حنان عثمان
زاوية – بصمة امرأة
تزايدت في الآونة الأخيرة، حالات الانتحار بين النساء والشباب الإيزيديين، في ظاهرةٍ صادمة ومؤلمة تهزّ الضمير الإنساني، وتكشف عن أزمة عميقة يعيشها المجتمع الإيزيدي بعد سنوات من الإبادة والنزوح والاضطهاد.
هذا التصاعد المقلق لا يمكن النظر إليه كحوادث فردية معزولة، بل هو تعبير عن جرحٍ جماعيٍ لم يندمل بعد، وعن تراكماتٍ نفسيةٍ واجتماعيةٍ هائلة خلفتها مآسي السنوات الماضية.
تعود أسباب هذه الظاهرة إلى عوامل متشابكة. فالصدمة التي خلّفتها الإبادة الجماعية عام 2014 ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على الأجيال الشابة، التي كبرت وسط صور القتل والسبي والتهجير، دون أن تجد دعماً نفسياً أو بيئةً آمنة تعيد إليها الشعور بالانتماء والأمان. يضاف إلى ذلك الواقع الاقتصادي الصعب، وغياب فرص العمل والتعليم، والتفكك الأسري الناتج عن النزوح الطويل، فضلاً عن استمرار النظرة التقليدية التي تُقيّد المرأة وتحمّلها عبئاً مضاعفاً من اللوم والضغط الاجتماعي.
كما تلعب العزلة الاجتماعية ونقص الخدمات النفسية دوراً محورياً في تفاقم الأزمة، إذ يعيش كثير من الشباب حالة فراغ وجودي وغياب أفقٍ للمستقبل، بينما لا تزال المؤسسات الرسمية عاجزة عن تقديم برامج فعّالة للعلاج والدعم. هذه الحالة من اليأس تتحوّل تدريجياً إلى ما يشبه “الإبادة البيضاء” التي تفتك بالمجتمع بصمت، عبر تحطيم روحه من الداخل.
تداعيات هذه الظاهرة تتجاوز الجانب الإنساني لتضرب النسيج الاجتماعي برمّته. فخسارة كل شابة أو شاب تعني خسارة طاقة، وحلم، ومستقبل عائلةٍ بأكملها. كما تؤدي هذه الحالات إلى انتشار الخوف والإحباط بين الآخرين، وتغذّي مشاعر العجز الجماعي، ما يجعل من الانتحار شكلاً جديداً من الانكسار الذي يعيد إنتاج المأساة بطريقة أخرى.
إنّ مواجهة هذا الواقع يتطلّب وعياً جماعياً وعملاً منظّماً يضع الصحة النفسية في قلب أولويات المجتمع الإيزيدي. فالتربية، والمعرفة، والتنظيم، والدعم المتبادل هي الأسلحة الحقيقية لمقاومة هذه الإبادة الصامتة. وحده المجتمع الذي يختار الحياة رغم الألم، والذي يحوّل معاناته إلى وعيٍ ومقاومةٍ فكريةٍ وروحية، هو المجتمع القادرٌ على حماية شبابه ونسائه من السقوط في هاوية الفقد واليأس، وعلى صون جوهر الإيزيدية بوصفها ثقافة للحياة لا للموت.