No Result
View All Result
حمزة حرب
منذ بدءِ احتلالها المباشر لشمال وشمال – غرب سوريا سارعت دولةُ الاحتلالِ التركيّ إلى تشكيل مجموعات مرتزقة؛ نظّمتها وجمّعتها تحت يافطاتٍ عديدة، بينما اليوم وبعد سقوط النظام السوري السابق؛ بات المسمّى “الجيش السوريّ الجديد” لتستمر سلسلة الدعم الذي يشمل تدريباً ميدانيّاً وتوريد أسلحة إضافة إلى حماية مباشرةٍ أقرب للتبعية.
لا ينتهي تدخلُ دولة الاحتلال التركيّ في سوريا وذلك في مسعىً لتطبيقِ مشاريعها الاستراتيجيّة بما يصبُّ في نهايةِ المطاف في سياق مخططها للهيمنة على سوريا والقرار في سوريا، حيث يدخل التعاون العسكريّ بين أنقرة ودمشق مرحلةً جديدةً، بعد إعلان وزارة الدفاع التركيّة السماحَ لجنود سوريين باستخدام ثكنات عسكريّة تركيّة للتدريب، في خطوةٍ تهدفُ إلى تعزيزِ القدراتِ القتاليّةِ للجيش السوريّ الجديد بعد إبرامِ الحكومة الانتقاليّة اتفاقية تعاونٍ عسكريّ مع دولةِ الاحتلالِ.
تغلغلٌ في مفاصل الجيش
خلال السنوات الأخيرة تحوّلت أنشطة التدريب والتجهيز التي تقودها تركيا مع تشكيلات سوريّةٍ مختلفة إلى وسيلةِ نفوذ، واستراتيجيّة التدريب لا تقتصر اليوم على مجموعات متفرقة، بل وصلت إلى مستويات رسميّة تشمل دورات في قواعد عسكريّة تركيّة، وإرسال دفعات من الطلبة العسكريين السوريّين إلى أكاديميات في تركيا ما يجعل من عملية بناء الجيش السوريّ القادم مساحة لصراعِ نفوذٍ لا تقل أهميته عن الساحات العسكريّة.
وفي ظلِّ الحديثِ عن بناء جيشٍ سوريّ جديدٍ على أسسٍ وطنيّة، كما يُفترضِ أن يكونَ، إلا أنّ سياسات الحكومة الانتقاليّة تكاد لا تنفكّ عن الرؤية الاستراتيجيّة لدولة الاحتلال التركيّ ما أفقد هذا الجيش مبادئ الوطنيّةِ بعد أن بات شبه تابعٍ لدولة الاحتلال التركيّ تحت يافطة التدريب والمساعدة وبناءِ القدرات العسكريّة، ولكن في الحقيقة المخططُ هو التغلغل في مفاصل الجيش وتحت عباءته.
وزارة دفاع دولة الاحتلال التركيّ بيّنت أنّ ما أسمتها “جهود تطوير القدرات العسكريّة السوريّة” تتواصل ضمن اتفاق التعاون الموقع بين الجانبين، وتشمل التدريب وتبادل الزيارات والدعم الفنيّ، موضحة أنّ وحداتٍ محددةٍ من الجيشِ السوريّ بدأت فعليّاً التدريبَ داخل تركيا، بينما التحق 49 طالباً سوريّاً بالأكاديميات العسكريّة التركيّة.
وزارة الدفاع التركيّة بدأت بتنفيذ برامج رسميّةٍ لتدريب وحداتٍ سوريّةٍ في ثكنات تركيّة وباستخدام ذخائر وأسلحة تركيّة وبات الجنودُ والقادة الذين تدربوا بأسلحةٍ تركيّةٍ يتطلّبون احتياجاتٍ لوجستيّةً وصيانة ومنظومات تدريبيّة مرتبطة بدولة الاحتلال ما يمنح أنقرة قدرةً على التأثير عبر بوابة الإمدادِ والتدريبِ.
هذه السياسة تمثّل خطوةً عمليّة في تنفيذ التفاهمات السابقة خصوصاً تلك التي أقرّتها اتفاقية التعاون العسكريّ الموقعة في آب الماضي، التي جاءت نتيجة سلسلة من اللقاءات الأمنيّة والاستخباراتيّة بين مسؤولين من الحكومة الانتقاليّة السوريّة والنظام في تركيا.
يمثّلُ تدريبُ الضباط السوريّين في الكليات الحربيّة التركيّة بدايةَ اندماجٍ عسكريّ فعليّ بين البلدين، وليس مجردَ تعاونٍ تقنيّ وبالمناسبة فإنّ أغلب الطلاب السوريّين الموفدين ينتمون إلى القوات الجويّة، وهي النقطة الأضعف في بنية الجيشِ السوريّ حالياً، نظراً لـ”الاستباحة شبه المطلقة” للأجواء السوريّة.
وهذه الخطوة بحسب خبراء في العلوم العسكريّة أنّها تكاد تكون أقرب إلى الاندماج العسكريّ بين دمشق وأنقرة والهدف المأمول من الجانبين هو بناء جيش موحّد ومركزيّ يهدف إلى السيطرة الكاملة على الجغرافيا السوريّة، في إطار ما يسمّى “تحالفاً دفاعيّاً لمواجهة التهديدات الوجوديّة المشتركة” بحسب ما يعلن الطرفان.
تجاذبات وتقاطع مصالح
هذه البرامج والسياسات التي تعتمدها دولة الاحتلال تهدف أيضاً إلى بناء ولاءات شخصيّة ومؤسسيّة، فالتدريبُ المشتركُ والدراسة في أكاديميات تركيّة وتبادل الضباط يولّد علاقاتٍ شخصيّة ومهنيّة يصعُبُ لاحقاً تحييدها، والضباط الموفدون سيتذكرون بعد التخرج تجاربهم ومرجعياتهم التعليميّة، ما يؤثر على خريطة الولاءات داخل أيّ جيشٍ مستقبليّ.
إلى جانبِ ذلك ستتغلغل أنقرة في العُقدِ اللمفاويّة للجيش المستقبليّ وسترسّخُ نهجاً معيناً لإدارةِ القوات وانضباطها وتكتيكاتها ما يمنحها اليدَ الطولى في التحكمِ بالقدراتِ التشغيليّة للجيش المستقبليّ، وهو ما يسهّل دمجَ وحداتٍ متوافقةٍ مع المعايير التركيّة.
ناهيك عن إشرافِ دولة الاحتلال التركيّ على مواقع التدريب وقواعد الإمداد التي ستُستخدم أيضاً لجمع معلومات ومراقبة عناصر بارزة وربط شبكاتٍ أمنيّةٍ وسياسيّةٍ تُخدم مصالح أنقرة في الساحةِ السوريّة وفق ممارساتِ رصدٍ توثّقها تقارير حقوقيّة وتحقيقات ميدانيّة.
فدولة الاحتلال لديها إلى يومنا الحاضر مجموعات مرتزقة مثل “الحمزات والعمشات” لا زالت تعتمدُ على التعليمات والأوامر والدعم التركيّ المباشر، وإن أعلنت انضمامها إلى وزارة الدفاع بالحكومة الانتقالية، وهو ما لم ينعكس فقط في قدراتها القتاليّة بل في ممارساتها الأمنيّة والإداريّة داخل المناطق التي تنتشر فيها، وجميعها مدانة بارتكاب انتهاكات حقوقيّة مرتبطة بها.
تمتلك دولة الاحتلال التركيّ بحسب تقارير ميدانيّة 49 قاعدةً عسكريّةً و114 موقع مرتبط بها وهذا ما يمنحها إلى جانب تغلغلها في الجيش وإنشائها لمجموعة ضباط عسكريّين مرتبطين بها بشكلٍ مباشر إلا انها باتت تهيمن على الساحة السوريّة وهذا ما يجعل سوريا تحت الوصاية المباشرة لدولةِ الاحتلال التركيّ.
وبالمجمل تعتبر هذه الاستراتيجية التي تسير باتجاهها دولة الاحتلال التركيّ والحكومة الانتقاليّة في سوريا مثيرة لقلقِ قوى إقليميّة ودوليّة وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ تتوجس تل أبيب من أيّ تعزيزٍ للقدرات الدفاعيّة السوريّة، سواء عبر التعاون مع تركيا أو روسيا أو أيّ طرف آخر، وقد نفذت مؤخراً سلسلة من الغارات، بينها قصف مدرسة الدفاع الجويّ وسط سوريا، فيما اعتبر رسالةً مباشرةً إلى أنقرة وشركائها.
ورغم أنَّ دمشق تحاول “تجنبَ استفزاز إسرائيل” إلا أنّها تراهن على أنَّ هذا التقاربَ العسكريّ سيمنحها قدرةً أكبرَ على استعادةِ توازنِ القوى الميدانيّ، ويفتح البابَ أمام مرحلةٍ جديدةٍ من إعادةِ بناءِ المؤسسةِ العسكريّةِ على أسسٍ مختلفةٍ، لكن هذه الأسس يراها الكثيرون أنّها تفتقد للمعايير الوطنيّة.
فإسرائيل لن تساومَ على حريّةِ عملها في الأجواءِ السوريّة، لكنّ دمشق من جانبها تعتبر أنَّ امتلاكَ منظومات دفاعٍ جويّ متقدمة حقٌّ سياديّ لا يمكن التنازل عنه، ما يفرض تفاهماتٍ أوسعَ تشمل تقييدَ حرية العملِ الإسرائيليّ في بعض المناطق وتحديد مناطق منزوعةِ السلاحِ في الجنوب السوريّ في المرحلةِ المقبلة وضمن مسار تفاوضيّ أوسع نحو اتفاق أمنيّ شاملٍ بين دمشق وأنقرة.
مخاطر استراتيجيّة
هذا الطريق الذي تسير به الحكومة الانتقاليّة باتجاه بناء جيش سوريّ سيجعله جيشاً هجيناً يعتمد على مدارسَ ونماذجَ مختلفةً “تركيّة، روسيّة، إيرانيّة” وسيعاني الجيش المستقبليّ من خللٍ في القيادات خصوصاً على صعيد معايير التدريبِ، ومعدات غير متوافقة خصوصاً مع اعتماد وحداتٍ على دعم وتموين تركيّ وستكون هذه النقطة محطَّ ابتزازٍ جيو – سياسيّ.
فارتباطُ بعضِ الوحدات بفصائل ارتكبت تجاوزاتٍ يجعل إعادة دمجها سياسيّاً وقانونيّاً معقّدة ويزيد مخاطرَ الانقسامات داخل المجتمع السوريّ، لكون هذه الوحدات بٌنيت على أساسِ هياكل أمنيّة محليّة تعتمد على دعم تركيّ مباشر، وتُوظَّف كحاجزٍ أو نفوذٍ في مناطقَ محددةٍ.
فالتدريب العسكريّ ليس مجردَ رفعٍ لكفاءةِ الوحداتٍ المقاتلة، بل هو بناءُ علاقاتٍ ومصالح تمتد بعيداً عن ساحات المعركة، ما تقوم به تركيا اليوم يمكن أن يُترجم غداً إلى نفوذٍ موازٍ داخل أجنحةِ الجيش المستقبليّ في سوريا، ما لم تُبنَ آلياتٌ وطنيّةٌ ودوليّة واضحة لإدارةِ عملية إعادة البناءِ العسكريّ بطريقةِ تحمي سيادة القرار وتُجنّب البلادَ تجزئة أمنيّة دائمة.
فسوريا الجديدة وبحسب مراقبين يُراد لها أن تكونَ هشّةً تابعة وخاضعة لسياسات خارجيّة، والبوابة لهذا الارتهان هو السيطرة والهيمنة على الجيشِ الذي لا يحمل في ثناياه أيّ أبعادٍ وطنيّةٍ وإنما يعتمد على الولاءات الخارجيّة، ففي مرحلة البناء يجب أن يرتكزَ الجيشُ الجديدُ على الأسس والمعايير الوطنيّة الراسخة وألا يكون جيشاً بخلفيّة طائفيّةٍ أو عرقيةٍ.
الملف الأمنيّ والعسكريّ السوريّ مرّ بعقودٍ من المركزيّة والتسييس ما أدّى إلى ضعف شرعيّة مؤسسات الأمن لدى قطاعات واسعة من المجتمع، إلى جانب التدخلات الإقليميّة من قواعد عسكريّة ودعم مجموعات مرتزقة وزعزعة استقرار وحدود السيطرة كلّ هذه زادت من تعقيدِ أيّ مسعىّ لإعادة بناء قوة مسلحة وطنيّة مهنيّة.
لذا من الواضح جلياً أنّ بناء جيشٍ سوريّ وطنيّ ليس مهمة تقنيّة فحسب، بل مشروعٌ سياسيّ واجتماعيّ عميق يتطلب إيجاد آليات مصالحة حقيقيّة ووجود رغبة سياسيّة داخليّة ودعمٍ إقليميّ ودوليّ مشروط بالحيادِ واحترامِ سيادة سوريا، فرغم التعقيداتِ لا يزالُ الأفقُ مفتوحاً أمام خارطة طريق منظمة تتسقُ مع مبادئ العدالة والشفافيّة والقيادة المدنيّة التي يمكن أن تحول المؤسسة العسكريّة إلى ركيزةٍ للاستقرار لا أداة سلطويّة.
وهذه الأسس والمعايير الوطنيّة تأسست عليها قوات سوريا الديمقراطية عام 2015 كتحالف عسكريّ يضم مقاتلين من مكونات متعددة “كرد، عرب، سريان، شركس، وتركمان وغيرهم” تحت مظلة مشروع وطنيّ هدفه حماية سوريا من الإرهاب والدفاع عن وحدة التراب السوريّ ومنذ معارك كوباني وحتى دير الزور والرقة، أثبتت قسد أنها القوة الأبرز في محاربة مرتزقة داعش والاستبسال للحفاظ على الترابِ السوريّ في وجهِ الاعتداءات الخارجيّة، لتتحول تدريجيّاً إلى نموذجٍ عسكريّ منضبطٍ يحظى باحترام دوليّ واسع وبالإمكان أن تكونَ نواةً حقيقيّةٍ لجيشٍ سوريّ وطنيّ.
كما أنّ أيّ جيشٍ في العالم يجب أن يلبّي تطلعاتِ الشعب والمجتمع ويحمي حقوقهم المشروعة وهذا ما تحظى به قسد من قبولٍ شعبيّ واسعٍ بفضل ما قدمته من تضحيات على المستويات الأمنية والإدارية ودورها في حماية المدنيين، ما يُؤسس لعلاقةِ الثقة المتبادلة بين المواطنِ والجندي على عكس المجموعات المرتزقة التي تحاول تركيا اليوم استثمارها من خلال إطلاقها مسمّى الجيش السوريّ الجديد. فالجيش السوريّ يجب أن يقبله السوريّين مهمته حمايتهم لا ارتكاب الانتهاكات بحقهم وان يشكّله من أبناءِ الشعب السوريّ لا أن يشكّل بأيدٍ خارجيّة ويدين بولاءات إقليمّية.
No Result
View All Result