No Result
View All Result
الطبقة/ عبد المجيد بدر – مرت عدلة حسن بهجرتين قاسيتين من عفرين، وفقدت ماكينتها القديمة أثناء الهجرة الثانية إلى الطبقة، فور وصولها، فاشترت ماكينة جديدة في مخيم الحرية، واستمرت في خياطة الأمل وصنع خيوط الصمود، وتثبت أنّ الإرادة القوية قادرة على تحويل الألم حياة جديدة.
تجلس عدلة حسن، امرأة في الثامنة والأربعين، في خيمتها المتواضعة في مخيم الحرية بمدينة الطبقة، الضوء الخافت يتسلل من مصباح بسيط، فيعانق وجهها المرهق، أصابعها تتحرك بخفة على ماكينة جديدة اشترتها فور وصولها للطبقة، بعد فقدان الماكينة القديمة أثناء الهجرة الثانية، وبكرات من الخيوط الملونة المتناثرة كنجوم صغيرة في سماء الليل، ووجهها يروي سنوات من الصبر والحنين، بينما كل غرزة تصنع حكاية صمودها.
ثلاث سنوات في الخياطة
مع الهجرة الأولى من جندريسه بعفرين المحتلة إلى الشهباء، بدأت عدلة ممارسة الخياطة على الماكينة التي ورثتها عن أمها، وكانت كل غرزة درساً في الصبر، وكل ثوب وسيلة للعيش وسط الغربة، أما الهجرة الثانية إلى الطبقة في كانون الأول 2024 كانت الأصعب، فقد فقدت ماكينتها القديمة، لكن فور وصولها اشترت ماكينة جديدة، فعادت لممارسة مهنتها، واستمرت في نسج خيوط الحياة في خيمتها الصغيرة.
الخياطة ليست مجرد مهنة لعدلة، بل وسيلة للبقاء والصمود، كل ثوب تحيكه يحمل إرادتها وعزيمتها، فقالت عدلة: “فقدت ماكينتي أثناء هجرتي إلى الطبقة، لكن فور وصولي اشتريت ماكينة جديدة، كل غرزة أخيطها الآن تحمل رسالة أنّ الحياة تستمر مهما كانت الظروف”.
ويقف زوجها أحياناً بجانبها كظل صامت، يمنحها القوة بصمت، بينما تستمر أصابعها في الحركة بخفة ودقة، فالعائلة متعاونة، لكنها تترك لها مساحتها الخاصة لتعيش مع الخيوط والإبرة لحظات الصمود، وتحتفظ بشعلة الأمل، وسط قسوة الحياة التي أحاطت بها منذ الهجرتين وفقدان أدواتها.
حكاية كل خيط
الأبيض يرمز للأمل، والأزرق للحنين، والأحمر للجرح، والأسود للظلام الطويل، كل قطعة قماش تحيكها عدلة تحمل قصة الهجرة الأولى، فقدان الماكينة القديمة، والقدرة على البدء من جديد، الضوء الخافت ينعكس على الخيوط المتناثرة، وكأنّ الخيمة نفسها تتنفس مع كل غرزة، وتحمل سر الصمود النسائي في أصعب الظروف.
تصاميم عدلة، وألوانها ليست مجرد عمل، بل انعكاساً لجذورها في عفرين، وإحياء لتراث الملابس التقليدية، فالخياطة لها فن ورسالة للحفاظ على الهوية وسط التهجير، ودليل على قدرة المرأة المهجّرة على تحدي الزمن والمصاعب، وإعادة رسم حياتها بخيوط الأمل والإرادة، حتى بعد فقدان ماكينتها الأصلية وبدء رحلة جديدة.
أصابعها تتحرك برشاقة فوق القماش، والروائح الخفيفة من القماش الجديد تملأ المكان، كل غرزة، وكل لون، وكل حركة تجعل القارئ يعيش معها اللحظة، يشعر بحرارة الشمس على الوجه، وبرودة المخيم في الليل، وبصمت الزوج الداعم إلى جانبها.
عدلة حسن ليست مجرد خياطة، بل رمزاً للصمود والكرامة والأمل. في كل غرزة تزرع الحياة، وتعيد بناء القوة في القلوب، وتثبت أنّ المرأة المهجّرة قادرة على صناعة أملها، وإعادة رسم حياتها مهما كانت الظروف قاسية.
No Result
View All Result