No Result
View All Result
حمزة حرب
لا تتوقفُ أهداف الاحتلال التركيّ عند حدٍ معين إنّما تتجاوز أطماعه ما يعلنه من أهدافٍ واهية في المنطقة والإقليم ليتحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى احتلالٍ فعليٍّ ناعمٍ يتغلغل في مفاصلِ المنطقة وتتراوح أشكال احتلاله من التدخل المباشر الى الاعتداءات المتقطعة الى بناء القواعد وبعض الأحيان التغلغل في المفاصل السياسيّة وهذا ما يحصل في سوريا والعراق على وجه الخصوص.
ففي باشور كردستان ينتهك الاحتلال التركيّ كل معايير حسن الجوار ومعايير السيادة العراقيّة ليبني قواعد عسكريّة دائمة ما يفسح له المجال التحرك بحرية داخل الجغرافية العراقيّة الى جانب انه يتمتع بتغلغل اقتصاديّ وأمنيّ، ونفوذ سياسيّ متصاعد ومن هنا بدأت اعتداءاته العسكريّة بذرائع واهية يروجها للعالم تحت يافطة الحرب ضد حزب العمال الكردستانيّ وانما في الحقيقة هو يبحث عن وجود طويل الأمد يهدد السيادة العراقيّة ويُقوّض مفهوم الشراكة الوطنيّة في إدارة باشور كردستان.
السيادة المنهوبة
إنّ مفهوم السيادة الذي يتحدث عنه الساسة العراقيين وهو من المفترض أن يكون المبدأ الأعلى لأيّ دولة مستقلة، لكنها في الحالة العراقيّة تحولت إلى شعارٍ مفرغ من المضمون أمام تمدد دولةِ الاحتلال التركيّ المستمر في إقليم كردستان وبعض الأراضي العراقيّة وبخاصةٍ باتجاه الموصل، فعلى مدى عقود، وتحت ذرائع الحرب مع حزب العمال أقامت قواعد عسكريّة واستخباريّة دائمة دون تفويض أو اتفاق رسميّ من بغداد في انتهاكٍ صارخ للقانون الدوليّ وكرامة الدولة العراقيّة وهكذا تحولت السيادة إلى ملف مؤجل يعلوه الغبار في أدراج التصريحات الرسميّة.
تدخّل الاحتلال التركيّ في العراق بدأ منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حيث نفذت دولة الاحتلال التركيّ أكثر من 25 عدواناً عسكريّ داخل الأراضي العراقيّة غير أنّ مرحلة ما بعد 2017 شكّلت نقطة تحوّل استراتيجية واتخذت شكلاً منظماً وممنهجاً، إذ أنشأت أنقرة أكثر من 40 قاعدة عسكريّة واستخباراتية ونشرت أكثر من 10 آلاف جندي داخل الأراضي العراقيّة الى جانب منظومات رادار وطائرات مسيّرة تغطي عمق محافظات دهوك ونينوى وهولير.
كلُّ ذلك يجري وسطَ نسف أيّ إرادةٍ عراقيّة رسميّة فلا موقفَ مؤثراً للبرلمان أو الحكومات المتعاقبة أو أي من الساسة العراقيين وحتى ساسة باشور ليس بإمكانهم تحريك ساكنٍ بهذا الاتجاه، بل بقي الموقفُ يحكمه صمتٌ حكوميّ مريبٌ واختزال للملفِ ضمن حدود الدبلوماسيّة الناعمة.
خبراء القانون الدوليّ يؤكّدون أنّ وجودَ الاحتلالِ التركيّ في العراق يشكّلُ احتلالاً بالمعنى الكاملِ للكلمة إذ تتوفر فيه عناصرُ الاحتلالِ وفق اتفاقية لاهاي 1907 واتفاقيات جنيف التي تنصُّ بنودها على – على وجود قوات أجنبيّة على أرضٍ دولة دون إذنها – ممارسة سلطة فعليّة على جزء من الأراضي المحتل وبذلك فإنّ تركيا تنتهك سيادة العراق ووحدة أراضيه.
فلم يتجاوز الرد العراقيّ على الاحتلال التركيّ المباشر والواضح وضوح الشمس بيانات الشجب والاستنكار وفي أفضل الأحوال تكتفي بغداد باستدعاء السفير التركيّ وتسليمه مذكرة استنكار أو إدانة في المقابل يوسع المحتل قواعده وينشر قواته تحت مسميات عديدة وهو ما جعل السيادة العراقيّة في عيون العراقيين وباقي شعوب المنطقة سيادة منقوصة وورقة مسمومة للسياسة أكثر منها قضية وطنيّة جامعة.
الاحتلال التركيّ وأبعاد مشاريعه الاحتلاليّة
منذ عام 2003، استغلت تركيا الفوضى السياسيّة والأمنيّة في العراق لتوسّع نفوذها التجاريّ، ثم ربطت هذا التوسع بما أسمته وجوداً عسكريّاً وقائيّاً بحجّةِ حماية مصالحها، ولكن خلال العقد الأخير تطورت هذه المعادلة لتصبح الهيمنة الاقتصاديّة مقدمة للاحتلال العسكريّ.
الاحتلال العسكريّ للنظام التركيّ لم يأتِ منفصلاً عن الهيمنة الاقتصاديّة المتنامية، فدولةُ الاحتلال تسيطر على أكثر من 70% من الوارداتِ في باشور كردستان وتتحكم بخط أنبوب نفط كركوك ـ جيهان الذي يُستخدم للضغط على بغداد، كما إنّ شركاتها تمتلك عقوداً ضخمة في مشاريع الطرق والطاقة والبنية التحتيّة داخل الإقليم.
وبهذه الطريقة ربطت دولة الاحتلال التركيّ الاقتصادَ العراقيّ بعجلةِ مصالحها، ليصبحَ الاحتلالُ اقتصاديّاً بقدر ما هو عسكريّ، ويستخدم كورقةِ ضغطٍ الى جانب ورقة المياه. فدولةُ الاحتلال تحتكرُ مياه نهري دجلة والفرات وتحبسهما عن العراق ما يمنحها سياسة التعطيش التي تستخدمها في تعاطيها مع الساسة العراقيين فتقايض الماء مقابل السيادة أو الماء مقابل النفط، حيث تسعى دولة الاحتلال من خلال التحكم بمصادر المياه المشتركة كوسيلة نفوذ اقتصاديّ وسياسيّ فمشاريعها على نهري دجلة والفرات خفّضت تدفقَ المياه نحو العراق بنسبة تتجاوز 60% خلال العقدين الماضيين، ما أدّى إلى أزمات زراعيّة ومعيشيّة حادة في نينوى والأنبار والجنوب وبينما يختنق العراق عطشاً تستخدم أنقرة المياه كورقة مساومة مقابل امتيازات تجارية ونفطيّة.
فحيثما توسعتِ الشركاتُ التركيّة تبعتها القواعد العسكريّة لتشكّل معاً شبكة نفوذ متكاملة تتيح لأنقرة التحكم في باشور كردستان “شمال العراق” اقتصاديّاً وأمنيّاً وصل الحد لأن يصبحَ الإقليم أحد أهم الأسواق الخارجيّة لتركيا إذ تشير البيانات الاقتصاديّة إلى أن أكثر من 80% من واردات الإقليم تأتي من تركيا ويفوق حجم التبادل التجاري السنوي بين الجانبين 12 مليار دولار وتسيطر الشركات التركيّة على قطاعات البناء، والطرق، والطاقة، والبنية التحتية في هولير ودهوك والسليمانية.
فلم يكن هذا التوسع الاقتصاديّ بريئاً بل جاء مقروناً بصفقات سياسيّة وأمنيّة جعلت أنقرة تتحكم في قرارات حيوية داخل الإقليم كملف تصدير النفط وملف الحدود والاتصالات وهو ما أفسح لها المجال لأن تصبح صاحبة اليد الطولة في أي محفل من الممكن أن يناقش التدخل التركيّ في العراق.
ومن جهةٍ أخرى يرى خبراء أنّ كثيراً من الشركاتِ التركيّة العاملة في العراق تؤدي وظائف مزدوجة اقتصاديّة من جهة، واستخباراتيّة من جهة أخرى، فبعضها يتبع مباشرة لمؤسساتٍ أمنيّة تركيّة، ويشارك في جمعِ معلومات ميدانيّة عن تحركات الأحزابِ الكرديّة، ومسارات النفط، والمناطق الجغرافيّة وغيرها، وتحولت الاستثماراتُ الاقتصاديّة إلى غطاءٍ أمنيّ ناعم يخدم أهداف التوسع والسيطرة.
بقي أنبوب النفط الممتد من كركوك إلى ميناء جيهان التركيّ ورقة الضغط الأهم بيد أنقرة. ورغم أنّ الاتفاق الأصليّ بين بغداد وأنقرة كان ينصّ على إدارة مشتركة، إلا أنّ تركيا احتكرت عمليّاً التحكم بالأنبوبِ، وواصلت استقبال النفط الكرديّ رغم قراراتِ المحكمة الدوليّة التي منعتِ التصدير دون موافقة الحكومة الاتحاديّة وبهذا السلوك استخدمت تركيا الاقتصاد كأداةِ ابتزازٍ سياسيّ مهددةَ العراق بخسائر ماليّة فادحة إن حاول الاعتراض، في حين تواصل جني أرباح ضخمة من رسوم التصدير والعبور.
ومن هنا تسعى أنقرة أيضاً إلى إعادة إنتاج مشروعها العثمانيّ الاقتصاديّ الجديد، حيث ترى في باشور كردستان نقطة انطلاق نحو التحكم بممرات التجارة بين آسيا وأوروبا عبر “الممر التنمويّ” الذي يربط الخليج بتركيا وتأمين خطوط الطاقة القادمة من باشور نحو المتوسط إلى جانب منافسة إيران والصين في السيطرة على الأسواق العراقيّة والخليجية. لهذا؛ تعتبر تركيا العراق ركيزة اقتصاديّة واستراتيجية لا يمكن أن تسمح بخروجه من دائرة نفوذها ولو عبر التغلغل العسكريّ.
ففي الوقت الذي ترفض فيه بغداد ظاهرياً تغلغل الاحتلال التركيّ إلا إن الأخيرة تبني جهاراً نهاراً وتحصن قواعدها في العمادية وزاخو وهاكورك وتعزز هذه السياسة في الدعم والتحكم بمكاتب اقتصاديّة وإعلامية تغذي حضورها الدائم وبهذا بات باشور كردستان امتداد فعلي للنفوذ التركيّ.
حلولٌ غائبة
ورغم هذه السياسات بقي ساسة الإقليم والمركز في العراق غير مهتمين بمئات القرى التي تم إخلاؤها بسبب القصفِ التركيّ المستمر ومئات العائلات نزحت من مناطقها الجبليّة خوفاً من الاعتداءات العسكريّة الى جانب تدمير متكرر للبنى الزراعيّة والبيئيّة في مناطق دهوك وسيدكان وكلّ ذلك يجري دون أيّ مساءلةٍ أو تعويضٍ وسط غياب التنسيق الوطنيّ الجامع بين هولير وبغداد لوقف العدوان.
يتعزز نفوذ الاحتلال التركيّ إلى جانب الصمت الحكوميّ صمتُ المجتمع الدوليّ الذي لم يتخذ أيّ موقفٍ حاسمٍ تجاه الاحتلال التركيّ، وذلك بسبب تقاطعِ المصالح الغربيّة مع أنقرة في إطار حلف الناتو وضعف الأداء الدبلوماسيّ العراقيّ في المحافل الدوليّة ليبقى ملفُ احتلال الأراضي العراقيّة منسياًّ في أجندة الأمم المتحدة رغم خطورته وتهديده وحدة العراق واستقراره الداخليّ.
وبغضّ النظر عن الاتفاقات الأمنيّة الموقّعة في عهد نظام صدام حسين السابق والتي تتذرع بها تركيا أمام المجتمع الدوليّ فإنَّ أيّ انتشارٍ عسكريّ أجنبيّ دائم دون تفويضٍ من البرلمان العراقيّ يُعدُّ عملاً عدائيّاً بموجب الدستور العراقيّ وانتهاكاً صارخاً بموجب القانون الدوليّ أيّاً كانتِ الذرائعُ، إلا أنّ أنقرة تضرب بعرضِ الحائط كلّ المواثيق.
ورغم الإدانات المتكررة من وزارة الخارجيّة العراقيّة إلا أنّ ردَّ الفعل الرسميّ يبقى دبلوماسيّاً محدودَ الأثر، لذا ترفض دولة الاحتلال أي حوارٍ مع بغداد حول انسحابها، وتواصل توسيع انتشارها بينما تشكك كثير من الأوساط السياسيّة بموقف القيادة السياسيّة في باشور وترى بأنّ الموقف متماهٍ إلى حدٍّ كبيرٍ مع وجود الاحتلال ما يهدد بفقدانٍ تدريجيّ للسيادة الذاتيّة داخل الإقليم نفسه.
بات المجتمع العراقيّ أكثر وعياً بخطورة الاحتلال التركيّ، إذ تخرج بين الحين والآخر تظاهرات تندد بالتوغل التركيّ وتدعو إلى طرد قواته من الشمال ويرى كثير من العراقيّين إن استعادة السيادة هي الخطوة الأولى نحو استعادة الكرامة الوطنيّة، وإن صمت الحكومات المتعاقبة بات تواطؤاً غير معلن مع المحتل.
ولسان حال العراقيّين يؤكد أن السيادة لا تُمنح ولا تُستعار، بل تُفرض بإرادة وطنيّة حقيقية والاحتلال التركيّ، مهما تلوّن بشعارات الأمن أو الاستثمار يظل جريمة بحق العراق وشعبه ولن تكون السيادة شعاراً مرفوعاً ما لم تتجسد فعلياً في انسحاب جيش الاحتلال واستلام العراقيّين زمام سيادتهم الوطنيّة.
ورغم أنّ الاحتلال التركيّ في العراق لا يرتبط حصراً بالحربِ مع حزب العمال الكردستانيّ بل إنّه مشروع سياسيّ واقتصاديّ متكامل إلا أنّه يستخدمه كذريعةٍ لتكريس نفوذ طويل الأمد، لكنّ عملية السلام الحالية قد تُفقِد المحتل التركيّ ذريعته التي يسوقها للعالم ومن الممكن أن يسعى العراق لأن يُقرَن هذه العملية بضرورة انسحاب المحتل التركيّ الكامل واحترام للسيادة الوطنيّة وإلا فسيبقى السلام التركيّ مجرد عنوان لمرحلة جديدة من الاحتلال المقنّع.
فاستمرار التغلغل التركيّ لن يُهدّد فقط وحدة البلاد بل أيضاً هيبة الدولة ومفهوم المواطنة وفي حالة الصمت الحالية سيغدو الاحتلال أمراً واقعاً يُشرعن بالتقادم لذلك يبقى الردّ الحقيقي في بناء موقف وطنيّ موحد يضع حدّاً للتدخل التركيّ ويعيد الاعتبار لسيادة العراق أمراً لا مناص منه وذلك بعدة سبل يمكن للعراق اتباعها.
يؤكد خبران أنّ العراق أمام خيارات حتميّة إذا ما أراد إعادة فرض السيادة الوطنيّة على كامل الأرض العراقيّة؛ فإنّه يحتاج الى تبني استراتيجية وطنيّة موحدة بين بغداد وهولير لرفض الوجود التركيّ يتلوها رفع شكوى رسميّة إلى مجلسِ الأمنِ الدوليّ حول خرق السيادة وإعادة الانتشار العسكريّ العراقيّ في المناطق الحدودية الى جانب تفعيل المقاطعة الاقتصاديّة التدريجية للمنتجات التركيّة كاستخدام العراق ورقة الاقتصاد في وجه المحتل وهذا ما دعت له أوساط عراقية مراراً وتكراراً.
No Result
View All Result