No Result
View All Result
حمزة حرب
عام 2016 لم يكن عاماً عادياً بل كان فاتحة لتنفيذ مشاريع الاحتلال التركيّ على الساحة السوريّة، فلم تعد خريطة سوريا كما كانت، فدخل الاحتلال بحجج واهية تمهيداً لاقتطاع أراضٍ جديدة من سوريا وضمها لتركيا، فالحدود الشماليّة التي كانت يوماً خط دفاع وسيادة تحوّلت إلى بوابة نفوذ واحتلال، عبر اعتداءات عسكريّة متتالية تحت ذرائع واهية تحاول دولة الاحتلال من خلال ما تقول عنه الأمن القوميّ ذر الرماد في عيون المجتمع الدوليّ؛ ليتغاضى عن احتلالها المباشر للأراضي السوريّة.
خلف شعارات واهية كان يخبئ الاحتلال التركيّ مشاريع خبيثة طبقها في جرابلس ومارع، وعفرين والباب، وكري سبي، وسري كانيه ليصبح الاحتلال التركيّ الخطر الأكبر على وحدة سوريا، ليس فقط لأنه يستولي على أراضٍ سورية، بل لأنه يسعى إلى تغيير هوية هذه المناطق وربطها عضويّاً بتركيا في السياسة والاقتصاد والثقافة والإدارة المباشرة، التي أعطت لولاة أتراك صلاحيات الهيمنة والسيطرة على هذه المناطق بشكل مباشر ضمن مشروع استراتيجيّ تركيّ طويل الأمد يهدد كيان سوريا ووحدة ترابها الوطنيّ.
مشاريع خبيثة
استغل النظام التركيّ المأساة السوريّة بعد الأحداث الدامية، التي مرت بها البلاد لتنفذ مشاريع مشبوهة تتمثل بالاحتلال العسكريّ والاقتصاديّ والثقافيّ الممنهج والذي يهدف إلى فرض واقع جديد في شمال سوريا، وتغيير بنيتها السكانيّة والإداريّة بما يخدم أجندة أنقرة الإقليمية.
فمنذ ما يقارب العقد على الاحتلال التركيّ بذريعة خلق مناطق آمنةٍ للسوريين الهاربين من بطش النظام السوريّ السابق لا يزال الاحتلالُ موجوداً على الأرض بل تحولت المناطق المحتلة الى “أقاليم تابعة” لتركيا أكثر منها جزءاً من سوريا، في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان أطماع السلطنة العثمانيّة القديمةِ بثوبٍ جديد.
فالغاية هي اقتطاعُ شريط جغرافيّ يمتد على طول الحدود وتحويله إلى منطقة نفوذ تركيّ دائم، ففي كلِّ منطقة تحتلها تركيا يتمُّ فرض الإدارة التركيّة، وتغيير أسماء القرى والشوارع والمدارس إلى أسماء تركيّة وتعيين مجالس محليّة مرتبطة بولاية كلس أو هاتاي، ورفع العلم التركيّ على المؤسسات الرسميّة والتعلم باللغة التركيّة والتداول بالعملة التركيّة في محاولة لطمس الهوية السوريّة الأصلية وإحلال هوية تركيّة بديلة.
هذا إلى جانب التغيير الديمغرافيّ، وهو أخطر ما ترتكبه تركيا في هذه المناطق، فقد تم تهجير مئات الآلاف من السكان الأصليين خصوصاً الكرد من مدنهم وقراهم واستبدالهم بعائلات نازحة من مناطق أخرى كالغوطة وريف حمص غالبيتهم من عوائل لمجموعات موالية لأنقرة.
في عفرين مثلاً تشير تقارير منظمات حقوقيّة إلى أنّ نسبة الكرد في المدينة انخفضت من نحو 95٪ قبل الاحتلال إلى أقل من 30٪ في ظلّ الاحتلال التركيّ، كما تمّت مصادرة آلاف المنازل والأراضي الزراعيّة وتوزيعها على عوائل مرتزقة تابعين للمجموعات الموالية لتركيا، في سياسة تهدف إلى طمس الهوية الكرديّة والتاريخيّة للمنطقة.
حتى دينيّاً أخضعت دولة الاحتلال المساجد لهيمنة رئاسة الشؤون الدينيّة التركيّة “ديانت”، والتي تشرف على الخطب والأئمة والمناهج الدينيّة، في سياق نشر فكرٍ عثمانيّ موجّه يرسّخ الولاء لتركيا لا لسوريا، وفق سياسة ناعمة موازية للسلاحِ هدفها إعادة إنتاج جيل سوريّ بوعي تركيّ.
علاوة على أنّ دولة الاحتلال تحاول الهيمنة الاقتصاديّة من خلال افتتاح فروع للبنوك التركيّة في المناطق المحتلة، وتُستورد السلع الغذائيّة والطبيّة من تركيا حصراً لتصبحَ الأسواقُ المحليّة أشبه بأسواق تركيّة داخل سوريا تُباع فيها المنتجات التركيّة حصريّاً فيما تنهار الزراعة والصناعة المحليّة بسبب انعدام الدعم الوطنيّ.
مع ذلك تمهّد دولة الاحتلال لمشروع أكبر وهو السيطرة على الطرق الدوليّة لتكون سوريا بوابة عبور لبضائعها إلى دول الخليج والعراق ما يجعل الاحتلال مشروعاً اقتصاديّاً يدرّ أرباحاً كبيرة على تركيا على حساب السوريين الذين خدعوا بشعاراتٍ رنّانةٍ سوّقها الاحتلال التركيّ ليخلق لنفسه موطئ قدم داخل سوريا.
جرائم موصوفة
رغم سقوط النظام السابق؛ فإنّ مدناً مثل عفرين، والباب، وإعزاز، وجرابلس وكري سبي لا زالت تُدار من مجالس محليّة تتلقى تعليماتها من الوالي التركيّ القائم على الولاية المقابلة للمدينة السوريّة، فمجلس إعزاز يخضع لوالي كلس، ومجلس الباب يتبع لغازي عنتاب، بينما عفرين تُدار عمليّاً من هاتاي.
ترسل تركيا رواتب الموظفين بالليرة التركيّة وتفرض استخدامها في المعاملات الرسميّة وتحدد المناهج التعليميّة، وتُدير الأمن عبر الشرطة المحليّة التي تتلقى أوامرها من ضباط أتراك بهذه الطريقة، تحولت الشؤون الإداريّة الى إدارة فرعيّة تابعة للولايات التركيّة، وليست كياناً سوريّاً مستقلاً.
لم يكتفِ الاحتلال التركيّ بوجوده العسكريّ على الأراضي السوريّة بل فتح الأبواب على مصراعيها أمام جرائم وانتهاكات تنوعت بين الاعتقالات التعسفيّة والخطف مقابل الفدية والتعذيب في سجون المجموعات الموالية لتركيا ونهب الممتلكات العامة والخاصة الى جانب قطع أشجار الزيتون المعمرة في عفرين وبيعها داخل تركيا.
وتُوثّق منظمات حقوق الإنسان بشكل دوريّ انتهاكات خطيرة في المناطق المحتلة بوصفها ترتكب تحت أنظار وعلى مسامع جيش الاحتلال التركيّ وتحت إشرافه، ما يجعل تركيا مسؤولة قانونيّاً قوة احتلال وفق القانون الدوليّ الإنسانيّ عن الجرائم والانتهاكات التي اُرتكبت في المناطق المحتلة.
ورغم وضوح الأدلة على الطابع الاحتلاليّ للتدخل التركيّ إلا أنّ المجتمع الدوليّ يلتزم الصمت لأسبابٍ تتعلق بالمصالح والتحالفات فدولةُ الاحتلال التركيّ تتمتع بسطوةٍ واسعةٍ بوصفها عضو في الناتو، وتستفيد من الغطاءِ الغربيّ لتبرير وجودها في سوريا كقوةٍ احتلال تحت الذرائع التي تسوّقها للمجتمع الدوليّ.
هذا الصمت يشجّع دولة الاحتلال على المضي قدماً في مشروعها التوسعيّ رغم غياب الذرائع التي كانت تسوقها بأنّها تخلقُ “منطقة آمنة” للسوريين خارج سيطرة النظام السابق إلا أنّ احتلالها استمر وتوسع حتى بعد سقوط النظام فباتت تسيطر على القرار في دمشق كما وصفها الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب.
فوسط غياب موقف سوريّ رسميّ حازمٍ، وانقسام داخليّ يفتح الطريق أمام استمرار الاحتلال، وتبقى المناطق السوريّة المحتلة تئن وسط غياب أهلها المهجرين والقابعين في مخيمات التهجير مبعدين عن ديارهم، التي استوطن فيها آخرون موالون لأنقرة ولسياساتها أكثر من ولائهم لسوريا والسوريين.
تركيا اليوم لا تخفي نواياها، وهي لا ترى في الشمال السوريّ أرضاً مجاورة بل امتداداً لنفوذها التاريخيّ ومن عفرين إلى سري كانيه تتبلور ملامحُ مشروعٍ استيطانيّ مغطىً بذرائع “الأمن القوميّ”، بينما الحقيقة هي اقتطاع ممنهجٌ للسيادة السوريّة وما لم يتحرك السوريون والمجتمع الدوليّ لوقفِ هذا الاحتلال؛ فإن التاريخَ سيعيد نفسه ولكن هذه المرة على حساب شعبٍ يُراد له أن يُمحى من خريطته ومن ذاكرته.
خيارات وطنيّة
الوجود التركيّ في سوريا يتناقض تماماً مع القانون الدوليّ وميثاق الأمم المتحدة الذي يجرّم احتلال أراضي الغير بالقوة، فتركيا لم تدخل بقرار أممي ولا باتفاق مع حكومة شرعية معترف بها دوليّاً بل بقوة السلاح وبموافقة قسرية من بعض القوى المتصارعة.
ففي خضم هذه السياسات، التي لا تخدم سوريا والسوريّين يرى الكثير من التابعين، أن مواجهة الاحتلال التركيّ لا تكون بالشعارات فقط، بل تتطلب بناء موقف وطنيّ موحد يجمع القوى السياسيّة والإدارات المحليّة على هدف حماية وحدة الأراضي السوريّة.
وعلى رأس هذه الخطوات يجب الاعتراف بأن ما يجري في الشمال ليس مجرد “تدخل”، بل احتلالاً بكل المعايير وأن مقاومته تتطلب مشروعاً سياسيّاً وإداريّاً بديلاً يقوم على اللامركزية والتشاركية، ويستند إلى الشرعية الشعبية والديمقراطية، وإن أيّ مشروع وطنيّ حقيقي يجب أن يقوم على استقلال القرار السياسيّ والإداريّ عن أيّ وصاية خارجيّة، سواء كانت تركيّة أو غيرها.
فالحل لا يكمن في تبعية جديدة بل في بناء إدارة ذاتيّة سوريّة موحدة تعتمد وتستمد شرعيتها من إرادة السوريّين لا من خلال قرارات تصدر عن مكاتب الولاة الأتراك ودون ذلك ستبقى الحدود الشماليّة ثغرة مفتوحة لتمزيق سوريا وإعادة رسم خريطتها لصالح النفوذ العثمانيّ الجديد.
الحكومة السوريّة الانتقالية هي من اعتلت سدة الحكم وباتت مطالبة بالحفاظ على وحدة سوريا، كما تدعي، وأولى خطوات الحفاظ على وحدة سوريا تبدأ من إخراج المحتل التركيّ وتبني مشروع الإدارة الذاتيّة في شمال وشرق سوريا رغم ما تواجهه من تحديات إلا أنها قدمت نموذجاً أكثر استقلالية مقارنة بالمناطق، التي تخضع للنفوذ التركيّ.
ويجب على السوريّين الدفع باتجاه تطبيق القرارات الأمميّة على رأسها القرار 2254 الذي يؤكد على وحدة الأراضي السوريّة واستقلالها وهو ما قد يدفع النظام في تركيا للتراجع عن اعتبار الشمال السوريّ كمنطقة نفوذ دائمة، وتشرع فيها المجالس المحليّة وتدير التعليم والأمن والاقتصاد وفق سياساتها الداخلية.
دون هذه الخطوات ستبقى تركيا كدولة احتلال، وهو ما يعني عمليّاً أنَّ السيادةَ السوريّة مجزّأة، وأنّ القرار الوطنيّ رهين لإرادةِ الخارج، الأمر الذي يقوّض أيّ مسار لتسويةٍ سياسيّةٍ حقيقيّةٍ، ومع كلّ ذلك هناك أصواتٌ وطنيّة في الداخلِ السوريّ تطالبُ بوضوحٍ بـ إنهاء الاحتلال التركيّ واستعادة السيادة الوطنيّة.
ليبقى السوريّون مطالبين اليوم بطرحِ مشاريعَ وطنيّةٍ بديلةٍ تقوم على اللامركزيّة والوحدة الجغرافيّة في مواجهةِ مشاريع التقسيم، وتبني إدارةٍ وطنيّة تحترمُ التنوعَ القوميّ والمناطقيّ وتضمنُ العدالةَ والمشاركة لتكون بديلاً مقنعاً عن الهيمنةِ الخارجيّةِ.
خروجُ الاحتلال التركيّ من سوريا يجب أن يقترنَ بإعادةِ بناءِ مؤسساتٍ وطنيّةٍ ديمقراطيّةٍ تحمي الحدودَ وتضمن وحدةَ القرارِ، ولا معنى لسيادةٍ تُرفع على الورقِ، إن كانتِ الأرضُ محتلةً، والقرارُ مرهوناً بالخارج، وما أفسح المجال أمام هذا الاحتلال هو غيابُ الموقفِ الوطنيّ الموحّد إلى الآن على أقل تقديرٍ.
No Result
View All Result