No Result
View All Result
كردستان يوسف
في الثامن من آذار من كل عام، تستيقظ الذاكرة الإنسانية على نبض التاريخ النسوي، على أصوات النساء اللواتي صرخن في وجه الظلم، وحملن قضايا العدالة والمساواة راية تتحدى العصور والأيديولوجيات المظلمة، اليوم الذي أصبح رمزاً عالمياً لكرامة المرأة وحقها في أن تكون شريكة كاملة في الوجود الإنساني، لا ظلاً في هامشه.
لكن في سوريا، التي صاغت فيه المرأة ملحمة الصبر والمقاومة، يتم تهميش هذا اليوم المقرر عالمياً يوماً للمرأة، وتم التعامل معه بصمت رسمي ثقيل في المرسوم الرئاسي الجديد، الذي أضاف أعياداً لم تكن موجودة سابقاً وأزال أعياداً، وكأنّ الدستور الذي يفترض أن يكون مرآة للحقوق والكرامة قد اختار أن يحجب صورته عن نصف المجتمع.
إنّ تغييب يوم المرأة العالمي عن النصوص الدستورية والمناسبات الرسمية لا يمكن قراءته بوجه عابر، بل وجه من وجوه العقل السياسي الذكوري الذي ما زال يتوجس من حضور المرأة ويخشى رمزية نضالها.
هذا التغييب ليس استثناءً، بل حلقة في سلسلة من الإنكار الممنهج للتعددية التي تشكل جوهر الهوية السورية، فكما غيّب الثامن من آذار، تم تغيب رموز ثقافية وتاريخية لشعوب أصيلة من المجتمع السوري مثل عيد النوروز، وعيد أكيتو، وأعياد الإيزيديين، وهذه شواهد على سياسة تصر على طمس التنوع وإخضاع الذاكرة الجماعية إلى رواية سلطوية واحدة، لا ترى في الاختلاف إلّا تهديداً لسلطتها، لا غنى لثراء المجتمع.
لقد كانت المرأة السورية، عبر التاريخ، شريكاً في النضال الوطني والاجتماعي، حملت راية التنوير وشاركت في الثورات، وأسهمت في ميادين التعليم والصحة والزراعة، وكانت في طليعة من واجهوا الإرهاب دفاعاً عن الحياة. ومع ذلك، حين أعيدت صياغة العقد الاجتماعي الجديد، حجبت صورتها خلف واجهات تجميلية، خالية من الفاعلية، لتبقى مشاركتها الرمزية غطاء لنظام لا يعترف بعمق دورها.
إنّ تجاهل يوم المرأة العالمي في الدستور السوري ليس مجرد حذف مناسبة رمزية، بل هو إعلان ضمني عن استمرار البنية الذكورية في مؤسسات الدولة، التي تختزل المرأة في أدوارها التقليدية، وتنكر عليها مكانتها كمواطنة كاملة الحقوق. فالدستور الذي يغفل الاعتراف بنضال النساء هو دستور يفتقد أحد أهم أعمدته الأخلاقية، لأنّه يتجاهل العدالة بوصفها جوهر الشرعية.
ورغم كل ذلك، ما تزال النساء في سوريا، بمختلف انتماءاتهن القومية والدينية، يواجهن هذا التهميش بإرادة لا تكسر. فالثامن من آذار لهن ليس يوماً احتفالياً، بل مساحة للمراجعة والمساءلة، ومحطة لتجديد العهد بنضال المرأة.
لقد أثبتت المرأة السورية، والكردية خصوصاً، أنّها قادرة على أن تكون صوت التغيير في زمن الحرب والسلم، تقود المشافي الميدانية، وتدير مؤسسات المجتمع المدني، وتكتب فصلاً جديداً في الوعي الجمعي.
إنّ استعادة هذا الحق الدستوري لا تكون بالخطابات، بل بتشكيل جبهة ضغط مدنية نسوية حقوقية، توحد منظمات المرأة والأحزاب الديمقراطية والاتحادات الثقافية، لإطلاق مبادرة وطنية تهدف إلى إدراج يوم المرأة العالمي ضمن الدستور السوري، ويمكن أن تستند هذه المبادرة إلى ركائز عملية، منها حشد الرأي العام الوطني عبر الإعلام ومنصات التواصل الافتراضي لتوسيع الوعي بالقضية، وبناء تحالفات مع الشخصيات الفكرية والحقوقية المؤثرة لدعم المطالب النسوية، ورفع تقارير إلى الهيئات الدولية التي تعنى بحقوق المرأة، مستندة إلى الاتفاقيات التي وقعت عليها سوريا سابقاً، وتوثيق نضالات المرأة السورية، التي حاربت دفاعاً عن كرامة المجتمع كله.
إنّ الدستور الذي لا يعترف بتعددية المجتمع ولا يقر بحقوق نصفه، هو دستور فاقد الشرعية الأخلاقية والإنسانية. فالعدالة لا تجزأ، والاعتراف بيوم المرأة العالمي، إلى جانب الأعياد القومية والثقافية لمختلف الشعب السوري، ليس ترفاً سياسياً، بل شرطاً من شروط المواطنة والمساواة.
ستبقى المرأة السورية، بعزمها وإصرارها، تكتب معاني هذا النضال، وتذكر بأنّ الحرية لا تمنح بل تنتزع، وأنّ الكرامة لا تستعاد إلا بوعي جمعي يرفض الوصاية الذكورية والدستورية على حد سواء.
فإذا أرادت الحكومة الانتقالية أن تصوغ دستوراً حقيقياً يعبر عن إرادة الشعب، فعليها أن تبدأ بالاعتراف بالمرأة، لا كرمز تجميلي في النصوص، بل كقوة خالقة للتاريخ ومؤسسة لسوريا الجديدة، سوريا العدالة والتعددية والديمقراطية.
No Result
View All Result