ليست الأحداث التي شهدتها بلدتا تل حاصل وتل عران في الريف الجنوبي الشرقي لمحافظة حلب قبل أيام مجرد حادث أمني عابر يمكن طيه مع مرور الوقت، بل تبدو حلقة جديدة في سلسلة من الوقائع التي تعيد إلى الواجهة هواجس قديمة بشأن مستقبل السلم الأهلي وطبيعة العلاقة بين الشعوب السورية في مرحلة يفترض أنها مرحلة إعادة بناء سوريا وترميم ما خلفته سنوات الحرب والأزمة.
عناصر مسلحة تابعة لما يُعرف بوزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة نفذت عمليات ضرب واعتقال تعسفي بحق مدنيين “حسب شهود عيان”، استناداً إلى اتهامات، زعمت الانتماء إلى فلول النظام السابق أو التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية، وتزداد هذه الاتهامات إثارةً للاستغراب إذا ما أُخذ في الاعتبار أن قوات سوريا الديمقراطية أصبحت، بموجب اتفاق 29 كانون الثاني من العام الجاري، جزءاً من الجيش السوري ووزارة الدفاع ضمن تشكيلات عسكرية في المناطق الكردية.
ولا يمكن فصل ما جرى اليوم عن ذاكرة الأمس. فتل حاصل وتل عران ليستا غريبتين عن مشاهد العنف والانتهاكات؛ ففي أواخر تموز عام 2013 شهدت البلدتان مجازر مروعة راح ضحيتها أكثر من خمسين مدنياً كردياً، في أحداث نُسبت إلى عناصر من جبهة النصرة، وسط اتهامات طالت قيادات في ما كان يُعرف بالجيش السوري الحر، وفي مقدمتهم عبد الجبار العكيدي، مع حديث متكرر عن دورٍ ودعمٍ تركي، بينما بقيت تلك الجرائم، حتى اليوم، بلا محاسبة حقيقية، الأمر الذي عمّق شعور ذوي الشهداء والمستهدفين بأن العدالة ما زالت غائبة.
ومن هنا، نسأل: من يقف وراء هذه الاعتداءات؟ وهل هي تصرفات فردية أم أنها تعكس سياسة تتجاوز حدود الأخطاء الميدانية؟ وهل تمثل مقدمة لمرحلةٍ جديدة من الضغوط على المناطق الكردية، أم أنها محاولة لإعادة إنتاج الانقسامات الداخلية، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى ترميم الثقة بين أبنائها؟ كما يطرح ذلك تساؤلات حول حجم تأثير القوى الإقليمية في بعض المجموعات المسلحة، ومدى انعكاس هذا التأثير على الاستقرار الداخلي. إن تكرار مثل هذه الحوادث لا يهدد أمن منطقة بعينها، بل يمس أسس الاستقرار الوطني برمته. لذلك، فإن من مسؤولية الحكومة السوريّة فتح تحقيقات مستقلة وشفافة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الاعتداء على المدنيين أو انتهاك القانون، بما يرسخ مبدأ المساواة بين المواطنين ويؤكد أن هيبة الدولة تُبنى بسيادة القانون لا بسطوة السلاح.
وفي المقابل، تبقى مسؤولية السوريين، بمختلف انتماءاتهم الحفاظ على السلم الأهلي، وصون النسيج الاجتماعي، وتعزيز قيم التعايش والشراكة الوطنية، تمثل جميعها خطوط الدفاع الأولى في مواجهة كل من يسعى إلى تأجيج الفتن أو استثمار الانقسامات لتحقيق مكاسب سياسية أو إقليمية.
وفي المحصلة، تبدو سوريا اليوم أمام مفترق طرق بالغ الحساسية؛ فأزمات اقتصادية خانقة، وأوضاع إنسانية متردية، وانفلات أمني في بعض المناطق، ومشهدٍ سياسي شديد التعقيد، جميعها عوامل تجعل أي حادث محلي قابلاً للتحول إلى أزمة وطنية أوسع.
وبين هذه التحديات المتشابكة، يبقى المواطن السوري، هو من يدفع الثمن الأكبر، فيما يظل مستقبل البلاد مرهوناً بقدرة السوريين على تغليب منطق الوطن والعدالة والشراكة على منطق القوة والإقصاء.