No Result
View All Result
الطبقة/ عبد المجيد بدر ـ تقع مسكنة شرق حلب على ضفاف نهر الفرات، وتضم 32 ألف نسمة و86 كومينًا، وتدار حاليًا من الإدارة الذاتية الديمقراطية، وتشتهر بالزراعة والآثار التاريخية، وتواجه تحديات في الكهرباء والخدمات الصحية، فيما تستمر المدارس والأسواق والمجتمعات المحلية في الصمود وإعادة الحياة اليومية بعد سنوات النزاع.
على بعد 90 كيلومترًا شرق حلب، و110 كيلومترات شرق الرقة، تقع مدينة مسكنة على ضفاف نهر الفرات، وتحدها من الجنوب البادية الشاسعة، المدينة التي شهدت عقودًا من النزاعات المسلحة والحروب المتتابعة، بدأت اليوم تستعيد نشاطها تدريجيًا، مع عودة الحياة إلى مدارسها وأسواقها وحقولها الزراعية، في ظل إدارة الإدارة الذاتية الديمقراطية، التي تسعى لإعادة الخدمات وتحقيق الاستقرار، مع المحافظة على تاريخ المدينة وتراثها الثقافي والاجتماعي.
أصل تسمية المدينة
وسُميت المدينة باسم مسكنة نسبةً إلى مدينة بالس القديمة، التي كانت تتعرض للحرائق المتكررة، كان الأهالي قديماً يذهبون لمشاهدة الحرائق ويسألون بعضهم: “أين كنت في المسجنة؟” وهي كلمة باللهجة المحلية تشير إلى مكان الحريق أو المدينة المهدمة، وعند بناء المدينة الجديدة في موقعها الحالي، تم اعتماد الاسم تخليدًا لذاكرة المكان، وفق ما يروي كبار السن الذين عاصروا تأسيس المدينة الحديثة.
الموقع والمساحة العامة
وتمتد المدينة العمرانية على نحو 30 كم، فيما تبلغ مساحة المدينة مع الريف ما يقرب من 130 كم، وتشمل نحو 75 قرية، و86 كومينًا. يصل عدد سكان المدينة وحدها إلى 2500 نسمة، بينما يقدر إجمالي السكان في المدينة والريف بنحو 32000 نسمة، ويعيشون في نسق عشائري متنوع يشمل عشائر “خفاجة، والبو خميس، والنعيم، والجريات، والبومانع، والبو صلاح، وجعابات، والعنوز”.
ويتركز النشاط الاقتصادي والاجتماعي داخل المدينة، فيما يواجه الريف تحديات إضافية في الخدمات والبنية التحتية.
التحولات العسكرية والسياسية
ومرت مسكنة بمراحل من النزاع:
2012-2013: دخول الجيش الحر، ما أدى إلى تغييرات سريعة في الإدارة المحلية.
2013-2014: سيطرة جبهة النصرة، مع تغييرات مؤقتة في الأمن المحلي والأنشطة الاقتصادية.
2014-2017: سيطرة مرتزقة داعش، التي فرضت نظامًا صارمًا وأثرت على الحياة الاجتماعية والخدمات.
2017: استعادة النظام السوري السيطرة بعد انسحاب داعش، لتشهد المدينة فترة من الاستقرار الجزئي.
أواخر 2024 ـ إلى الثامن من كانون الأول: تقدم هيئة تحرير الشام على مناطق سيطرة النظام السابق، قبل استقرار الوضع تحت إدارة الإدارة الذاتية الديمقراطية ووجود قوات سوريا الديمقراطية.
الإدارة والخدمات العامة
وتدير المدينة حاليًا الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا بالمجلس المدني والبلدية ودار المرأة، إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية وقوى الأمن الداخلي (الأسايش)، وقوات حماية المجتمع، والشرطة العسكرية.
فالكهرباء متوفرة 24 ساعة في المدينة، بينما تصل إلى نحو 20% فقط من القرى الريفية، في حين يعاني 80% من السكان خارج المدينة من انقطاع مستمر أو ضعف كبير في التيار الكهربائي. هذا الفارق يعكس تحديات توزيع الطاقة، ويستدعي تحسين الشبكات وتعزيز محطات التوزيع لتغطية كامل القرى والمراكز الريفية.
الخدمات الصحية وواقع التعليم
ولا توجد مستشفيات في المدينة، ما يضطر الأهالي للانتقال إلى دير حافر أو حلب لتلقي العلاج، وتتولى ثلاثة أفران توفير الخبز، فيما يقام السوق الشعبي يوميًا كل ثلاثاء، لتغطية احتياجات السكان من المواد الغذائية والخدمات اليومية.
وتضم المدينة وريفها 107 مدارس، منها 52 مفعلة، يشرف عليها المجمع التربوي، الذي يضمن تطبيق منهاج الإدارة الذاتية الديمقراطية، ويبلغ عدد الطلاب نحو 17200، بينهم 8000 ضمن الدوام اليومي، ويعمل في التعليم ما يقرب من 225 معلمًا ومعلمة. هذا القطاع يعد ركيزة أساسية لإعادة استقرار المدينة بعد سنوات الانقطاع، ويعكس جهود الإدارة الذاتية للحفاظ على التعليم وتطويره رغم الظروف الصعبة.
الزراعة والمحاصيل الاقتصادية
وتمثل الزراعة العمود الفقري للاقتصاد المحلي، إذ تمتد الأراضي الزراعية شرق المدينة على نحو 16000 هكتار. تُروى الأراضي بالضخ من محطة ضخ مشتركة يابانية التصميم على الضفة اليمنى لبحيرة الفرات، ومحطات تشرين والجلاء، ويلجأ بعض الأهالي إلى الري بالسواقي والقنوات التقليدية. ويزرع أهالي مسكنة القمح، والشعير، والذرة الصفراء، والفول الأخضر، والعدس، والسمسم، والكمون، والقطن، والشوندر السكري محصول تقليدي سابقًا.
المحطات الرئيسية للضخ
وتشمل المحطات الرئيسية للضخ:
ـ المضخة المشتركة اليابانية: خمس مجموعات ضخ، كل منها بقدرة 5 م³/ثا، وارتفاع 70 م³/ثا، مزودة بنظام قيادة وتحكم إلكتروني حديث، لتروي الأراضي الزراعية بمساحة تصل إلى نحو 17,661 هكتاراً.
ـ محطة تشرين: شرق معمل السكر والشمال من المزرعة الأولى، تخدم نحو 550 هكتارًا، وتغذي 600 عائلة، كما تصل المياه لمحطة مسكنة عبر قناة Rako MC.
ـ محطة الجلاء: غرب معمل السكر وعلى بعد كيلومتر واحد من أوتوستراد حلب – الرقة، تغذي نحو 600 هكتار، وتستفيد منها 400 عائلة، متصلة بقناة MC11.
وكلتا المحطتين مزودتان بثلاث مضخات عمودية بقدرة 75 حصاناً لكل مضخة، لضمان استمرارية الري وتحقيق إنتاجية مستدامة.
الطاقة والكهرباء العامة
وتعتمد المدينة على المحطة الفرنسية الواقعة شمال وشرق قريتي وضحة والحايط، التي تربط بين سد الفرات وسد تشرين والمحطة الحرارية. قبل الأحداث الأخيرة، كانت المحطة تحتوي على محولتين بقدرة 70 ميغا على توتر 230-66 ك.ف، وأخرى بقدرة 30 ميغا على توتر 66-20 ك.ف، تغذي نحو 200 مركز تحويلي، بما في ذلك محطات مياه الشرب. بعد الأضرار، التي تعرضت لها المحطة، بقيت تعمل محولتان بقدرات مختلفة، مع بعض القيود في التوزيع، خاصة للقرى النائية.
الآثار التاريخية والحياة الاجتماعية والتقاليد
وتحمل مسكنة إرثًا تاريخيًا غنيًا، من بارباليسوس الرومانية، بالس الإسلامية، وإيمار البرونزية. والحفريات كشفت شوارع مرصوفة، ومنازل منظمة، وصالات اجتماعات للوجهاء، وليست معابد كما كان يعتقد سابقًا. والمكتبة النصوصية المكتشفة بالأكادية والحورية والكنعانية تشير إلى مركزية إيمار كعاصمة لمملكة امتدت حتى جبل بشري جنوبًا، قبل دمارها بحريق هائل في القرن الثاني عشر قبل الميلاد.
والحياة الاجتماعية في المدينة محافظة على تقاليدها، من أفراح وأتراح، إلى اللباس الشعبي التقليدي مثل العقال، والجمدانة، والشماخ العربي، والكلابية، والزبون، والصاية.
الأسواق الأسبوعية والأنشطة اليومية تعكس محاولات الأهالي إعادة الحياة بعد سنوات النزاع، وتوضح قدرة المجتمعات الريفية على الصمود وإعادة البناء.
هذا، وتبرز مسكنة نموذجًا حيًا لتوازن بين الماضي والحاضر، بين الزراعة والتعليم والطاقة والخدمات، وبين التاريخ والحياة اليومية، محافظة على إرثها الثقافي والاجتماعي، مع استمرار جهود إعادة البناء وتحقيق الاستقرار للمدينة وريفها.
No Result
View All Result