No Result
View All Result
الحسكة/ محمد حمود ـ في الوقت الذي تشهد فيه سوريا انتقالاً سياسياً هشاً بعد سقوط النظام السوري السابق وإشعال الحرب الطائفية في أغلب مناطقها، باتت شمال وشرق سوريا نموذجاً من التماسك المجتمعي والعيش المشترك.
في إقليم شمال وشرق سوريا، حيث تتقاطع خطوط الجغرافيا مع نسيج الثقافات والأعراق، يبرز التماسك المجتمعي ضرورة ملحة لمواجهة التحديات المتعددة التي تهدد استقرار المنطقة. وتحوي هذه المناطق، تنوعاً عرقياً وثقافياً هائلاً يجمع بين شعوب عاشت جنباً إلى جنب لقرون، لكنها تواجه اليوم مخاطر التقسيم والفتنة في ظل الظروف الإقليمية المعقدة.
التماسك المجتمعي أساس الحفاظ على الوحدة
فالتماسك المجتمعي هنا ليس مفهوماً نظرياً، بل آلية حية للحفاظ على الوحدة أمام محاولات التفكيك المتعمدة، سواء من خلال الدعاية أو الضغوط الاقتصادية أو التهديدات الأمنية. وهذا ما أكده الإعلامي “عماد الخلف” في حوار مع صحيفتنا “روناهي”، مشدداً على أن “الوقوف في وجه محاولات جر شعوب المنطقة إلى فتنة” يتطلب اتحاداً مجتمعياً يتجاوز الاختلافات العرقية والطائفية.
الخلف، الذي يتابع أحداث المنطقة منذ سنوات، يرى في هذا الاتحاد درعاً واقياً يحمي المجتمع من الانهيار، خاصةً، في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، وتدخلات خارجية مستمرة، يأتي تصريح الخلف كصوت يعكس قلقاً جماعياً، ودعوة لإعادة بناء الثقة بين السوريين كافة.
وتدار مناطق إقليم شمال وشرق سوريا ذاتياً منذ تأسيس الإدارة الذاتية الديمقراطية في عام 2014، وفقاً لميثاق العقد الاجتماعي الذي يؤكد المساواة بين الأعراق والأديان. هذا الميثاق، الذي صيغ في ظروف صعبة، يمثل إطاراً دستورياً يهدف إلى بناء مجتمع متعدد يعتمد على الديمقراطية المباشرة والمشاركة الشعبية.
وفي هذه المناطق، يعيش ملايين السكان من الكرد والعرب، والآشوريين والسريان، والأرمن والتركمان والإيزيديين، في تنوع يُعد مصدر قوة إذا ما حُفِظ، وخطراً إذا ما قُسِّم. ويظهر هذا التنوع في الأسواق المشتركة في مدن مثل قامشلو والحسكة والرقة، حيث تختلط اللغات الكردية والعربية والسريانية، وتُقام احتفالات مشتركة في الأعياد الدينية المتنوعة، ما يعزز الشعور بالانتماء المشترك رغم الاختلافات.
دور الإعلام في تعزيز التماسك
وبدأ الإعلامي “عماد الخلف” حديثه مع “روناهي” بالتأكيد على الدور الحاسم للإعلام في تعزيز التماسك: “الإعلاميون في الإدارة الذاتية، يتحملون مسؤولية كبيرة في مكافحة الشائعات والخطاب الكراهية الذي يُنشر عبر وسائل التواصل الافتراضي”.
وتابع: “في عصر الإنترنت، أصبحت وسائل التواصل الافتراضي سلاحاً مزدوجاً، وأداة للتواصل السريع، ومنصة لنشر الشائعات التي تستهدف زرع الفتنة”.
وأشار الخلف، إلى أمثلة عديدة، حيث تم استغلال صور مفبركة أو أخبار كاذبة لإثارة التوتر بين الشعوب؛ ما يتطلب من الإعلاميين تدريباً مستمراً على التحقق من المعلومات ونشر محتوى يركز على قصص التعايش الناجحة.
وأضاف: “الفتنة ليست مجرد كلمة، بل هي محاولات مدبرة من قوى خارجية لتفكيك الروابط الاجتماعية، كما حدث في عمليات “الميت التركي” التي استهدفت الشبان لزرع الشقاق بين الشعوب”.
وهذه العمليات، التي كشفت عنها تقارير أمنية محلية، تعتمد على تجنيد شباب من خلفيات مختلفة لنشر الدعاية المضللة، مستغلة الفقر والوضع الاقتصادي. الخلف يؤكد أن مواجهة مثل هذه المحاولات تتطلب تعزيز التعليم المجتمعي والبرامج الشبابية التي تركز على بناء الوعي المشترك.
“إن الثورة السورية بدأت موحَّدة، تجمع كل الأعراق ضد الفساد والاستبداد، لكن الطائفية التي زرعها النظام السابق والقوى الخارجية حولتها إلى حرب داخلية، هذه الذكريات تذكرنا أن الوحدة كانت ممكنة في البدايات، ويمكن استعادتها من خلال رفض الطائفية وتعزيز الحوار”.
وفي سياق المنطقة، أكد أن التماسك ليس رفاهية، بل “ضرورة أمنية”، خاصة مع استمرار تهديد مرتزقة “داعش” الذي يستغل الشقوق الاجتماعية لإعادة تنظيم صفوفه في المناطق الصحراوية.
خلايا “داعش” النائمة في بادية دير الزور والرقة لا تزال تشكل خطراً، حيث تحاول استغلال أي انقسام للعودة، ما يجعل التماسك المجتمعي جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأمنية إلى جانب العمليات العسكرية.
ويواجه إقليم شمال وشرق سوريا تحديات متعددة الأبعاد، ففي الاقتصاد هناك مشكلات ناتجة عن الحصار والحرب، تزيد من الضغط على المجتمع، لكنها أيضاً تفتح الباب لمبادرات محلية مثل التعاونيات الزراعية المشتركة، التي تساهم في توزيع الموارد بشكل عادل.
وأمنياً، تواجه المنطقة تهديدات من الهجمات التركية المتواصلة، وسياسياً، تسعى الإدارة الذاتية للحصول على اعتراف بحقوق شعوب المنطقة في ظل الانتقال السوري الجديد.
وفي ختام لقائه، اختتم الإعلامي “عماد الخلف” بدعوة ملهمة: “التماسك ليس خياراً، بل واجباً، إذا وقفنا معاً، سنحول التنوع إلى قوة، ونمنع الفتنة من أن تُصبح واقعاً”، هذه الكلمات تتردد في شوارع قامشلو والحسكة، حيث يجتمع السكان يومياً للنقاش في مجالس محلية ومنتديات ثقافية.
ومن خلال تعزيز الإعلام المسؤول، والتعليم المشترك، والمشاريع الاقتصادية الجماعية، يمكن لسكان مناطق إقليم شمال وشرق سوريا بناء مستقبل يتجاوز التحديات، محولين تنوعهم درعاً لا يُخترق أمام أي فتنة أو تدخل خارجي.
No Result
View All Result