عبدالرحمن محمد –
ملاحم ودروس وعِبر، بطولات قد توصف بالأسطورة وتضاهيها، وقد تتسم بالإعجاز في بعض تفاصيلها، قصص قد لا يصدقها البعض ممكن لم يعرفوا بعد حقيقة اولئك الابطال الذين غيروا الكثير من المفاهيم وكسروا الكثير من قوانين ومسلمات النضال، كذلك قلبوا بعض الموازين عندما تسلحوا بالإرادة التي استعاضوا بها عن تلك الأسلحة الأخرى التي تسلح بها غيرهم، لذلك صنعوا انتصارات في الوقت الذي انهزمت في الكثير من القوى وولت صوب العار، لذلك كانت الكثير من الأقلام تترصد قصصهم وتحاول نقل بعض من تلك الصور لمن فاته تفاصيل تلك المعارك النضالية والمقاومة التي خلدت أسماءهم في متون التاريخ.
“السطوح الخلفية للمرايا” كتاب آخر من سلسلة الكتب التي صدرت في شمال شرق سوريا وفي قامشلو بالذات، عن “مركز شوبدارن روجه للثقافة” ضمن سلسلة “منشورات الشهيدة جيندا” وهو من يوميات المقاومة التي كتبتها القاصة حنان رشكو العضوة في المركز.
الكتاب كما ستُ كتب سبقته يحكي عن يوميات المقاومة التي تتشابه من حيث النظرة الأولى لكن تفاصيلها تختلف في كل مرة، ومنذ الصفحات الأولى نقرأ تلك الكلمات المعبرة والوصف الدقيق ونلمس روح التمكن من تسخير الكلمة بصورة شاعرية دقيقة تبث الروح في المكان:
“لم يعد يأتمن للإسمنت والحديد المتوغل فيه الذي نزع عن نفسه رداءه، وبات مكشوفاً بتبجح، فكم من جدار تهدم بعد التعنت، وكم من ستار مصنوع من قطعة حرير هفهافة صمد رغم رقته”.
إنها الشاعرية والتعبير الجميل رغم قساوة المشهد وهي تصف حال أرضية البناء الذي لجأت إليه مجموعة من المقاتلين المدافعين عن وجودهم.
لا تغيب النبرة التعبيرية والإبداعية عن مفردات حنان رشكو بل إنها تجذب القارئ من خلال الصورة الدقيقة للحدث بتفاصيل الزمن والمكان، ودون تصنع وبدراية تسوق الكلمة المشوقة الدقية والتعبير الجميل:
“بعد أن جافاه النوم لأيام وكأن جفنيه في سجال مستعص مع النوم، وخصام مشاكس لا يتنازل أحدهما للآخر ويبادر بالوصال”.
المفاجآت لا تنتهي والترقب والحذر سيد الموقف في الجبهات وفي حرب المدن كذلك واليقظة والحذر تحتمان توقع أي طارئ في أية لحظة، كذلك حال حنان وهي تسوق مجريات الأيام بتواترها تارة وتسارعها تارة أخرى لكنها تبقى مصممة على إيصال الصورة المثلى في التفاصيل الحركية الزمانية منها والمكانية، وحتى في نقل الحدث تبدو متأثرة إلى حد بعيد بما جرى ويجري حولها، وتعكس بعضاً من تلك الصور الدقيقة، حتى من خلال المشاعر ولحظات الزمن الفارقة:
“تخبط كيانها، وقُلِب سكونها إلى فوران عاصفة لبرهة، مع ذلك تجمدت لبرهة في مكانها، اختلجت في صدرها الآلاف من الحركات الراكدة، تسارع نبض قلبها كأنها قطعت آلاف الكيلومترات في ماراثون، توسعت عيناها في جفلة متلبدة، وراحت تنظر بحدقتي عينها يميناً ويساراً دون أن تحرك ساكناً”.
أنها اللحظات التي تلتقي فيها المقاتلة برفيقها المصاب وهي لا تتوقع تواجده هناك ولا تدرك إنه مصاب بجرح في قدمه، والاثنان في ترقب وتوقع لكل ما من شأنه أن يودي بحياتهما إلى التهلكة، بعد أن تلقوا تعليمات صارمة بوجوب إخلاء المكان، وكل منهما في حال يمنعه من المغادرة.
يتبدل المكان وتتبدل الأحداث والأشخاص في تسارع زمني ربما ليجاري وقع المعارك ويوميات الثورة في رواية حنان رشكو، وربما إنها أسرع مما ينبغي في بعض حالاتها لكنها تبقى تشد المرء لمعرفة ما في السطور والصفحات التالية، ولأن الرواية صغيرة الحجم نوعاً ما “114صفحة” من القطع الوسط، فإن المرجح إن قراءتها تتم في يوم أو يومين من قبل من لهم نهم في القراءة وبخاصة في أحداث مشوقة، تضمها صفحات الرواية التي تأتي قريبة من المذكرات أو أدب المقاومة، وتلك الصور الجميلة المعبّرة للروح الثورية الرفاقية من جهة، وتلك التفاصيل الحميمة الأخرى عن العلاقة بين الأرض والإنسان وعلاقة أولئك الثوار المقاتلين مع أهلهم وذويهم من سكان تلك المناطق الذين تجمعهم روح الوطنية والدفاع عن الكرامة والوجود.
والكاتبة الشابة حنان رشكو من مواليد مقاطعة قامشلو، تحمل شهادة الحقوق وتعمل كعضوة في مركز شوبدارن روجه للثقافة، تكتب القصة والمقالة والرواية، ولها مشاركات في فعاليات المركز وفي العديد من الفعاليات الثقافية في شمال وشرق سوريا.