No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
تحرير شنكال من أبرز المحطات التاريخية في مسيرة نضال المجتمع الإيزيدي وقوات الحرية في كردستان، وقف العالم مدهوشاً أمام هول الكارثة التي تعرض لها المجتمع الإيزيدي الآمن في مناطقه، ففي الثالث من آب عام 2014، تعرض الإيزيديون في شنكال لهجومٍ همجي من مرتزقة داعش الإرهابي، الذي ارتكب واحدة من أبشع جرائم الإبادة في التاريخ الحديث، فقتل الآلاف من الرجال، وسبيت النساء، وبِيع الأطفال في أسواق النخاسة، ودُمّرت القرى والمزارات الدينية الإيزيدية، وسط هذا الظلام الدامي، خذلتهم معظم القوى الموجودة في المنطقة، ولم يبق أمامهم سوى إرادتهم الحرة وإيمانهم بحقهم في الحياة.
قدوم مقاتلي الحرية
وفي تلك اللحظات التاريخية الصعبة، التي كان يمر بها المجتمع الإيزيدي، الذي لم يكن لديه لا حول ولا قوة، نزلت الأسود من الجبال، أحد عشر مقاتلاً أسطورياً من قوات الدفاع الشعبيHPG تمركزوا في نقاط استراتيجية، وبدؤوا في مساعدة الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ في الوصول عبر جبل شنكال إلى ممر إنساني قامت بفتحه وحدات حماية الشعب YPG للوصول بهم إلى بر الأمان في روج آفا، هؤلاء المقاتلون الأبطال استطاعوا إنقاذ حياة عشرات الآلاف من الإيزيديين المحاصرين من الموت عطشاً وجوعاً، كان تدخل هذه القوات الشرارة الأولى، التي منحت الأمل لمجتمع على حافة الفناء، ومنذ تلك اللحظة، بدأت مرحلة جديدة من المقاومة والتحرير.
تحرير شنكال وحمايتها
معارك ضارية خاضتها قوات الدفاع الشعبي إلى جانب وحدات حماية الشعب وحماية المرأة القادمة من روج آفا، والبعض من قوات البيشمركة الذين تكاتفوا معاً، وبعد جهود جبارة وقتال بطولي ضد مرتزقة داعش الإرهابي، تم تحرير مدينة شنكال بتاريخ 13 تشرين الثاني 2015، هذا التحرير لم يكن انتصاراً عسكرياً بقدر ما كان عبارة عن ولادة لروح جديدة في المجتمع الإيزيدي، وإعلان بداية عهد جديد من التنظيم الذاتي والدفاع المشروع. وبعد التحرير، كان لا بد من تأمين حمايتها، وبالفعل فقد تشكّلت وحدات حماية شنكال YBŞ من رحم هذه المقاومة، وأصبحت قوة منظمة هدفها الدفاع عن الأرض والمجتمع، ولتصبح تعبيراً حياً عن إرادة الإيزيديين في حماية أنفسهم وعدم الاعتماد على أي قوة خارجية، فتأسيس هذه الوحدات لم يكن عملاً عسكرياً فحسب، بل تجسيد لفلسفة “الدفاع الذاتي” التي أكدت أنه بمقدور الإيزيديين على حماية مجتمعهم من الإبادة إن نظموا أنفسهم بشكل جيد.
تشكيل قوات إيزيدخان
وبعد التحرير، بدأت مرحلة تنظيم المجتمع وإعداده بشكل يستطيع الحفاظ على ذاته وحماية نفسه من أي هجمات أخرى، تم تأسيس الإدارة الذاتية عبر مجلس لشنكال الذي قرر إنشاء قوات حماية داخلية تحت اسم “قوات إيزيدخان” قوى الأمن الداخلي، والتي بالفعل ساهمت في تعزيز الدفاع المحلي وإعادة بناء المجتمع الإيزيدي على أسس من الكرامة والحرية، هذه القوات، مع وحدات حماية شنكال، شكلت درعاً واقياً للمجتمع في وجه أية تهديدات مستقبلية، وساهمت في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة بعد سنوات من الفوضى والدمار.
العودة إلى الإبادة رقم 74
ولم تكن مأساة شنكال حادثة معزولة في تاريخ هذه الديانة العريقة، بل عبارة عن حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاضطهادات التي طالت الإيزيديين على مدى قرون على يد العثمانيين ومن ثم خلفائهم الأتراك، وحسب الروايات التاريخية للمجتمع الإيزيدي، فإن ما جرى في الثالث من آب عام 2014 يُعد الإبادة رقم 74 التي استهدفت وجودهم وهويتهم الدينية والثقافية، ففي ذلك اليوم الأسود، اجتاحت مرتزقة داعش القرى الإيزيدية في شنكال، بعد هروب قوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، والتي كان من المفترض أن تحمي المنطقة والناس فيها، وارتكبت المرتزقة مجازر بشعة راح ضحيتها آلاف الرجال، ودُفن الكثيرون منهم في مقابر جماعية لا تزال تُكتشف حتى الآن.
نساء مختطفات وأطفال مفقودون
ولم تتوقف الجرائم عند القتل الجماعي، إذ اختطف داعش أكثر من ستة آلاف امرأة وطفل، حيث قام باستخدام النساء والفتيات سبايا وغنائم حرب، وقام ببِيعهن في أسواق النخاسة عبيداً في الرقة والموصل، بينما جرى فصل الأطفال عن عائلاتهم وتم تدريبهم في معسكرات خاصة وأطلقوا عليهم اسم “أشبال الخلافة”، وعلى الرغم من مرور أكثر من عقد من الزمن على هذه الفاجعة، ما تزال آلاف النساء والفتيات والأطفال الإيزيديين مفقودين، وسط غياب الجدية الدولية في تحريرهم أو محاسبة الجناة.
اعتراف دولي خجول بالإبادة
ورغم أن الأمم المتحدة والبعض من الدول الغربية قد وصفوا ما جرى في شنكال بأنها إبادة جماعية، لكن الاعتراف الدولي ما يزال خجولاً ودون المستوى المطلوب، حتى يومنا هذا لم يتم إنشاء محكمة خاصة لمحاسبة مرتكبي تلك الجرائم، التي ترتقي إلى مستوى جرائم حرب ضد الإنسانية، ولم يتم تقديم أية تعويضات عادلة للضحايا أو برامج فعالة لإعادة إعمار المنطقة المنكوبة، ولا يزال يعيش عشرات الآلاف من الإيزيديين في مخيمات النزوح بإقليم كردستان، يواجهون ظروفاً إنسانية صعبة وقاسية للغاية في ظل غياب شبه تام من جانب حكومة الإقليم والحكومة المركزية في بغداد.
تجاهل سياسي وتمثيل ضعيف
ورغم الوجود التاريخي للمجتمع الإيزيدي في مناطقه، والتي تعود إلى آلاف السنين، وعمق المآسي التي جرت بحقه خلال سنوات طويلة، لكنه لا يزال مهمشاً إلى الآن، فالإيزيديون لا يمتلكون تمثيلاً حقيقياً داخل برلمان الإقليم، ولا ضمن البرلمان الاتحادي العراقي في بغداد الذي يمتلكون فيه مقعداً واحداً بصفة كوتا، هذا التهميش الذي يشبه الإقصاء، دفع العديد من النشطاء الإيزيديين إلى القول، إن أصواتهم غالباً ما يتم استغلالها في صراع الأحزاب السياسية الكبرى، سواء على مستوى الإقليم أو العراق، بينما تبقى قضيتهم الجوهرية خارج أجندة القوى السياسية الكبرى سواء من ناحية إنصاف المجتمع الإيزيدي من حيث التمثيل البرلماني أو موضوع إعادة الإعمار.
العدالة المفقودة
لقد مضت عشر سنوات على المجزرة، ولا تزال شنكال جرحاً دامياً مفتوحاً في ضمير الإنسانية التي فقدت إنسانيتها سواء في العراق، أو في العالم، فلم يتم تأمين عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم فما بالكم بمسألة إعادة إعمار بيوتهم، التي دُمِّرت، ولم يتم إنصاف الضحايا بشكل عادل على الإطلاق، فالقضية الإيزيدية لا تحتاج فقط اعترافاً رمزياً خجولاً من المجتمع الدولي بقدر ما تحتاج عدالة وإنصافاً، والمقابر الجماعية ما تزال مفقودة، نساء وأطفال ما يزالون مفقودين، الاعتراف بحق المجتمع الإيزيدي لتمثيل نفسه وضمان تمثيله بشكل عادل في البرلمان والحكومة.
نماذج من رسائل القائد أوجلان للمجتمع الإيزيدي
توضح رسائل القائد والمفكر “عبد الله أوجلان” إلى المجتمع الإيزيدي، بأن المجتمع الإيزيدي عانى عبر تاريخه من الإبادة والاضطهاد والقمع، ودفع ثمناً باهظاً للحفاظ على ثقافته وهويته، وأنه حافظ على وجوده من خلال المقاومة، كما أكّد على دور المرأة كخطوة أساسية في بناء مستقبل الإيزيديين، وأن مستقبلهم يجب أن يبنى بقوتهم وإرادتهم، داعياً الى تأمينه عبر التنظيم الذاتي، وقال إن الدعوة إلى السلام والمجتمع الديمقراطي هي استجابة للمآسي التي تعرض لها الإيزيديون عبر التاريخ، مشدّداً على أن حرية الإيزيديين مترابطة مع حرية شعوب الشرق الأوسط.
وفي رسالته إلى كونفرانس المجتمع الإيزيدي: “إن الإيزيديين أوصلوا إشراقة الحياة الحرة إلى يومنا هذا، وإن النساء الإيزيديات لم ينحينَ أبداً، وأنه من حق الإيزيديين الطبيعي أن يبنوا نظامهم الخاص لكي يعيشوا بحرية وبهويتهم وإيمانهم، لا الدول السلطوية ولا المفاهيم القومية الضيقة تعترف بهذا الحق، لذا يكمن في نظام يقوم على المساواة وأخوة الشعوب، حيث يستطيعون إدارة أنفسهم. لقد انتهى زمن الإبادات”.
ونختتم برسالة القائد “عبد الله أوجلان” الموجهة الى رئاسة شنكال والمجتمع الإيزيدي في الذكرة العاشرة للإبادة التي ارتكبها “داعش” بحق شنكال وهذا نص الرسالة: “إلى إدارة شنكال والمجتمع الإيزيدي:
لستُ من الإيزيديين، لكنني حملت معاناتكم وهويتكم كأنها تخصني شخصياً، لن تُرتكب مذبحة أخرى بحقكم مرة أخرى، هذا الظلم لن يُعاد بأي شكل من الأشكال، لن أتخلى عن المطالبة بمحاسبة من ارتكبوا المجازر الأخيرة، سأتابع طريق النساء والأطفال الذين تم اختطافهم، سأبذل جهدي حتى النهاية من أجل تحريرهم وتحقيق العدالة، لقد حمّلت نفسي مسؤولية أن نبني تلك الأيام القادمة معًا، أيام تعيشون فيها بحرية، وتواصلون ثقافتكم بكرامة واعتزاز، احترامي لكم كبير جداً، سأدافع عن وجودكم وحقوقكم، لقد استلمت هديتكم القيمة، أعدكم بأننا سنلتقي يوماً، ويكون لباسكم فخراً يُلبس على كتفي، آملاً أن نصل إلى بعضنا في حوار قوي وحر.
8 أيلول 2025
تحياتي واحترامي
عبد الله أوجلان.
سجن إمرالي
No Result
View All Result