زاوية الدين والحياة ـ علي زاخراني
أيها الأحبة، تأملوا هذا المثال البليغ: الإسلام كالنهر الزلال، نبع من عينٍ صافية في قلب الصحراء، خرج نقيًّا طاهرًا، يسقي الأرض العطشى، ويمنح الحياة لكل من اقترب منه.
عينٌ تفجّرت بالإيمان، سالت منها الرحمة، والعدل، والصدق، والأخلاق. ذلك النهر العذب هو ما جاء به سيدنا محمد ﷺ، نهرٌ من الهداية والنور، يروي القلوب قبل الأجساد، ويغسل الأرواح من ظلمات الجهل والظلم والذنوب.
لكن مع مرور الزمن، ومع امتداد هذا النهر في طريقه الطويل عبر المدن والقرى، ألقى الناس فيه ما شاؤوا من أوساخهم، ونفاياتهم، وشهواتهم، ومصالحهم. خلطوا صفاءه بعاداتهم، وطهارته بأهوائهم، وحكمته بجهلهم، حتى تغيّر ماؤه، وتكدّر صفاؤه، وصار كثيرون ينظرون إليه فيقولون: “أين هو ذلك الإسلام الجميل؟ أين ذلك النور الذي أضاء الدنيا؟” ونسوا أن الإسلام لم يتغيّر… بل نحن الذين غيّرناه، نحن الذين لوّثنا مجراه بما صنعناه من البدع، والغلو، والتقصير، والتهاون.
أيها الإخوة، لو أننا سرنا عكس مجرى النهر، وعدنا إلى منبعه الأول، إلى تلك العين الزلال التي نبع منها الوحي، إلى الإسلام كما نزل على قلب سيدنا محمد ﷺ، إلى البساطة، إلى النقاء، إلى الرحمة، لوجدنا الإسلام كما كان في يومه الأول، دينًا يُحيي ولا يُميت، يُصلح ولا يُفسد، يُقرّب ولا يُقصي، يُحبّ ولا يُبغض. الإسلام ليس في كثرة الشعارات، ولا في الجدل، ولا في المظاهر. الإسلام في الصدق، في العدل، في الرحمة، في الإخلاص، في معاملة الناس بالحسنى. الإسلام في قول سيدنا محمد ﷺ:”إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
فلنسأل أنفسنا بصدق: ما الذي نجّس هذا النهر؟
إنه مرور الإسلام عبر أيدينا نحن، حين تركنا جوهره وتمسكنا بقشره، حين جعلناه سلاحًا في الخصومة بدل أن نجعله جسرًا للمحبة، حين حصرناه في المظاهر وتركنا جوهر الإحسان والتقوى.
أيها الأحبة، لن يعود الإسلام نقيًّا في حياتنا إلا إذا عدنا إليه كما كان. علينا أن نرجع إلى النبع الأول، إلى القرآن الكريم، إلى سنة سيدنا محمد ﷺ، إلى صفاء العقيدة ونقاء الأخلاق. علينا أن نغتسل من نهر الإيمان كما اغتسل منه الصحابة، بقلوب طاهرة ونفوس صادقة، لا رياء فيها ولا مصالح.
فلنطهّر هذا النهر من جديد، لننقّيه من شوائب الجهل والتعصّب، لنفتح مجراه ليعود كما كان نهرًا زلالًا يسقي القلوب العطشى، ويعيد للأمة حياتها. فالإسلام لا يحتاج إلى من “يُجمّله”، بل يحتاج إلى من “يُفهمه”، لا يحتاج إلى من “يدافع عنه بالكلام”، بل إلى من “يُجسّده بالأخلاق والأفعال”.
عودوا إلى النبع، أيها الأحبة، إلى الإسلام الذي عاشه سيد الخلق سيدنا محمد ﷺ، إلى الإسلام الذي جمع الناس على كلمة سواء، إلى الإسلام الذي صنع حضارة من نورٍ وعدلٍ ورحمة.
فإذا طهّرنا النهر، عاد إلينا صافيًا كما بدأ، وإذا عدنا إلى الأصل، أحيينا ما مات فينا من إيمانٍ وصدقٍ وإخلاص.