No Result
View All Result
بقلم مظلوم يوسف
سوريا… هذا الاسم الذي يشبه التاريخ حين يُنطق، ويشبه الذاكرة حين تتوجّع، بلدٌ جميل بجمال الكون، عريق بعراقة ترابه، متنوّع بتنوّع قلوب أبنائه. كانت سوريا في يومٍ من الأيام مرآةً للعالم؛ مهداً للحضارات، ومنارةً للثقافات، وموئلاً للديانات، وواحةً يتعايش فيها المختلفون بانسجام نادر في الشرق. لم تكن سوريا مجرّد وطن، بل كانت فكرةً عن الجمال، نموذجاً للتسامح، ومختبراً للهوية الإنسانية.
لكنّ الصراعات والتناقضات التي عصفت بها منذ أكثر من عقد ونيف، أنهكت جسدها، وجرّحت روحها. الحروب المتتالية حوّلت شوارعها إلى خرائط خوف، وبيوتها إلى ذاكرةٍ مشروخة.
لم يعد الصوت فيها للناي ولا للمقهى الدمشقي، بل صار للرصاصة ولنشرات الأخبار. تغيّرت ملامح الوطن، وتبدّلت صورة السوري في مرآة العالم، من المعلّم والطبيب والمثقف، إلى اللاجئ والتائه والضحية.
لقد خسر السوريون الكثير؛ خسروا أبناءهم وبيوتهم وأصدقاءهم، لكنهم خسروا قبل كل ذلك الثقة بالعالم. هاجر الملايين إلى المجهول، بحثاً عن كرامةٍ أو عن حياةٍ بسيطةٍ تليق بإنسانٍ تعب من الانتظار. ورغم كل هذا الوجع، لم تنطفئ شرارة الأمل في العيون التي تتذكّر وتُحبّ، فالبلاد التي عرفت أول أبجدية، وأول قانون، وأول مدينةٍ مسوّرةٍ في التاريخ، لا يمكن أن تُمحى من ذاكرة الوجود.
أين هي سوريا اليوم؟

إنها في مرحلة التحوّل المؤلم، في مخاضٍ عسيرٍ يشبه الولادة. سوريا تتوحّم على مستقبلٍ آخر، على طعمٍ جديدٍ للحياة، على وطنٍ لا يُبنى على الدم ولا على الطغيان، بل على العدالة والمواطنة. سوريا، الوليد القادم الحالم بإخوّة الشعوب، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، تتوق إلى فجرٍ تُولد فيه من رحم الوجع دولةٌ عادلة، مدنية، إنسانية، تتسع لكل أبنائها دون تمييز.
ربما تبدو اليوم متعبةً ومنهكةً ومتناقضة، لكنها في جوهرها ما زالت تحمل بذرة الانبعاث الديمقراطي. ذلك الانبعاث الذي سيأتي حين يدرك أبناؤها أن الوطن لا يُختصر في سلطة، ولا يُقاس بحدود، بل يُصنع من إرادة الأحياء الذين يرفضون الاستسلام.
No Result
View All Result