No Result
View All Result
بشار عيسو
ضمن الفسيفساء السورية، يشغل الأرمن حيزاً هاماً، ونخص بالذكر ضمن مدينة قامشلو. فمذ زمن بعيد استقر الأرمن في المنطقة، بعد أن اضطروا لمغادرة بلادهم إثر المجازر التي تعرضوا لها، لكن رغم آلام ومعاناة ما مروا به، استطاعوا البدء بحياة جديدة، وتركوا بصمتهم في تاريخ المدينة. اليوم حين تتكلم عن شعوب المنطقة لا تستطيع التغافل عن الأرمن، هم كانوا ركيزة أساسية في بنائها.
وصول الأرمن إلى سوريا بدأ في بدايات القرن العشرين، حيث كانت أعدادهم في تزايد بشكل كبير بعد الإبادة الأرمنية عام 1915، حين تعرّض مئات الآلاف من الأرمن للتهجير القسري من مناطقهم في الأناضول على يد الدولة العثمانية. فاضطر كثير منهم إلى الهروب نحو الجنوب، باحثين عن الأمان، فوجدوا في سوريا أرضًا تستقبلهم رغم قسوة الظروف.
بداية، استقر عدد كبير من الأرمن في حلب، ودير الزور، والحسكة، ثم بدأ بعضهم ينتقل تدريجيًا إلى منطقة الجزيرة السورية، التي كانت في تلك الفترة منطقة شبه خالية إلا من بعض القرى الصغيرة. ومع تأسيس مدينة قامشلو في عشرينات القرن الماضي، بدأت العائلات الأرمنية تستقر فيها، فبنوا بيوتهم وكنائسهم ومدارسهم، وشاركوا بجهد كبير في نمو المدينة.
رغم الصعوبات المعيشية وقلة الموارد في البداية، إلا أن الأرمن وجدوا في قامشلو مكانًا يمنحهم شعورًا بالأمان والانتماء، وتعاون معهم السكان المحليون من الكرد والعرب والسريان، فشكّلوا معًا نسيجًا متنوعًا ومتعايشًا أصبح اليوم من أبرز سمات المدينة.
بدأ الوجود الفعلي للأرمن في مدينة قامشلو في عشرينات القرن الماضي، بالتزامن مع توسّع المدينة ونموها السريع بعد تأسيسها عام 1926. ومع مرور الوقت، أصبحت العائلات الأرمنية من أوائل من ساهموا في إعمار المدينة وبناء ملامحها الحديثة. استقر معظمهم في الأحياء القريبة من مركز المدينة، مثل حي الوسطى، حيث شيدوا كنائسهم ومدارسهم الخاصة. وتُعد الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية في قامشلو من أقدم وأبرز معالمهم الدينية، إلى جانب المدارس التي أسهمت في الحفاظ على لغتهم وثقافتهم.
لم يقتصر دور الأرمن في قامشلو على الجانب الديني أو التعليمي فحسب، بل امتد إلى الفنون والحرف والمهن اليدوية. فقد عُرفوا بمهارتهم في النجارة والحدادة وصياغة الذهب، إضافة إلى حضورهم البارز في عالم التصوير الفوتوغرافي والسينما. فقد كان الأرمن من أوائل من امتلكوا كاميرات في المدينة، ووثّقوا ملامح الحياة اليومية، والأعراس، والمناسبات، فتركوا أرشيفًا بصريًا ثمينًا يعكس مراحل تطور قامشلو.
ساهم الفنانون الأرمن أيضًا في إثراء المشهد الثقافي والموسيقي، وشارك بعضهم في الفرق الفنية المحلية، ما جعلهم جزءًا أصيلًا من الهوية الفنية للمدينة. وبفضل هذا التنوع، تحولت قامشلو إلى نموذجٍ حيّ للتعايش والتبادل الثقافي بين مختلف الشعوب.
اليوم لم يعد عدد الأرمن في قامشلو مثلما كانوا في الماضي، إذ قلّ عددهم بشكل ملحوظ خلال العقود الأخيرة بسبب الهجرة إلى الخارج أو إلى المدن الكبرى بحثًا عن فرص أفضل. ويُقدّر أن بضع مئات فقط من العائلات الأرمنية ما زالت تعيش في المدينة، محافظةً على وجودها التاريخي والرمزي فيها. رغم هذا التراجع العددي، إلا أن الأرمن في قامشلو ما زالوا حريصين في الحفاظ على لغتهم وثقافتهم وهويتهم الخاصة. فمدارسهم وكنائسهم ما تزال قائمة، وتُدرّس اللغة الأرمنية، كما تُقام الاحتفالات الدينية والمناسبات القومية التي تجمع أبناء الطائفة في جو من الألفة والاعتزاز بالانتماء. كما لعبت العائلة الأرمنية دورًا كبيرًا في نقل العادات والتقاليد من جيل إلى آخر، فبقيت الأغاني والرقصات والأطعمة الأرمنية جزءًا من ذاكرة المدينة.
أما علاقتهم ببقية أبناء قامشلو من الكرد والعرب والسريان، فتميّزت عبر السنين بالاحترام المتبادل والتعايش السلمي. شارك الأرمن جيرانهم أفراحهم وأحزانهم، ووقفوا معهم في مختلف المراحل الصعبة التي مرّت بها المنطقة، مما جعلهم جزءًا لا يتجزأ من نسيجها الاجتماعي المتنوع والغني.
يشكّل الأرمن في قامشلو واحدًا من الخيوط، التي تنسج لوحة المدينة المتعددة الألوان، فقد أضافوا إليها من روحهم وثقافتهم ما جعلها أكثر غنى وتنوعًا. لم يكن وجودهم مجرد حضورٍ عددي، بل هو حضورٌ ثقافي وفني وإنساني عميق، ترك أثره في التعليم والموسيقا والتصوير والحرف. ومن خلال تمسكهم بلغتهم وإيمانهم بالمحبة والتعاون، ساهموا في بناء نموذجٍ من التعايش يليق بتاريخ المدينة وأهلها.
ربما تغيّر الزمن وقلّ عددهم، لكن الأرمن في قامشلو ما زالوا يشبهون جذور شجرةٍ قديمة؛ قد تخفّ أوراقها مع الفصول، لكنها تظلّ ثابتة في الأرض، تمنح ظلّها وذكرياتها لكل من مرّ من هناك.
No Result
View All Result