No Result
View All Result
كردستان يوسف
(إلى أرواح الأطفال الأبرياء الذين رحلوا في حريق سينما عامودا عام 1960، وإلى أمهاتهم الثكالى، اللواتي حملن الجرح طوال حياتهن).
وكأنها صفارة القطار على خط الشرق السريع تعلن نهاية يوم دراسي طويل في مدينة عامودا. ركض علي مع أقرانه في الشوارع الترابية، والضوء الأخير من شمس الخريف يلمع على وجوههم، وهم يخططون للغد. كان الغد هو اليوم الموعود. قال أحدهم بحماس: “سيعرضون فيلماً عن الجزائر”.
وأضاف آخر: “ويقولون إن فيه البطلة جميلة بوحيرد”.
كانت مخيلتهم الطفولية تصنع من جميلة بطلة خارقة، تقاتل الأشرار بسيف من نور كما في الأفلام التي يتهامسون عنها في فناء المدرسة. لم يكونوا يعلمون أن البطولة الحقيقية قد تكون في هيئة امرأة لا عضلات لها، ولا سيف من نور تحارب به.
قال علي بصوت خافت: “المدير قال إن على كل تلميذ أن يدفع خمسة وعشرين قرشاً”.
خمسة وعشرون قرشاً. لم تكن مجرد فرنكات معدنية، بل كانت جبلاً يعترض طريق حلم صغير، عاد علي إلى البيت متثاقلاً. رأى أمه فريدة تحاول إشعال النار في “التنور” ببقايا حطبٍ رطب، والدخان يصعد سقف العالم العالي.
اقترب وقال: “ماما… المدرسة تريد خمسة وعشرين قرشاً للسينما غداً”.
لم ترفع فريدة رأسها، لكنها توقفت عن النفخ في الجمر، كان قلبها يعرف معنى تلك العملة أكثر من أي أحد، تركت التنور في صراع بين الدخان والجمر.
دخلت الغرفة، نظرت إلى علبة السكر الخزفية الفارغة، حيث كانت تخبئ آخر ما تملك، لم تجد فيها سوى الغبار. قالت بصوت متماسك يخفي وجعها: “لا تقلق يا ولدي… سأدبرها”.
خرجت من البيت بخطوات سريعة.
سمع علي همسات متقطعة عند بيت الجارة، ثم عادت وفي كفها قطعة فضية صغيرة تلمع كأنها أمل، وضعتها في يده بقوة وقالت: “إليك يا ابني هذه ربع ليرة”.
وفي ظهيرة اليوم التالي، كان علي وأقرانه يصطفون عند باب سينما “شهرزاد” مثل قطيع من العصافير المتحمسة، كانت الصالة تضج بضحكات الأطفال، وعيونهم تبرق بنور منبثق من الظلام، انطفأت الأضواء، وبدأت الموسيقا.
لكن الفيلم لم يكن عن الجزائر، بل فلم اسمه “جريمة منتصف الليل” مشاهد مرعبة، ظلال متراقصة، وصرخات تخترق العتمة. بدأ الخوف يتسلل إلى صدورهم الصغيرة، ثم… رائحة حريق، لم تكن رائحة خشب عادي، بل رائحة موت يتسلل في الهواء.
اشتعلت الستارة أولاً، ثم الجدران، ثم السقف المغطى بأكياس الخيش، تحولت الصالة إلى جحيم مصغر، والتدافع نحو الباب الذي يفتح إلى الداخل جعل منه فخاً بلا نجاة.
كانت أصوات الأطفال تتلاشى بين ألسنة اللهب، تتحول من صراخ إلى نشيج، ثم إلى صمت. في بيتها، شمت فريدة رائحة دخان مختلفة…نظرت من النافذة، فرأت عموداً أسود يصعد من جهة السينما.
لم تتردد.
شدت خفطانها على خصرها النحيل وركضت، كأن قلبها يعرف الطريق قبل قدميها، ما رأته خارج السينما كان أشبه بيوم القيامة، نار تتلوى، ودخان خانق، وصوت أطفال يختنق بالرجاء.
لم تفكر بعلي فقط، كانت أمومة مدينة بأكملها تسكنها في تلك اللحظة.
اندفعت نحو الجحيم.
كانت تمسك بطفل من يده وتجره إلى بر الأمان، ثم تعود.
طفل آخر، وجسد يحترق، تلفه بجزء من خفطانها المحترق وتنقذه، سبعة أطفال سحبتهم من بين أنياب النار، وجهها احترق، ويديها تورمتا، لكن عينيها ظلتا تبحثان عن علي.
وحين هدأت النيران قليلاً، وجدته، كان جسده الصغير مطروحاً قرب النافذة المحترقة، محاطاً بأصدقائه الذين نجوا، وبكثير من الأهالي الذين كانوا يبحثون في الرماد عن فلذات أكبادهم، حملته بين ذراعيها، تمشي به نحو البيت كمن تحمل العالم وهو يحتضر.
في اليوم التالي، امتلأت ساحة الجامع الكبير بالبياض، أطفال ملفوفون بأكفان صغيرة، وسماء تبكي رمادها.
ارتفع صوت المؤذن بالأذان، لكنه بدا كأنه نواح السماء.
– الله أكبر… الله أكبر…
صلى الملا على الأجساد الطاهرة، وصلى معه رجال عامودا، ودموعهم تبلل الأرض، ونحيب النساء يملأ العالم وجعاً وألماً.
مضى الموكب نحو تلة شرمولا، حيث دفنوا البراءة دفعة واحدة.
كانت المدينة كلها تبكي.
كانت النساء يرفعن أصواتهن بالنواح، كأنهن يطرزن ليل عامودا بأنين لا ينتهي.
لم تدفن فريدة ابنها فقط، بل دفنت معه فرحها الأخير.
بقيت في بيتها القريب من السينما الملعونة، تنظر كل مساء إلى عمودي المدينة العاليين، وكأنهما شاهدان أبديان على الذكرى.
أصبحوا ينادونها “يادي”، كل طفل في عامودا صار يناديها يادي، كأنها صارت أماً للمدينة كلها. لكنها؛ كلما سمعت صفارة القطار تعبر خط الشرق السريع، كانت تغمض عينيها، وتهمس: “تلك هي الصفارة نفسها… التي اشترت بها خمسة وعشرين قرشاً تذكرة لأبنائها إلى الجنة”.
No Result
View All Result