No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ سقوط النظام السوري السابق في كانون الأول 2024، تسوَّق الحكومة السورية الانتقالية لنفسها باعتبارها بوابة سوريا إلى مرحلة جديدة من الإصلاح وإعادة الإعمار، عبر ما تصفه بـ”الانفتاح الاقتصادي” وجذب الاستثمارات الأجنبية. مشهد متسارع يظهر فيه الوزراء أمام عدسات الكاميرات، يوقعون اتفاقيات بمليارات الدولارات مع شركات “دولية” تتعهد ببناء مدن وأبراج وشبكات طاقة ومطارات وموانئ… لكن؛ كل ذلك لا يجد له صدى في حياة الأهالي اليومية، التي تزداد تدهوراً يوماً بعد يوم، مع ليرة منتهكة بلغت 12 ألفاً مقابل دولار واحد بحلول أواخر صيف 2025.
انهيار الليرة وتضخم الشركات الورقية
تبدو سوريا الجديدة – حكومةً وإعلاماً – كأنها تعيش في عالم موازٍ. تُعلن حكومتها عن أرقام فلكية، وصفقات استثمارية “استراتيجية”، لكنها تتغاضى عن واقع معيشي خانق يعيش فيه المواطن السوري في ظل واحد من أعلى معدلات التضخم في المنطقة، وانعدام الأمن الغذائي، وانهيار البنى التحتية، وتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة. هذه الهوة بين “أرقام الوهم” و”جوع الحقيقة” هي ما تحاول الحكومة الانتقالية إخفاءه عبر خطابات متلفزة وندوات اقتصادية تحمل طابعاً احتفالياً، لا يعكس سوى حالة إنكار رسميّة.
لكن؛ في أسواق دمشق وحلب وحمص وحماة، وفي شوارع المدن والبلدات التي استنزفها الخراب والحرب، تبدو الصورة مختلفة تماماً: طوابير طويلة على الأفران التي تقلصت حصصها من الطحين، ورشاوى تفرضها مافيات الكهرباء مقابل كل ساعة “تغذية”، وأسواق خالية من السلع الأساسية أو بأسعار لا تُطاق، ورواتب لم تعد تكفي سوى لبضعة أيام.
فماذا لو كانت تلك الأرقام التي يتم تسويقها ما هي إلا واجهات سياسية؟ وماذا لو لم تكن الشركات سوى أسماء بلا رصيد، وكل ما يجري الآن هو استكمال لنهج التبعية الذي يتزيّن برداء “التنمية”؟
ليرة معلّقة على حبل الاستثمارات الوهمية
في أواخر صيف 2025، اجتاحت موجة جديدة من انهيار السوق السورية، لتهوي قيمة الليرة مجدداً إلى مستويات غير مسبوقة، محطمة حاجز الـ12 ألف ليرة للدولار الواحد. كان ذلك بمثابة انهيار نفسي ومعيشي، لا يحتاج المواطن السوري إلى نشرات اقتصادية حتى يدرك آثاره الكارثية، إذ كانت الأسواق وحدها كفيلة بأن تروي القصة المريرة يوميًا.
فالخبز الذي ارتفع سعره بشكل غير رسمي، واللحم الذي صار مادة غائبة عن موائد كثير من الأسر، وأسطوانة الغاز التي بات تأمينها يتطلب ثروة صغيرة، والدواء الذي صار حكراً على أصحاب الامتيازات أو من يملكون أبناءً في الخارج. حتى الشعور بالأمان الغذائي بات رفاهية مفقودة في بلد كان يُعرف في الماضي بخصبه الزراعي وتنوع موارده الغذائية.
في ظل هذا الانهيار، لم يعد القطاع العام قادراً على ضبط الحركة السعرية، ولم يعد التجار يثقون بالعملة المحلية لتسعير بضاعتهم التي باتت تعتمد بشكل مباشر على سعر السوق السوداء أو العملة الصعبة. فتراكم المشكلات بشكل حاد: أزمات خبز، وغياب السكر والشاي إلا في المحال المرتفعة الثمن، وانقطاع الأدوية رغم صدور مرسوم “دعم الصناعات الدوائية”، واختفاء السلع الأساسية وبيعها في السوق السوداء بأربعة أضعاف سعرها الرسمي، إضافة إلى تراجع القطاع الصناعي الذي أثقلته فواتير كهرباء تبلغ أحياناً أكثر من كلفة الإنتاج.
وهكذا، وبينما تتغنى الحكومة بالأرقام و”الاستثمارات الدولية التي ستنعش سوريا”، كانت الليرة – رمز السيادة الاقتصادية – تغرق أكثر في الوحل. كل “اتفاقية استثمار” كانت تقابلها على الأرض موجة ارتفاع جديدة في الأسعار. وما كان المواطن يدركه دون الحاجة لتحليلات الخبراء هو أن تلك المؤتمرات المنقولة على الهواء، ليست سوى “مراسم دفن” جديدة لقدرته الشرائية ولمستقبله.
أين ذهبت الـ 14 مليار دولار؟
في 19 آب 2025، خرجت الحكومة الانتقالية السورية بخطابها الأبرز هذا العام: توقيع تفاهمات بقيمة 14 مليار دولار في دمشق، مع شركات وُصفت بأنها “دولية” و”استراتيجية”. مشاريع عملاقة شملت خط مترو أنفاق في العاصمة، وإعادة تأهيل مطار دمشق الدولي، وبناء مجمعات سكنية حديثة، وشبكات اتصالات ذكية، فيما أطلق عليه الإعلام الرسمي “فتح بوابة الاستثمارات الكبرى على سوريا”. لكن؛ هذه الهالة الإعلامية لم تصمد أكثر من 48 ساعة، حين بدأ مدونون وخبراء اقتصاديون في تفنيد حقيقة تلك الشركات، ليكتشف السوريون أن ما سُوِّق على أنه انفتاح اقتصادي لم يكن إلا فخاً مخادعاً، بشعارات كبيرة ومضامين خاوية.
فأبرز تلك الشركات، الشركة المزعومة UBAKO “الإيطالية”، لم تكن سوى شركة مسجلة برأس مال 16 ألف يورو، لم يسدَّد بالكامل، وتملك موظفًا واحداً فقط! ولا يوجد لها أي مشاريع فعلية مسجلة في أي من قواعد البيانات الأوروبية. أما الشركة الثانية Polidef التي قدمت نفسها كـ”مستثمر تركي”، فلم يثبت وجودها في السجلات التجارية التركية، ولا في أي منصة دولية. وحين تم تتبع عنوانها الموجود على الموقع، تبيّن أنه مجرد مكتب فارغ في إسطنبول يُستخدم كبريد قانوني لـ 200 شركة ورقية أخرى!
ومع ذلك، كانت وسائل الإعلام الرسمية تعيد بث لقطات توقيع الاتفاقية نفسها على مدار الأسبوع، على ألحان الأغاني الوطنية وربطات العنق، دون أدنى إشارة إلى غياب أي ضمانات أو دراسات جدوى. الحقيقة أن تلك الاتفاقيات لم تتعدَّ كونها جزءًا من سياسة دعائية هدفها حجز مكان سياسي للحكومة الانتقالية، أكثر من كونها خطوة اقتصادية فعلية.
الفضيحة الأكبر كانت في غياب أي رقابة أو مساءلة. فهذه الشركات لم تُعرض على مجلس الشعب، ولم تُنشر تفاصيل عقودها على المنصات الشفافة، ولم تُفصَّل شروط الضمان أو مصدر التمويل، ما جعلها اتفاقيات يُحتمل أن تكون مجرد غطاء لشبكات نفوذ هدفها تمرير أجندات إقليمية.
معابر للوصاية لا للطاقة
في 23 أيار 2025، أعلنت وزارة الطاقة السورية الانتقالية أيضا عن توقيع اتفاق مع نظيرتها التركية لتزويد سوريا يوميًا بستة ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي، إلى جانب 1000 ميغاوات من الكهرباء. خطوة وصفت حينها بـ”التاريخية”، باعتبارها تعيد ربط سوريا بشبكات الطاقة الإقليمية. لكن؛ هذا الإعلان جاء ضربة على رأس السوريين الذين يجلسون تحت ظلام انقطاع الكهرباء، وبينهم عائلات باتت تضطر لاستخدام أخشاب الشرفات وأحجار الأرصفة لطهي طعامها أو تدفئة أطفالها. فبالإضافة إلى التفاوت الطبقي الذي انتشر داخل المدن بشكل واضح، كانت فاتورة الكهرباء قد ارتفعت رسميًا بشكل لم يسبق له مثيل، رغم انقطاع التيار في كثير من الأحياء لأكثر من عشرين ساعة يوميًا.
في الصورة الواسعة، قد يبدو هذا الاتفاق خطوة لرفع قدرة سوريا الكهربائية، أو خطوة “براغماتية” لحلّ أزمة الطاقة، لكن المتابعين للشأن السوري يعرفون أن هذا النوع من “الربط الطاقي” ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل بوابة سياسية لفرض النفوذ وتثبيته. فمنذ بداية كانون الثاني 2025، بدأت تركيا بإعادة صياغة تحركاتها داخل سوريا بطريقة أقل عسكرية وأكثر اقتصادية، بهدف ضبط النفوذ في الشمال وربط المرافق السورية خلال المرحلة الانتقالية بشبكات تركية، عبر اتفاقات أشبه بـ”وصاية اقتصادية” تحت ذريعة الإنقاذ.
بمعنى آخر، لم يكن الغاز القادم من تركيا سوى حبل تشابكي طويل المدى، يربط القرار السوري برقبة أنقرة، التي تستثمر بدقة في نقاط الضعف الاقتصادي السوري، من الكهرباء إلى المياه إلى المعابر البرية. وعلى الأرض، لم يشعر المواطن السوري بأي تحسن في مستوى التغذية الكهربائية رغم زيادة التعرفة، بل ازداد الوضع سوءاً، مع فراغ خزائن الدولة من قدرات تمويلية تواكب مشروع التوريد.
نظام اقتصادي يتغذّى من الانهيار
خلف الصورة الإعلامية للاتفاقيات والدعوات للاستثمار، تكمن شبكة معقدة من المصالح التي تتغذى على الانهيار، وتُعيد تدوير شروط التبعية تحت عناوين التنمية. فاللاعبون الأساسيون في هذا المشهد ليسوا رجال أعمال سوريين مستقلين، بل واجهات مالية مرتبطة بشبكات إقليمية، على رأسها مؤسسات تابعة للمحتل التركي، تستثمر في “مرحلة انتقالية” غير مستقرة سياسيًا، لكنها غنية بالثغرات التي تخولها للاستيلاء على مفاصل اقتصادية كاملة ضمن عقود طويلة الأمد.
ويبدو أن هذا المشهد يكرر، بطرق أخرى، ما جرى من قبل في دول شهدت انتقالات سياسية مضطربة، حيث يتم توقيع التزامات استثمارية ضخمة مع كيانات غير فاعلة تُسقط لاحقًا ولا تجد من يحاسبها، بينما يُحمَّل الشعب ديون تلك الاتفاقيات وجبال الفوائد الناتجة عنها.
الأزمة الأخلاقية في هذه العملية هي أن هذه العقود لا تُدار بشفافية، ولا يُضمن فيها أي مستوى من الحوكمة أو الضمانات لحقوق العمال أو القدرة على المنافسة. بل على العكس، تُعقد تلك الاتفاقيات مبكرًا في دولة خرجت لتوها من حرب، في لحظةٍ ضعيفة من عمر مؤسساتها الجديدة، دون برلمان فاعل أو سلطة قضائية راسخة.
وهنا تبرز معادلة خبيثة: كلما ازداد الانهيار، ازداد توغل المستثمرين الوهميين تحت غطاء “إنقاذ الاقتصاد”. وكلما انكشفت الألعاب المالية، كان المواطن هو الحلقة الأضعف، يدفع من صحته ومعيشته ثمن خيارات فئة سياسية عاجزة عن تقديم ما أسمته “البديل الوطني”.
من الانفتاح إلى الارتهان: سوريا على مفترق اقتصاد مرهون
خلال سنة واحدة فقط من عمر الحكومة الانتقالية، جرى ضخ كلمات ضخمة مثل “استثمار”، “إعمار”، “تفاهمات استراتيجية”، “الغاز الطبيعي”، و”شبكات طاقة إقليمية”… لكن النتيجة النهائية التي يلمسها السوريون على الأرض تختلف اختلافاً جذرياً عن هذه الشعارات.
على وقع الانحدار الاقتصادي، أغلقت آلاف الورش الصغيرة أبوابها، وهجرت أسر بأكملها عواصم المدن بحثاً عن سبل عيش في بلدات ريفية أو خارج الحدود، يُجبر فيه المواطن على التحول إلى مستهلك غير قادر على الإنتاج، أو مسافر خارج الديار.
وفي أعماق هذا المشهد، يلوح سؤال أكبر: هل سيكون الاقتصاد السوري حرّاً مستقبلاً، أم سيصبح مرهوناً بالكامل لاتفاقيات وقروض ووصايات خارجية جرى توقيعها خلال لحظة هشّة؟
الحقيقة أنّ الديمقراطية لا تُبنى على أكتاف شعارات اقتصادية مفرغة من مضمونها، وأنّ تحرير الشعوب لا يتم عبر “أرقام” لامعة على الشاشات، بل عبر نماذج فعلية من العدالة الاقتصادية، والشفافية المالية، وإنتاج الفرص لا الفقاعات. ولعل التجارب قد علمتنا أن التبعية التي تبدأ من بوابة “الاستثمار” غالباً ما تنتهي على مائدة “الاحتلال الناعم”.
واليوم، ومع تفاقم الأزمة المعيشية واحتجاجات عمالية بدأت تخرج في أطراف دمشق وحلب وحماة، تبدو سوريا كأنها تقف على حافة مواجهة جديدة، بين حكومة تُسَوِّق وهماً باسم التنمية، وشعب يعيش حقيقة قاسية بلا ضوء في الأفق.
No Result
View All Result