No Result
View All Result
بدرخان نوري
لم يعدِ الحديثُ عن زيادةِ النشاط الإرهابيّ لمرتزقة “داعش” في إطارِ التكهناتِ والاستنتاج، بل تثبته جملةُ الوقائعِ الميدانيّة، الأمر الذي يطرح السؤال حول أسباب هذه الفورة وربطها بعدةِ عوامل ومتغيرات سياسيّة. وأما حصر السبب باضطرابِ المشهدِ السوريّ بعد سقوط النظام السوريّ فهو سطحيّ، لأنّ النظامَ لم يكن عاملَ استقرارٍ حقيقيّ، بل السبب يتعلقُ بتصورِ متغيّرٍ بالوجودِ الأمريكيّ والدور التركيّ في الكواليس الذي أوجد البيئة المناسبة لزيادةِ النشاط الإرهابيّ.
زيادة النشاط الإرهابيّ
الحديث عن مناخ سوريّ مأزوم وبنية مجتمعيّة طالها التفكك واقتصاد منهار وحالة أمنيّة مضطربة هو واقعٌ معاشٌ في معظم المناطق السوريّة، وتتحمل الحكومة الانتقالية المسؤوليّة المباشرة لعدم قيادتها عملية سياسيّة شاملة وانفتاحها على كلّ السوريين من موقع مسؤوليتها الاعتباريّة، والإشكال في أنّها تقود الموالين لها ضدّ المختلفين معها، وهذه البيئة كانت من عوامل زيادة نشاط شبكات مرتزقة “داعش”، وزيادة وتيرة هجماته بنحو 60% في العام الحالي مقارنة بالعام الماضي، وهي زيادة “لافتة” بعد هزيمته في آخر معاقله قبل ست سنوات. أما الحديث عن استغلال “داعش” الفراغ الأمنيّ فيأتي في سياق التهويل في بلدٍ لم يعرف الاستقرار لأكثر من عقد، والحقيقة أنّ “داعش يعول على جملة من العوامل المحليّة والسياسيّة إضافة إلى تراخٍ في الجهدِ الدوليّ.
كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال الأمريكيّة”، الخميس 23/10/2025 أنّ مرتزقة داعش الإرهابي عادت إلى توسيع نشاطها في سوريا، ونفذت أكثر من 117 هجوماً منذ مطلع 2025 في دير الزور والرقة والبادية السوريّة، مقارنة بـ 73 هجوماً فقط في 2024، ووفقاً للصحيفة ففي آب وحده، استشهد سبعة من مقاتلي “قسد”، بينما شهد الأسبوع الأول من أيلول ثماني هجمات جديدة، أدت إلى لاستشهاد مقاتلين بانفجار لغم أرضي.
وأوضحت الصحيفة، أنَّ الجزء الأكبر من هذه الهجمات وقع في دير الزور، التي تُعد المعقل الأبرز لمرتزقة داعش”، ويُقدّر عدد عناصرها بنحو ثلاثة آلاف مشيرةً إلى أنّ دير الزور أصبحت المركز الرئيس للعمليات.
ولفتت إلى أنّ “داعش” تمكن من الاستيلاء على أسلحة من مخازن لقوات النظام السابق خلال تلك الفترة، ما ساهم بتعزيز قدراته العسكريّة. وذكرت الصحيفة أنّ “قسد” رغم سيطرتها على معظم أراضي شمال وشرق سوريا، إلا أنّها تواجه تحديات كبيرة في تأمين مناطقها، وخاصة مع اضطرارها حماية مواقع احتجاز تضم نحو 50 ألفاً من المرتزقة ومن عوائلهم، بينهم أجانب ترفض دولهم إعادتهم.
ووفقاً للصحيفة، بدأت الولايات المتحدة منذ نيسان الماضي تقليص وجودها العسكريّ في سوريا، وسحبت نحو 500 جندي من أصل ألفي جندي، معظمهم من قواعد في دير الزور، ونُقِلت بعض المواقع العسكريّة، إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطيّة”. ونقلت الصحيفة عن غوران تل تمر، القياديّ في “قسد” قوله: إنّ هذا الانسحاب “ألهم “داعش” لاستعادة نشاطه السابق.
وأشارت الصحيفة إلى، أنّ داعش قد غيّر تكتيكاته القتاليّة، ويعمل الآن من خلال خلايا صغيرة مستقلة لا يزيد عدد عناصرها عن خمسة عناصر. وغالبًا ما تعمل هذه الخلايا داخل مدينة واحدة دون علم أو تنسيق مع وحدات أخرى، ما يجعل تعقبها أصعب.
ونقلت الصحيفة عن سيامند علي، المتحدث باسم وحدات حماية الشعب، قوله: “إنّ مسلحي داعش يعتمدون على مجموعات صغيرة، أربعة أو خمسة أشخاص، لعملية واحدة.. بهذه الطريقة، يوفرون الكثير من المال. وكل شخص لديه بندقية AK-47 وعبوة ناسفة”. كما أنّ مرتزقة داعش لا يرتدون الزي العسكريّ أو يرفعون الأعلام السوداء كما كانوا يفعلون في السابق، بل اندمجوا مع السكان المحليين، خاصة وأنّ معظمهم من المواطنين السوريين.
يقول التقرير: إنّ القوات الأمريكيّة تواصل مساعدة قوات سوريا الديمقراطيّة بالتكنولوجيا والمعلومات الاستخبارية لتتبع “داعش”، وتقديم الدعم الجوي لعملياتها.
معظم العمليات في دير الزور
وفي ظل خسارته السيطرة المكانيّة، وعجزه عن الظهور العلنيّ تنفذ مرتزقة “داعش” ضربات سريعة خاطفة ومباشرة، وتتجنب الدخول في اشتباكات مباشرة، لتفادي الخسائر البشريّة والعسكريّة. و”تعتمد على تكتيك “الذئاب المنفردة” وتطبيق قاعدة “اضرب واهرب”.
بالمجمل لا يبدو أنّ تصعيد الهجمات يهدف لاستعادة السيطرة المكانيّة، التي تتطلب قواماً عسكريّاً كبيراً، إلا أنّ النتيجة المباشرة خلق حالة خوف وزعزعة الاستقرار، كما أنّها تأتي في إطار نزعة انتقاميّة تستهدف قوات سوريا الديمقراطيّة وحواضنها المجتمعيّة من العاملين في المؤسسات. كما لا يمكن تنفيذ العمليات بهذه الكثافة إلا في بيئات مجتمعيّة محددة لديها حالة احتقانٍ وسوابق في احتضان مرتزقة “داعش” أو كانت من حواضن النظام.
وذكر المرصد السوريّ لحقوق الإنسان الأحد 26/10/2025 أنّ مناطق شمال وشرق سوريا شهدت خلال شهر تشرين الأول تصاعدًا في وتيرة العمليات الأمنية لقوات سوريا الديمقراطية وكذلك هجمات داعش، ما أسفر عن ارتقاء شهداء وجرحى من المدنيين والعسكريّين، ويأتي ذلك في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار الأمنيّ، رغم الحملات المتكررة التي تنفذها قوات سوريا الديمقراطيّة بدعم من التحالف الدوليّ لملاحقة خلايا “داعش”.
كما أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان 207 عمليات نفذتها خلايا مرتزقة “داعش” ضمن مناطق “الإدارة الذاتية” منذ مطلع العام 2025. ونفذت كلها بهجمات مسلحة واستهدافات وتفجيرات. ووفقاً لتوثيقات المرصد أودت تلك العمليات بحياة 97 شخصاً: 68 شهيداً من قوات سوريا الديمقراطيّة والتشكيلات العسكريّة العاملة معها. و13 قتيلاً من المرتزقة، و16 مدنيّاً، وتوزعت العمليات على النحو الآتي: 176 عملية في دير الزور و16 عملية في الحسكة و15 عملية في الرقة.
وتعكس هذه البيانات استمرارَ نشاط خلايا “داعش” رغم خسائره الكبيرة وفقدانه السيطرة على مناطق واسعة، ما يظهر قدرته على إعادة ترتيب صفوفه وتنفيذ هجمات مباغتة تستهدف القوات الأمنية والمدنيين. هذا الواقع يؤكد ضرورة تعزيز الإجراءات الأمنية والاستخباراتية في مناطق سيطرة “قسد”، لضمان حماية المدنيين، والحد من خطر “داعش” المتجدد.
وكانت مرتزقة من “داعش” قد أضرمت النار في خيمة تابعة لمجلس الاقتصاد والزراعة في بلدة السوسة بريف دير الزور الشرقي، كانت مخصصة لتنظيم مهرجان “الرمان” المقرر إقامته في اليوم التالي، ولم ترد معلومات عن خسائر بشريّة.
اللافت، أنّ الزيادة في النشاط الإرهابيّ يتزامن مع تداول معلومات تفيد بوجود العديد من أنصار النظام السابق والميليشيات الإيرانيّة في وحدات الأمن العام في دير الزور، الأمر الذي يقود إلى ملف موسع يتعلق بتغيير الولاء وفق المرحلة، وقضية الفساد مع خلفية لدوافع سياسيّة في استثمار عوامل الرفض التي تتغذى من خطاب الكراهية الذي يساهم فيه حتى الإعلام الحكوميّ الرسميّ.
من جهة ثانية، تستمر جهود التحالف الدولي المساند لقوات سوريا الديمقراطية لمكافحة داعش في شمال وشرق سوريا، فالعمليات المنفذة في إطار مكافحة الإرهاب تأتي في سياق التنسيق مع قوات سوريا الديمقراطيّة التي بلغت مرحلة متقدمة في الكفاءة والمهارات القتاليّة. وتم رصد زيادة في نشاط “التحالف الدوليّ” بقيادة الولايات المتحدة، في مناطق شمال وشرق سوريا خلال شهر تشرين الأول الجاري، وشملت عمليات تعزيز عسكريّة جويّة وبريّة، وتدريبات مشتركة مع قوات سوريا الديمقراطيّة، وتنفيذ عمليات أمنيّة استهدفت خلايا مرتزقة “داعش” في عدةِ مناطق. وبذلك فالتقليص العدديّ قابله تعزيز للقدرات العسكريّة وتنفيذ العمليات الأمنيّة.
وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان في 24/10/2025 نقلاً عن مصادر خاصة، أنّ قوات “التحالف الدوليّ” بدأت بإنشاء نقطة عسكريّة جديدة خارج منطقة الـ55 كم عند المثلث الحدوديّ السوريّ ـ العراقيّ ـ الأردنيّ، قرب الطريق الدوليّ بغداد ـ دمشق. والنقطة الجديدة في طور الإنشاء بعد نقل المستلزمات الأساسيّة إليها، وذلك بالتنسيق مع وزارة الداخليّة بالحكومة السوريّة الانتقالية.
تحذير دوليّ من العودة
الحديث عن قدرة “داعش” على إحياء نفسه، وحدود ذلك ما زال مطروحاً بقوة، وتؤكد التقارير الاستخباريّة الدوليّة أو الصادرة عن الأمم المتحدة أو مراكز البحوث، أنّ التحالف الدوليّ ما زال يجتمع دوريّاً ويحذّر من احتمال عودة “داعش”، وهذه العودة تبقى مرجحة دائماً، بدخول المنطقة مرحلة جيوسياسيّة جديدة بعد سقوط الأسد.
لكن بعد جملة التغيّرات الإقليميّة، التي تلت الحرب على غزة، تراجع الاهتمام الدوليّ بقضية الإرهاب الدوليّ، ولم يعد أولوية السياسات العالميّة، إذ تركز الأولويات الجيوسياسيّة الأمريكيّة والعالميّة على الصراعات الدوليّة الكبرى، بعكس المرحلة التي أعقبت أحداث 11 أيلول 2001، عندما كانت مسألة محاربة الإرهاب تشغل مقام الصدارة، ومحلّ توافق عالميّ، فيما اليوم، تُبدي واشنطن وموسكو وبكين مواقف مختلفة، ولعلَّ الحرب الأوكرانيّة وقضايا الطاقة والتنافس الاقتصاديّ باتت محل الأولويّة، ما انعكس ضعفاً في الاستراتيجيات الدوليّة لمكافحة الإرهاب، إضافة لعوامل إقليميّة منها عدم استقرار الوضع السوريّ والاضطراب السياسيّ في العراق، وهذه العوامل تستغلها مرتزقة “داعش” لإعادة ترتيب صفوفها واستعادة نشاطها في سوريا ومناطق عديدة في العالم وخاصة أفريقيا.
الخطر الإرهابيّ ما زال ماثلاً، بالنظر إلى مرونة “داعش” واعتماده على استراتيجيات غير تقليديّة، وقابليته على التكيف مع تحولات المنطقة الجيوسياسيّة واستغلال تناقضات وخلافات المشهدين السياسيّ والإقليميّ لخدمة أهدافه، ومنذ هزيمته في الباغوز في آذار 2019، انحسر “داعش” جغرافيّاً وتحوّل إلى شبكةٍ لا مركزيّة تضم خلايا أمنيّة وعسكريّة صغيرة تتشر في عدة مناطق، ويعتمد تكتيك حرب العصابات، ويستثمر حالاتِ الاحتقان، وزيادة خطاب الكراهية والظروف الاقتصاديّة للتجنيد واستقطاب عناصر جديدة.
تساهم حالة الاحتقان بعودةٍ متدرجةٍ للعملياتِ الإرهابيّة، في ظلّ ضعفِ الفاعلية السياسيّة وعدم تحقيقها تقدماً حقيقيّاً لترسيخ حالة الاستقرار على الأرض، ومن الطبيعيّ أنّ الكيانات والمجموعات المتطرفة تزيد نشاطها في ظلّ البيئات الهشّة أمنيّاً، وتجد ضالتها في الأفراد الناقمين والمهمّشين فستقطبهم لزيادة نفوذها. واحتواء ذلك يتطلب بالضرورة جهداً يوازي حجم المخاطر المحتملة، وقطع الطريق على “داعش” وملاحقة قياداته واتخاذ إجراءات أمنيّة احترازيّة واستباقيّة في سياق خطة متكاملة تتزامن فيها العمليات الأمنيّة مع برامج مكافحة التطرفِ الفكريّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ. وأن يستند أيّ تدخلٍ عسكريّ أو أمنيّ إلى موقفٍ سياسيّ واضح يُراعي تعقيدات المشهدِ السوريّ، ويمنع الانزلاقَ إلى موجةٍ عنفٍ جديدةٍ.
الدور التركيّ في الكواليس
لا يمكن الحديث عن أيّ توترٍ وتصعيدٍ في سوريا، وخاصة قوات سوريا الديمقراطيّة مع إغفالِ الدور التركيّ، والذي إن لم يكن مباشراً، فهو حتماً في كواليسِ الأحداث. ولا يمكن الفصل بين زيادة نشاط مرتزقة “داعش”، والتصعيد العسكريّ في مناطق دير حافر وريف منبج ودير الزور، وكذلك محاولة اقتحام حيي الأشرفيّة والشيخ مقصود في مدينة حلب.
ما تعمل عليه أنقرة هو مخططٌ متكاملٌ للضغط على قوات سوريا الديمقراطيّة، وهي تتطلع إلى تدحرج الأحداث لتتحول إلى معارك واسعة تشمل أوسع نطاق جغرافيّ، فيما تستغلُ مرتزقة “داعش” هذه البيئة المضطربة وجبهات المشاغلة لقوات سوريا الديمقراطيّة لتنفيذِ عمليات في العُمق واستهداف مواقع عسكريّة وأمنيّة، والعربات على الطرقات.
المسألة الثانية تتعلق بالتوقيت، ففي هذه المرحلة تتواصل اللقاءات في مسار تنفيذ اتفاق العاشر من آذار، ودمج قوات سوريا الديمقراطيّة في إطار الجيش السوريّ الجديد، وهذا ما يعني بقاء هذه القوات واكتسابها التوصيف الوطنيّ الشامل علاوة على اكتسابها سمعةً دوليّةً في محاربةِ الإرهابِ.
تحاول دولة الاحتلال التركيّ فرضَ تفسيرها لاتفاقِ آذار، وأن يكون انضمام “قسد” على شكلِ أفرادٍ وليس كتلة واحدة. ولكن صمود قوات سوريا الديمقراطيّة واحتضانها المجتمعيّ وإحياء مسار اللقاءات بين دمشق وقادة “قسد” قوّض الجهود التركيّة وأسقط إعلان حزب العمال الكردستانيّ انسحاب مجموعة من قوات الكريلا من الأراضي التركيّة حجج أنقرة، ولم يُبقِ لها إلا مسار السلام، فهل تفي أنقرة باستحقاقات السلام، وتتوقف عن دعم الإرهاب؟ هذا السؤال هو عنوان المرحلة القادمة.
No Result
View All Result