No Result
View All Result
عبدالرحمن ربوع
لا توجد دولة بالعالم اليوم بحاجة للمساندة والمساعدة بقدر ما تحتاجه سوريا، لقد خرجت للتو من أتون حرب طاحنة أكلت الأخضر واليابس، ونصف الشعب مهجّر بين نازح ولاجئ، وكل الخدمات تُقدَّم في الحد الأدنى، كذلك الجفاف والقحط والألغام وقلة الأيدي العاملة تعطل الإنتاج الزراعي. كما أن شح المياه والكهرباء والمواد الأولية والمحروقات تعطل الصناعة. أيضًا شح القطع الأجنبي وهروب رؤوس الأموال وهروب التجار الذين كانوا داعمين لنظام الأسد يعطل التجارة والاستيراد.
يدرك السوريون وغير السوريين أن البلد في حال مزرية وتمر بأوضاع قاسية وأنها بحاجة للكثير من العمل والجهد لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإعادة عجلة الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي للدوران، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب من بنى تحتية وعِمران، وإعادة اللاجئين والنازحين والمهجرين.
ومنذ اليوم الأول لوصول الحكومة الانتقالية لسدة السلطة ظهر أن هناك وعي وإدراك بحجم المسؤولية ومحاولة واضحة لتذليل كل العقبات أمام مشاريع إعادة إعمار البلد والقيام بأعبائها، وتم الاشتغال على رفع العقوبات الاقتصادية لإدخال سوريا في المنظومة المالية العالمية. وتم تطمين الأمريكان والغرب، وفتح قنوات اتصال مع روسيا وإسرائيل والدول العربية والصين، وتم مد الجسور حتى أذربيجان وكوسوفو.
وعضّ السوريون على الجراح وقبلوا مصافحة قتلة أولادهم لأجل وقف الحرب وتعميم السلام، وفتحوا صفحة جديدة متطلعين إلى المستقبل الذي يجب أن يُبنى بلا أعداء، لكن كل هذه الجهود تطير مع رياح عدم الاستقرار. عدم الاستقرار الذي تتسبب به الحكومة نفسها ومؤيدوها. ففيما تركز على صورتها الخارجية، وتنشُد رفع العقوبات، واستعادة العلاقات الدولية نرى إغفالًا واضحًا أو تخبطًا على صعيدين:
على الصعيد الداخلي، تعمل الحكومة الانتقالية على أن تكون طرفًا في المواجهة مع الشعب السوري نفسه، بكل مكوناته، عبر افتعال صراعات وارتكاب مجازر والتحريض العنصري والطائفي واستعداء الشعوب على بعضها، وخصوصًا بوضع “السُّنَّة” في ضفة وبقية السوريين في ضفة أخرى، واختلاق واصطناع كل سبب ممكن للتباعد بين الضفتين.
أما على الصعيد الخارجي ورغم وعيها وحرصها على تصفير مشاكلها (تأسّيًا بالداعم والموجّه التركي) إلا أن الاستراتيجية المتبعة تنجح في موضع وتخفق في آخر. والخطورة في هذه الجزئية أن الإخفاق يكون حيث لا خيار إلا النجاح، والنجاح يكون حيث لا بأس من الإخفاق. فالتركيز على إعادة العلاقات مع الغرب (أوروبا وأمريكا)، وتمتين العلاقة مع تركيا ودول الخليج، وفتح صفحة جديدة مع روسيا، ومغازلة إسرائيل وتطمينها وفتح الأبواب لها كلها نجاحات يمكن تأجيلها لأنها لن تعود على البلد بفوائد أو مكاسب مرحلية أو استراتيجية. فالدنيا “قلّابة”. وعدو اليوم صديق الغد، والعكس صحيح.
أما العلاقات مع الظهير العربي (لبنان والعراق ومصر والجزائر وتونس..) مازالت تراوح مكانها. بل تراجعت إلى مستويات خطيرة من انعدام الوفاق وتوتر العلاقات. وهذا يُنذر بعودة عزلة سوريا من جديد إقليميًا ودوليًا. فمفتاح سوريا إلى العالم سياسيًا ودبلوماسيًا ليس بيد دولة بعينها. والطريق إلى الانسجام مع المنظومة الدولية يمرّ حصرًا عبر الانسجام مع المحيط وليس مع معاداته. كما أن مفتاح سوريا لاستقرار اقتصادي ومالي وإعادة إعمار البلد فهو أيضًا، وبشكلٍ حصري، مع كل الدول العربية وعلى رأسها مصر والسعودية مجتمِعتَين لا مفترِقتَين.
هل يعي أحد في دمشق اليوم هذه البديهية؟ لا يبدو ذلك! إن التركيز على كسب أصدقاء محددين لا يعني أبدًا خسارة أصدقاء آخرين. كما أن استرضاء أشقاء أو أصدقاء أو شركاء مُحدّدين لا يعطي الحق باستعداء آخرين.
رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع يعي حقيقةً أهمية العلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين الدول العربية وسوريا. وعلى رأسها بطبيعة الحال مصر. كما يعي محورية مركز مصر السياسي والاقتصادي، وهو شخصيًا صرّح أن سوريا ومصر بالنسبة للأمة العربية مثل جناحين لطائر واحد، فكيف لسوريا أن تحلق خارجةً من وضعها الحالي بدون مصر؟ وكيف ستنطلق دمشق عائدة للعالم بدون القاهرة.
لكن هذا الوعي لا يكفي، يجب أن يقترن بسياسات واستراتيجيات وقرارات، والأهم أن يقترن بخطاب حكومي وشعبي على المستوى نفسه من الوعي الإيجابي البنّاء. إن كتائب التحريض ضد مصر أو لبنان أو العراق أو الإمارات.. “وكلها مرتبطة بالحكومة الانتقالية وداعمة للرئيس الانتقالي” يُحبط ويدمر أي جهود أو مساعٍ للتقارب بين سوريا والدول العربية الأخرى، وإذا لم يُضبط هذا الخطاب بتوجيهات واضحة، علناً وسرًا، ستجد سوريا نفسها وحيدة مجددًا في وجه إعصار يطيح بكل جهود الاستقرار وإعادة الإعمار.
No Result
View All Result