No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شهد العالم أكثر من خمسين حربًا أهلية، امتدت من اليونان إلى رواندا، ومن نيكاراغوا إلى السودان، مخلّفةً وراءها أكثر من خمسة وعشرين مليون قتيل، وملايين المهجرين، ومجتمعات ممزقة. هذه الحروب لم تكن مجرد انفجارات عشوائية للعنف، بل كانت انعكاسًا لأزمات بنيوية في الدولة الحديثة: هشاشة المؤسسات، انقسامات الهوية، تدخّلات خارجية، وغياب العدالة .
سوريا، التي تعيش منذ عام 2011 في قلب أزمة مركبة، تقف اليوم على مفترق طرق تاريخي، بين إعادة إنتاج الكارثة أو انتهاج مسار جديد يقيها من الانزلاق نحو حرب أهلية شاملة. في هذا السياق، يبرز مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية كأحد أهم المبادرات السياسية والاجتماعية القادرة على إخراج سوريا من دوامة الفوضى، وبناء هوية وطنية جامعة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الحروب الأهلية غالبًا ما تنشأ في أعقاب تفكك الإمبراطوريات أو انهيار الأنظمة المركزية، حيث يبرز فراغ السلطة وتتصارع المكونات المجتمعية على النفوذ. هذا ما حدث في الجزائر بعد الاستقلال، وفي الكونغو، وفي السودان، حيث غابت المؤسسات الجامعة، وتفككت الهوية الوطنية لصالح الانتماءات العرقية والدينية. سوريا ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل تعاني من إرث طويل من التهميش، والاستبداد، والانقسامات المجتمعية التي غذّتها الأنظمة المتعاقبة، مستخدمةً مفهوم “الوطنية” كغطاء لقمع الآخر، وتكريس حكم مركزي إقصائي.
إن هيئة تحرير الشام، التي تسلمت مقاليد الحكم في سوريا منذ كانون الأول 2024، تكرّس هذا النهج ذاته، عبر تبنيها لمبدأ “من يحرر يقرر”، وهو مبدأ يعيد إنتاج منطق الهيمنة والاستفراد، ويغلق الباب أمام أي حوار وطني شامل. هذا النموذج لا يختلف عن تجارب الأنظمة السابقة في سوريا والعراق وليبيا، ولا عن نماذج الفشل في مالي والسودان والسلفادور، حيث أدى الإقصاء إلى تفكك الدولة، وانهيار الهوية الوطنية، واندلاع الحروب الأهلية.
في المقابل، يقدّم مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية نموذجًا مغايرًا، يقوم على الاعتراف بالتنوع، واحترام الخصوصيات الثقافية، وبناء مؤسسات تشاركية قاعدية، تضمن تمثيلًا حقيقيًا لكافة الشعوب، هذا المشروع لا يسعى إلى فرض هوية واحدة، بل إلى بناء هوية وطنية جامعة، تنبذ الانقسامات الضيقة، وتؤسس لأواصر المحبة والتآخي والعنفوان. إنه مشروع يعيد تعريف الوطنية، لا بوصفها ولاءً للسلطة، بل التزامًا بالعدالة، والمساواة، والعيش المشترك.
لقد أثبتت تجارب دولية أن الخروج من الحرب الأهلية لا يتم إلا عبر العدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية، وإعادة صياغة الدستور بما يتوافق مع واقع المجتمع. في جنوب أفريقيا، نجحت هذه المقاربة في تجاوز إرث الفصل العنصري، وفي رواندا، أعيد بناء الرموز الوطنية لتكون أكثر شمولًا. سوريا اليوم بحاجة إلى مقاربة مشابهة، لا تقوم على الهيمنة، بل على الشراكة، ولا على الإقصاء، بل على الاعتراف المتبادل.
الحرب الأهلية لا تقتل فقط الأجساد، بل تمزّق النسيج الرمزي الذي يربط الناس بوطنهم. ومشروع الإدارة الذاتية، بما يحمله من قيم ديمقراطية وتشاركية، هو فرصة تاريخية لإعادة نسج هذا النسيج، وبناء وطن لا يُختزل في سلطة، بل يُعبّر عن شعب متعدد، متساوٍ، ومصمم على الحياة. الإدارة الذاتية ليست فقط مشروعًا محليًا، بل هي جزء من حركة عالمية لإعادة تعريف الدولة، والهوية، والمواطنة. إنها تُجسّد ما فشلت فيه الدول المركزية، بناء وطن لا يُقصي أحدًا، ولا يُقدّس السلطة، بل يُكرّس الإنسان.
إن سوريا، التي دفعت ثمنًا باهظًا للحروب، والانقسامات، والاستبداد، تستحق اليوم فرصة جديدة. ومشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية هو هذه الفرصة، ليس لأنه مثالي، بل لأنه واقعي، أخلاقي، وتشاركي. إنه مشروع لا يُنقذ سوريا فقط من حرب أهلية محتملة، بل يُعيد تعريف الوطنية بوصفها التزامًا بالعدالة، والكرامة، والعيش المشترك.
No Result
View All Result