No Result
View All Result
حمزة حرب
تعيش سوريا اليوم واحدة من أعقد الأزمات الاقتصاديّة في تاريخها بعد ما يقارب العام من سقوط النظام السابق، وكل الوعود التي أطلقتها الحكومة الانتقاليّة بالإصلاحات الاقتصاديّة، وتحسين الواقع المعيشيّ والخدميّ، لم تجد نفعا أمام الواقع الاقتصادي المتردي للمواطن، ولا زالت الليرة السوريّة تشهد تدهوراً، ودخل الفرد لا يوفر أبسط مقومات الحياة.
فتأتي القرارات الحكوميّة التي لا تتناسب مع وعود الإصلاح، ولا مع واقع السوريين الذين أرهقتهم سنوات الحرب وسوء الخدمات، إن لم يكن انعدامها فقرار رفع سعر صرف الكهرباء أتى كالقشة التي تقصم ظهر المواطن الباحث عن بصيص أمل يحسن واقعه المعاش.
وعود لا تتناسب مع الواقع
بعد سقوط النظام السابق، كان السوريون يأملون أن تفتحَ الحكومةُ الانتقاليّة صفحةً جديدةً عنوانها “العدالة الاجتماعيّة، وتحسين المعيشة” لكن الواقع الذي يعيشه الأهالي اليوم يؤكد عكسَ ذلك تماماً، فبدل أن تكون المرحلة الانتقاليّة بداية لانفراجٍ اقتصاديّ تحوّلت إلى مرحلةٍ قاسيةٍ من القراراتِ الصادمةِ التي طالتِ الفقراءَ والموظفين وأصحاب الدخل المحدود على حد سواء.
من رفع أسعار الكهرباء إلى فصلِ الموظفين بحجّةِ إعادة الهيكلة تبدو الحكومة، وكأنّها اختارتِ الطريقَ الأصعب، حيث تعمّق الجراحَ بدل أن تداويها، وتُحمّل المواطنَ وحده عبء الانهيارِ الاقتصاديّ ووهم المشاريع الاقتصاديّة التي لم تطبق على الأرض ولم تأتِ بالنفعِ على السوريين.
تقارير اقتصاديّة تؤكد أنَّ معدلَ الفقر في سوريا يتجاوز 90% من السكان، فيما يعاني أكثر من نصفهم من انعدام الأمن الغذائيّ بينما تتصاعد أرصدة حيتان الاقتصاد ورؤوس الأموال التي ما فتئت تهيمنُ على القطاعات الحيويّة، وبات هؤلاء المقربون من السلطة يلعبون دور عرّابي المصالح الإقليميّة والدوليّة على الأرض السوريّة، وعلى حساب السوريين وأمنهم الاقتصاديّ.
ورغم أنّ الحكومة تبرر إجراءاتها بأنّها إصلاحاتٌ ضروريّة إلا أنّ كثيرين يرون أنّها تُحمّل المواطن وحده كلفة الفشل الإداريّ، والفساد المتراكم وابتلاع السوق والتفكير بمنطق فائض الربح، الذي سيؤسس لمنظومات ماليّة ينخرها الفسادُ من كلّ حدب وصوب، والمواطن لا زال ساعياً باحثاً عما يسدّ عليه فجوات الحياة اليوميّة ومتطلباتها.
ورغم تبريرات الحكومة الانتقاليّة؛ فإنّ الشارع يرى أنّ أيّ إصلاح لا يبدأ بتحسين المعيشة ومحاربة الفساد؛ سيظل قراراً فاقداً للشرعيّة الشعبيّة فالكهرباء في سوريا لم تعد مجردَ خدمة عامة بل مرآةً تعكسُ عُمقَ الانقسامِ بين وعود السلطة وواقع الأهالي.
مع انقطاع الكهرباء الحكوميّة وارتفاع أسعارها، لجأت آلاف الأسر إلى المولداتِ الخاصة، التي أصبحت بدورها مصدر استنزاف ماليّ في دمشق وصل سعر الأمبير الواحد إلى ما يعادل 100 ألف ليرة شهرياً، في حين لا تتجاوز القدرة الشرائيّة للمواطنين هذا الحد.
حتى أصحاب المولدات يؤكدون أن أسعار المازوت المرتفعة وصعوبة تأمين الوقود تجعل الاستمرار في العمل مغامرة غير مضمونة وبينما تتحدث الحكومة عن تشجيع الطاقة الشمسية؛ فإن تكلفة تركيب منظومة بسيطة تتجاوز 15 مليون ليرة سورية، وهو مبلغ يعادل راتب موظف لمدة ثلاث سنوات.
رفع سعر الكهرباء في هذه المرحلة يُعدّ قراراً غير واقعيّ، لأنّ الاقتصاد السوريّ غير منتج، والدخل لا يسمح بتحمل أعباء إضافيّة فدخل الموظف البسيط مع كل الزيادات يكاد لا يصل الى مليون ليرة سورية، وفي المقابل إذا استهلك كهرباء بالحد المتوسط؛ سيتكلف ضعف هذا المبلغ، وبالتالي لا قدرة أصلاً للاستفادة منها فبدلاً من رفع الأسعار، كان الأجدر بالحكومة مكافحة الفساد في قطاع الطاقة، وتحديث الشبكات المتهالكة التي تُهدر نصف الإنتاج.
فمنذ عام تقريباً بشّرت الحكومة الانتقاليّة السوريين بانفراج وشيك في ملف الكهرباء بعد توقيع اتفاق الغاز الأذري، الذي قيل إنّه سيغذّي محطات التوليد ويُنهي معاناة الانقطاعات الطويلة لكن ما جرى على الأرض كان عكس الوعود تماماً؛ فالظلام ما زال سيد الموقف وساعات التقنين تتزايد بدل أن تتراجع، فيما يجد السوريّ نفسه أمام فواتير باهظة وخدمة شبه معدومة.
فرفع سعر الكهرباء في بلد يعيش أزمة إنسانيّة خانقة لا يمكنُ أن يُفهمَ إلا كجزءٍ من سياسةِ تحميلِ المواطن عبء الانهيار، الذي مهما حاولت الحكومة الانتقاليّة إخفاءه وراء ستار الوعود، التي لم تُنفذ على الأرض فجرى الحديث عن الغاز الأذريّ، وأنّه سيساهم في مدّ سوريا بالطاقة وإنتاج الكهرباء، لكن المواطن لم يكن يدرك أنَّ هذه الصفقة التجاريّة ستكون على حسابِ قوته المتهالكة أصلاً.
البطالة والجوع سلاحان مسلطان على رقاب السوريين
القرارات الخاطئة التي تتخذها الحكومةُ الانتقاليّة أدّت إلى موجاتٍ جديدةٍ من الهجرةِ الداخليّة، حيث تغادر الأسر المدن الكبرى نحو الريف بحثاً عن حياةٍ أقل كلفةً، أو الاعتماد على بدائل بسيطة للطاقة ليبقى السوريّ محاصراً بين ظلام الانقطاع وظلم الفواتير وبين وعود الإصلاح ومحدوديّة الدخل.
حسب تقديرات اقتصاديّة محلية، تجاوز معدل البطالة في سوريا خلال العام الأخير 45% فيما يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر وذلك بسبب توقف عجلة الاقتصاد، وتبعات الحرب التي استمرت أكثر من 14 عاماً أدّت لتوقف المصانع الصغيرة، وهروب رؤوس الأموال، وانكماش السوق الداخليّ لكن القرارات الحكوميّة الأخيرة ساهمت في توسيع دائرة الفقر والعجز بدل الحد منها.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه الشباب فرصَ عملٍ حقيقيّة تتجه الحكومة الانتقاليّة إلى تسريحِ موظفين من القطاع العام تحت ذرائع الإصلاح الإداريّ، وتقليص النفقاتِ تاركةً آلاف الأسر بلا مصدرِ دخلٍ، وهو ما يوسّع دائرة البطالة والجوع ويعمّق جراح السوريين الخارجين من تحت أنقاض الحرب السوريّة.
فهؤلاء المفصولون لم يجدوا بدائل عمل، فالسوق مشبع والعروض نادرة، ما زاد من معدلات الفقر والاعتماد على المساعدات الإنسانيّة، وهو ما يبقي سيفَ الجوعِ والعوز مسلطاً على رقابِ السوريين الذين ينظرون إلى أبسط حقوقهم المشروعة على أنّها إنجاز خارق للحكومة.
فلم يكدِ المواطن السوريّ يستوعب تداعياتِ الغلاء المستمر حتى فوجئ بقرار رفع أسعار الكهرباء، رغم إن تغليف القرار الصادم بوعود الإصلاح التي تهدف إلى استمراريّة الخدمة إلا أنّ الحقيقة أن الكهرباء، التي تعد عصب الحياة وعصب دوران عجلة الاقتصاد مرتفعة بشكل كبير جداً يفوق الخيال، وهو ما سيعرقل أي أفق لتخطي واقع البطالة لأن العجلة التشغيلية ستكون شبه متوقفة.
ففي الأسواق السوريّة لا يحتاج المواطن إلى بياناتٍ رسميّةٍ ليدرك حجمَ الكارثةِ، فأسعار السلعِ الغذائيّة تتجاوز متوسطَ دخلِ المواطنِ بأضعاف مضاعفة حتى أبسط السلع باتت تشكّل هاجساً كبيراً للمواطن خلال رحلة تأمينها فالخبز والزيت والسكر، التي كانت تُعتبر أساسيات البقاء باتت تُشترى بالقطارة. ولم يستفد من هذا الواقع إلا منظومات الفساد المستشرية التي لم تتغيّر، وإنّما لبست قناعاً مختلفاً عن ذاك الذي كانت ترتديه منظومات النظام السابق في بداية عملها، ورفعت الحكومة الانتقاليّة شعاراتِ محاربة الفساد وتحسين مستوى المعيشة، لكن السوريين اليوم يواجهون معضلةَ الوعودِ التي لم تتخطَ سياقَ الشعارات السياسيّة.
فبدلاً من معالجة الأسباب الجذريّة للأزمة كإصلاح القطاعات الإنتاجيّة ودعم الفلاحين والعمال ركّزتِ الحكومةُ على إجراءاتٍ ماليّةٍ أضرّت بالطبقة الوسطى والفقيرة، وهددت هذه السياسة الاستقرار الاجتماعيّ والسياسيّ؛ لأنّها تولّد إحباطاً عاماً وانعدام الثقة بين المواطن والسلطة.
فالمواطن الذي صمد تحت وطأة ظروفِ الحربِ، والعقوبات يجد نفسه اليوم يصارع الجوعَ والبطالةَ وقراراتٍ لا تراعي واقعه، وبينما تتحدث الحكومة عن الإصلاح الاقتصاديّ، يعيشُ الأهالي في واقعٍ أليمٍ لا سبلَ لحله أو لتحقيق انفراجات جوهريّة تجعلُ الحكومةَ محلّ ثقةِ المواطنين.
ومن جملة الأمثلة الكثيرة أنّ القضايا التي كانت منظورةً أمام المحاكم بسببِ أوامرَ إداريّةٍ من المكتب الاقتصاديّ، الذي كان تابعاً لأسماء الأسد وتنفذ قراراته فروعٌ أمنيّة، وبمرور نحو سنة على سقوط النظام السابق؛ مازالت المحاكم تتابع تلك القضايا، إذ لم يصدر قرار بإلغائها رغم عدم استنادها إلى أيّ نصٍ قانونيّ. وكانت الحواجز الأمنيّة تعتقل الأهالي تعسفيّاً بذريعةِ ضبط مبالغ بحوزتهم تتجاوز مائتي ألف ليرة، وصودرت المبالغ منهم وأوقف صرف رواتب الموظفين لعدة أشهر. ويفترض بسقوط النظام وقف كلّ تلك القضايا الجائرة.
خيارات الإصلاح
سوريا اليوم تعيشُ على وقعِ أزماتٍ متشابكةٍ لا تفصل بين السياسة والاقتصاد فالركود السياسيّ وغياب مؤسسات الدولة الفاعلة على أساس وطنيّ جامع واستمرار الانقسام الإداري بين مناطق النفوذ، كلها عوامل عمّقت الفقر والعجز الماليّ وأفقدتِ السوريين الثقة بمستقبلهم.
وفي مواجهة هذا الواقع المأزوم تقفُ الحكومةُ الانتقاليّة أمام تحدٍ مصيريّ فلم تحسم بعد استحقاقات السياسة والحكم الرشيد الذي قد يفضي الى إحداث اختراق سياسيّ ينعكس على الاقتصاد. فمنذ اللحظة الأولى لتسلم الحكومة الانتقاليّة إدارة البلاد أدرك السوريون، أنّ أيّ تحسّنٍ اقتصاديّ لن يكون ممكناً دون تسويةٍ سياسيّةٍ شاملة، وغياب الاستقرار السياسيّ يعني غياب الاستثماراتِ وتراجع العملة وازدياد معدلات الفقر والبطالة.
الاقتصادُ السوريّ لم يتدهور فقط بسببِ نقص الموارد، بل بسبب غيابِ القرار الوطنيّ المستقل وتشتت الإدارة العامة، ولا يمكن جذب رؤوس الأموال في ظلِّ انقسامٍ سياسيّ وغياب الثقة والقانون، ويؤكد خبراء الاقتصاد، أنّ خيارَ الحلَّ السياسيّ ليس خياراً تجميليّاً بل شرطاً أساسيّاً لبقاءِ الدولة ذاتها، وامتلاك القرار السياسيّ يمثل الخطوة الأولى لبناء سياسةٍ ماليّةٍ متوازنةٍ، وخلق مناخٍ استثماريّ مستقر، وهذا وحده ما يمكن أن يدفعَ عجلة الاقتصاد إلى الأمام.
وتواجه الحكومة الانتقاليّة معضلة الشرعيّة والتمثيل، وشرعيتها المؤقتة لا تكفي لتلبية تطلعات السوريين الذين ينتظرون دستوراً جديداً وانتخابات حرة، وإدارة لا تقوم على المحاصصة، والأحداث الكبيرة التي وقعت ما بعد سقوط النظام عمّقت الشرخَ الاجتماعيّ، الذي لن يخدم مستقبل سوريا وتطلعات السوريين.
من أبرز التحدياتِ التي تواجه الحكومةَ الانتقاليّةَ، هي الانقسام المجتمعيّ والسياسيّ العميق الذي خلّفته الحرب، ولذلك فإنّ المصالحةَ الوطنيّة ليست مبادرةً رمزيّةً، بل شرطاً لاستعادةِ السلم الأهليّ والاستقرار الذي يعد بيئةً ملحّةً لإنعاشِ الاقتصادِ السوريّ وتخفيفِ الأعباء عن المواطنين الذين أنهكتهم الحرب الطاحنة لسنواتٍ طويلة.
ومن هنا تبرز الحاجةُ إلى عقدٍ اجتماعيّ جديدٍ يعيدُ تعريفَ العلاقةِ بين السلطةِ والمجتمع، ويُؤسس لنظام حكم مدنيّ ديمقراطيّ قائم على المشاركة والمساءلة ويكون ضامناً للحقوق السياسيّة والمدنية لجميع المواطنين دون تمييزٍ، ويعيد توزيعَ السلطة والثروة بما يمنع تكرار هيمنة المركز ويقرُّ مبدأ اللامركزيّة الإداريّة كخيارٍ لإدارةِ البلاد بعد الحربِ.
مع الواقعِ المرير الذي تعيشه سوريا اليوم تقفُ الحكومة الانتقاليّة على مفترقِ طرقٍ، فإما أن تطلقَ عمليةً سياسيّةً جريئةً وشاملةً تنهي عقودَ الاستبدادِ والفساد، وتمهّد لاقتصادٍ قوي ومتين أو تبقى تدور في حلقةٍ مفرغة من الأزمات المتراكمة، ولن يتحقق تحسين الاقتصاد السوريّ عبر زيادة محدودة في الرواتب مع رفع الأسعار أو قرارات ترقيعيّة كما كان يفعل النظام السابق، بل عبر بناء دولة قانون ومؤسسات يشعر فيها المواطن بالانتماء والثقة.
No Result
View All Result