أن الدولة بُنيت على مبدأ “أمة واحدة، لغة واحدة، هوية واحدة”. رُفضت التطلعات الكردية للحكم الذاتي المحلي دستوريًا؛ وصوّرت خطة الإصلاح الشرقي لعام ١٩٢٥ المنطقة على أنها “مشكلة أمن عام” كانت ثورة الشيخ سعيد (١٩٢٥) وانتفاضتا آغري وديرسم تجليات اجتماعية لهذه العملية. حُظرت الهوية الكردية من المجال العام، وصُنفت المطالبات باللغة والثقافة والحكم الذاتي على أنها قضايا أمنية. وهذا يُظهر أن العملية التاريخية، الممتدة من معاهدة سيفر إلى لوزان وتأسيس الجمهورية، قد خلقت مشكلة ثقة مُستمرة. انطلقت عملية تأسيس الجمهورية من هدف بناء هوية وطنية متجانسة، مع تجاهل الطابع المتعدد الهويات للأناضول. كان الكرد من أكثر شرائح المجتمع حرمانًا من حقوقهم. أولًا، استُبعدوا من النظام الجديد الذي طُلب منهم دعمه؛ ثم حُوصرت هويتهم في خانة “الانفصالية”. كما فشلت سياسات الإصلاح والتنمية التي تغيرت بمرور الوقت في معالجة جذور هذه المشكلة الهيكلية.
لا تزال سياسة الدولة في تركيا اليوم مبنية على الرفض الرسمي للاعتراف بالهوية واللغة الكرديتين. إن حجب اللغة الكردية في البرلمان ومؤسسات الدولة ووسائل الإعلام، إلى جانب تقييد تعريف الهوية في الحكومات المحلية، يُظهر استمرار هشاشة الوضع القائم منذ تأسيس الجمهورية. هذه السياسات لا تُمثل انتهاكًا للحقوق الثقافية والسياسية فحسب، بل تُشير أيضًا إلى توتر اجتماعي طويل الأمد وأزمة هوية. إن الأزمة التي تعيشها الشعوب في تركيا اليوم، وما تتعرض له هوياتها من قمع، تنبع من هذا الوضع نفسه.
هذا الأساس الهش، الذي نشأ في بدايات الجمهورية، يتجلى أيضًا في ردود الفعل الحالية تجاه المطالب الكردية. فالقيود المفروضة على التعليم والإعلام والمجال العام تُضعف التمثيل السياسي والثقافي للشعب الكردي، كاشفةً عن التداعيات المعاصرة للظلم الذي عانى منه على مر التاريخ. ينبغي تفسير المطالب الكردية، منذ معاهدة سيفر وحتى اليوم، على أنها التجلي الحديث للنضال من أجل الحقوق.
لا يمكن حل التوتر بين الوحدة الوطنية لتركيا والاعتراف بالهوية الكردية إلا من خلال عقد اجتماعي جديد قائم على المساواة في المواطنة والعدالة. لا يمكن لهذا العقد أن يُرسي علاقة قائمة على الثقة المستدامة دون مواجهة الحقائق التي كُبتت في الماضي. وحده نظام اجتماعي يواجه الحقيقة ويُبنى على أساس المساواة والثقة قادر على ضمان مستقبل تركيا الديمقراطي ووجود الشعب الكردي.
باتباع هذا المسار التاريخي، من المناسب إجراء مقارنةً للقضية الكردية الراهنة وتقييم أوجه التشابه والاختلاف في المكان والزمان والأشخاص في سياق تكرار التاريخ. يُظهر النهج الحالي للحكومات تجاه القضية الكردية في تركيا تكرارًا للخطابات التاريخية بأشكال جديدة. وكما في أوائل الحقبة الجمهورية، لا يزال التركيز على “الأخوة الدينية” و”الوحدة الوطنية” محوريًا في الخطاب السياسي المُقام مع الكرد. وكما في معاهدة لوزان، لا تزال القضية الكردية تُعرّف بأنها “شأن داخلي لتركيا”، ويُضفي تدويلها استمرارية لافتة بين الخطاب الوطني والخطاب السياسي المعاصر.
لكن مع تكرار التاريخ، تتغير الظروف. في الماضي، كانت السياسة الكردية تُدار إلى حدٍ كبير من خلال هياكل دبلوماسية وعسكرية ضيقة قائمة على القبائل. أما اليوم، فيمتلك الكرد قدرات تنظيمية ومؤسسية وعسكرية، ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل على المستوى الدولي أيضًا. وتمثل تجربة روج آفا، على وجه الخصوص، عتبة تاريخية جديدة من حيث قدرة الشعب على الدفاع والبناء السياسي. وبالمثل، تُحوّل شبكات التضامن بين كرد جنوب كردستان وإيران وتركيا القضية الكردية من قضية داخلية بحتة إلى صراع إقليمي من أجل الحقوق.
لذا، يُعيد التاريخ نفسه؛ لكن هذا ليس تكرارًا فرديًا، بل هو نتاج تحوّل العصر والظروف والفاعلين. وبينما قد تبدو المؤامرات والتجارب السياسية متشابهة، إلا أنها تتجدد اليوم في أماكن مختلفة، بفاعلين مختلفين، وبإمكانيات أوسع بكثير. في هذا السياق، يُظهر الوضع السياسي الحالي للكرد، مع انعكاسه استمرارية تجاربهم التاريخية، عقلية سياسية جديدة تتكيّف مع الظروف المعاصرة.
No Result
View All Result